أربع مستويات في معيقات إسهام الشباب المغربي في عملية التنمية المجالية

بقلم: خليل مرزوق (*)

يقول كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة “لا أحد يولد مواطناً صالحاً؛ ولا أمة تولد ديمقراطية، وإنما المواطنة والديمقراطية هما عمليات متواصلة التطور على امتداد الحياة، ويجب إشمال الشباب منذ ولادته، فالمجتمع الذي يقطع نفسه عن الشباب يقطع نفسه عن ما يمده بالحياة، ويكون مكتوباً عليه أن ينزف حتى الموت.”
من هذا المنطلق وبغض النظر عما يمكن أن نستطرده عن أهمية الشباب في كل مجتمع، فإنه يتضح جليا ذلك الخيط الرابط بين الشباب كثروة بشرية مهمة وبين تطور كل مجتمع.
ولأجل هذا كله ينظر للشباب كرافعة للتنمية سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية وكذلك سياسية من خلال مشاركته في إنماء هذه الحقول داخل منظومة الدولة الواحدة، إلى حد اعتبر معه هذا العنصر البشري القوة الدافعة لحركية المجتمع وتطوره مما استوجب ضرورة إشراكهم في الحياة السياسية عبر تطوير برامج إدماجهم وتحصينها بنصوص قانونية ودستورية محفزة لمشاركتهم الفعالة داخل هذه الحياة خصوصا في ضل ما أصبح يصطلح عليه بظاهرة عزوف الشباب داخل المشهد السياسي المغربي والتي تعتبر مثار تخوف الكثيرين خصوصا عند قرب المحطات الانتخابية.
إن أزمة اشراك أو مشاركة الشباب في صنع القرار العمومي التي تتمثل بشكلها الواضح في عزوفه المتعمد غالبا عن المشاركة في المشهد السياسي بداية بالإنتخابات، لها أسباب عديدة تمتد إلى التهميش الإقتصادي الذي يعانيه الشاب المغربي، بالإضافة إلى احتكار نخبة معينة للمؤسسات السياسية التي تتيح للشباب إمكانية التموقع في خضم المجريات السياسية للبلاد والمساهمة في توجيهها والتأثير فيها ومن خلالها في المجتمع.
وإذا كان تهميش الشباب على هذا النحو يضر بالدرجة الأولى بمصلحة التنمية المجالية للبلاد، فإن هناك أسباب أخرى عديدة تدهب في نفس السياق لتنتج نفس الخلاصات، وهي المرتبطة أساسا بالفوارق المجالية بين الشباب، وشبه انعدام لمشاركة هؤلاء في الحياة المدنية والسياسية، وهو ما سنبينه تباعا عبر أربع محاور مختصرة .

المحور الأول: الشباب ومظاهر الهشاشة وعلاقات النوع

والفوارق المجالية

إن المشاكل التي يعاني منها الشباب لا تطالهم بنفس الحدة، ذلك أن التفاوتات بين الجنسين وبين أوساط الإقامة )قروي، حضري، شبه حضري( لا تزال تَطرح إلى اليوم إشكاليات كبرى، خاصة في صفوف الشباب.
وفي هذا الصدد، ينبغي أخذ الفوارق الجهوية بعين الاعتبار من أجل الحفاظ على التماسك الاجتماعي. وتطال البطالة الشابات أكثر من الشبان، وقد يعزى هذا الأمر إلى تفضيل الوالدين تدريس الذكور بدل الإناث في بعض الأوساط، بالإضافة إلى التمييز الممارس ضدّ النساء في ما يتصل بالأجور.
ويرجع هذا الوضع أيضا إلى وجود اختالات في نظام الحكامة وإلى استمرار تأثير المعايير الاجتماعية التقليدية التي لا تزال تعوق الاندماج الاقتصادي للمرأة المغربية. وعلى الرغم من الجهود المبذولة من أجل القضاء على التفاوتات بين الجنسين، لاسيما في الوسط القروي، لا تزال هناك صعوبة في ضمان تمدرس البنات وفي تحقيق تكافؤ الفرص بين الذكور والإناث.
وتنضاف إلى هذا الأمر العديد من الإكراهات الأخرى، من قبيل تجذر الصور النمطية السلبية في المجتمع، والتمييز والعنف القائم على النوع، والهشاشة الاقتصادية للنساء.
كما أن الشباب ذوي المستوى التعليمي المتدنّي والشباب المقيمين بالوسط القروي وكذا الشابات يعانون أكثر من غيرهم من عدد من الإكراهات من قبيل : صعوبة الولوج إلى سوق الشغل، العمل في القطاع غير المنظم، هشاشة ظروف العمل، ضعف المشاركة في الحياة الاجتماعية والمدنية،والفقر. وفضلاً عن ذلك، تعاني الشابات على وجه الخصوص من عوائق تحول دون تمتعهنّ بحقوقهن الأساسية )الزواج المبكر، العمل المنزلي…(. وكلها معيقات تنضاف إلى أخرى تتعلق بالانخراط السياسي والجمعوي

المحور الثاني: الشباب وروح المواطنة والانخراط

السياسي والجمعوي

تكاد تكون مشاركة الشباب المغربي في الحياة المدنية منعدمة، إذ يكرسون معظم أوقاتهم لأنشطة شخصية، يمارسونها فرادى أو جماعات، ويعد هذا الغياب شبه التام لشبيبة البلد عن الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية، والذي يتجلى في النسبة الضئيلة لانخراطهم في النقابات والأحزاب السياسية، تعبيرا عن أزمة ثقة حقيقية قائمة بين الشباب والمؤسسات السياسية 1) في المائة من الشباب ينخرطون في حزب سياسي أو نقابة).
وينبغي اليوم إعادة النظر في طريقة مقاربة مشاركة الشباب في الحياة العامة، على اعتبار أن المؤسسات التقليدية للمشاركة والتأطير لم تعد تمثل الشكل الوحيد للمشاركة المواطنة. كما أن الحركات الاحتجاجية الشعبية الكبرى لم تؤدِّ إلى انخراط أقوى للشباب في هذه المؤسسات، وذلك راجع بشكل خاص إلى عدم بذل ما يلزم من الجهود لتيسير الولوج إليها وإضفاء الجاذبية عليها وجعلها تواكب انشغالات الشباب؛ مما يقتضي اقتراح قراءة جديدة لهذه الأحداث.
أما في ما يتعلق بانخراط الشباب في الحياة الجمعوية، فإنّهم يُقبلون بشكل متزايد على الانضمام إلى العمل الجمعوي، وذلك انطلاقا من وعيهم بدور المجتمع المدني وتأثير مبادراته في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، وتعبيرا عن خيبة أملهم في العمل السياسي المباشر، الذي لا يوفر إلا آفاقا ضيقة غير كفيلة بتحقيق تغيير فعلي.
وتعاني النساء والشباب المنتمون للوسط القروي والأوساط الاجتماعية والاقتصادية المحرومة، أكثر من غيرهم، من وطأة نقص الفضاءات التي تخول للشباب إسماع صوتهم والتأثير على القرارات السياسية.

المحور الثالث: الشباب والإدماج الاقتصادي

رغم تحقيق وتيرة إيجابية في متوسط النمو السنوي للناتج الداخلي الخام الوطني خلال العقد الأخير إلا أن انعكاسها على مستوى خلق فرص الشغل وإدماج الشباب ظل محدودا. والواقع أن معدل البطالة في صفوف الشباب بالمغرب يظل مرتفعا ) 20 في المائة في المتوسط( بل إن أغلب الشباب المشتغلين يعملون بالقطاع غير المنظم وفي مناصب شغل تتسم بالهشاشة وذات أجور زهيدة، كما أنهم لا يستفيدون من الامتيازات الاجتماعية. فبدون علاقات شخصية أو عائلية، لا يكفي دائما التوفر على شهادة أو امتاك الكفاءة للحصول على منصب شغل لائق. لذلك، فإن الشباب يشعرون بأنهم لا يتحكمون إلا بشكل نسبي في مستقبلهم الاقتصادي.

المحور الرابع: الشباب والقابلية للتشغيل

بالإضافة إلى ما يشهده المغرب من نقص في الموارد البشرية المؤهَّلَة، فإن عدم ملاءمة التكوين الذي توفره منظومة التربية والتكوين لحاجيات سوق الشغل، يجعل الانتقال من مرحلة التمدرس إلى الحياة العملية انتقالا صعبا. كما أن هذا التباين بين التكوين وسوق الشغل لا يزال من بين العوامل التي لها وقع سلبي على النمو الاقتصادي وعلى قابلية الشباب الحاصلين على شهادات للتشغيل.
وفي هذا الصدد، ينبغي الإشارة إلى أن معدل البطالة يرتفع كلما ارتفع المستوى الدراسي، وهو ما يساهم في تكريس مشاعر الإحباط في نفوس خريجي التعليم العالي الذين لا يحصلون على فرص للشغل.

خلاصات واستنتاجات

إن الإشراك الحقيقي للشباب في عملية التنمية المجالية للبلاد، ليس يقتضي بالدرجة الأولى ما يغمر الساحة السياسية اليوم من خطاب تحفيز واعتراف بالدور الهام للشباب في تنمية الوطن، إنما الضرورة تلح لتفعيل هذه الخطب على أرض الواقع وجعلها إمكانيات حقيقية وواقعية مفتوحة في وجه كل شاب وشابة مغربيين للتأثير في صياغة القرار العمومي بالمغرب، وهذا قد يتأتى عبر التمكين التعليمي بكسر الفوارق المجالية بين العلمين الحضري والقروي، وكذا بين التعليم العام والخاص، بالإضافة إلى القيام بتدابير ترمي إلى معالجة معظم الاختلالات المتعلقةب الفوارق بين الجنسين عبر مقاربتها من زاوية النوع (تحليل الأفكار القائمة على تقسيم الأدوار والوضع الاجتماعي حسب الجنس والبعد الجغرافي).
وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن تفعيل دور المؤسسات الإستشارية المتعلقة بالشباب وإخراجها إلى أرض الواقع بعد مرور ثماني سنوات من الإعلان عنها في الدستور المغربي، لهو أمر حاسم كذلك في إسماع صوت الشباب إذا اعتمدت تلكم المؤسسات منهجا يتيح الفرص للشباب بشكل منصف وحقيقي لولوج مجال العمل السياسي وأخد القسط الكافي من التكوين السياسي والإداري في اتصال بالأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة الخاصة بالتكوين والتعليم.
فالتعليم الموجه لخدمة التنمية تصاعديا، والانفتاح على الشباب عبر خلق فرص ومداخل مريحة سلسة لولوج المدمار السياسي، هي خطوات كفيلة بتحقيق تنمية مجالية يكون للشباب فيها الموقع والدور الذي نتحدث عنه اليوم.

(*) باحث في القانون والعلوم السياسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.