الديبلوماسية المغربية بين الأمس واليوم

بقلم: د . علاء الخفاجي (*)

شهدت الديبلوماسية المغربية في الأعوام الأخيرة، تغيرا جذريا على مستوى الخطاب السياسي من جهة، ومن جهة أخرى على مستوى استقلالية القرار المغربي.

ولعل التغيّر الذي طرأ على لهجة الرباط، هو  تحولها من ذك الخطاب المتسم بتحمل تبعات تحالفاتها بإيجابياتها وسلبياتها، إلى خطاب يفرض الذات بدون وجل أو خوف من أي تداعيات محتملة.

ويربط خبراء تغيُّر الخطاب المغربي إلى مجموعة تحولات إيجابية طرأ على موازين القوى الإقليمية، خاصة وأن المغرب صار القوة الإقليمية الضاربة، وذلك إن على المستوى الأمني وما يرتبط بها من مقاربات متعددة دينية واقتصادية واجتماعية، أو على مستوى مناخ التنمية والسياحة والاستثمار الذي باتت تتمتع بها المملكة المغربية.

فالمغرب بات المخاطب الافريقي الأول لأي مشروع تنموي واقتصادي يمكن أن يجمع هذه القارة بمختلف القوى الاقتصادية العالمية على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.

فالولايات المتحدة مثلا سبق مؤخرا وأن تقدمت إلى الرباط بطلب التنسيق معها من أجل ربط مشاريع اقتصادية مع إفريقيا باعتبارها قارة واعدة بأسهم تنموية مرتفعة متوقعة حسب الخبراء الجيوستراتيجيين، خاصة وأن هذا الطلب الأمريكي جاء بعد مشروع أنبوب الغاز الذي يربط إفريقيا بأوروبا، وذلك بشراكة بين المغرب ونيجيريا.

إلى ذلك فقد تم تسجيل روح جديدة في التوجه الاقتصادي الافريقي بمجرد رجوع المغرب إلى حظيرة الاتحاد، حيث كان للجولات المكوكية للملك محمد السادس لعدد كبير من الدول الافريقية، وربط اتفاقيات وصفقات تجارية تستهدف الرفع من الحركية الاقتصادية للقارة، كان لها الدور الأكبر في تسويق وإظهار موارد وقدرات القارة لدى الاقتصادات العالمية.

ولعل كلمة المملكة المغربية هنا وفي هذا السياق الافريقي، صارت الكلمة الفصل يرجع إليها، وذلك بالنظر إلى عوامل السبق المغربي في اكتشاف القارة اقتصاديا ومنحها الثقة بنفسها وفي مواردها أكثر فأكثر.

وعلى غرار الوضع المغربي القوي على المستوى القاري والاقليمي، فإن الرباط، اجتهدت أكثر في العقدين الأخيرين في أن تتحول إلى مرجع دولي على مستوى الاستقرار والمقاربة الأمنية، حيث باتت توجه الدعوة إلى المغرب من قبل مجموعة الستة الكبار (فرنسا ،ألمانيا ،المملكة المتحدة ،اسبانيا،ايطاليا، بولونيا) حول الارهاب والهجرة، للاستفادة من الخبرة المغربية في المجال.

وبالعودة إلى سياق الحديث عن الديبلوماسية المغربية، فإن المغرب بات ينفتح على علاقات دولية متنوعة بمختلف مشاربها، وذلك انطلاقا من منطق رابح رابح، حيث وفي الأعوام القليلة الماضية تم انفتاح الرباط وبشكل لافت على دول المعسكر الشرقي كالصين وروسيا، بالرغم من طبيعة الحلفاء الاستراتجيين للمملكة ذات الطابع الرأسمالي الصرف.

لكن وبما أن التغيير له ما له من الصعوبات في بادئ الأمر، فإن بعض الدول لاسيما الشقيقة منها، لم يعجبها ذلك، فعلى سبيل المثال ما تعرض له الرباط من استفزازات خليجية من أجل الضغط على المغرب وفرض اختياراتها على طبيعة علاقات المغرب الديبلوماسية، فإن المغرب كان لذلك السلوك الخليجي بالمرصاد، مخيرا إياها بين الاستمرار في العلاقات التاريخية وعدم التدخل في الخيارات الديبولماسية للمملكة التي تبقى أمرا سياديا أو إيجاد بدائل عنها.

هذه اللهجة المغربية القوية لم تهضمها تلك الدول الخليجية إلا على مضض، حيث أعربت عن تشبثها بعلاقاتها التاريخية مع المغرب لما يجمعها معه من مصالح مشتركة وتاريخ مشترك.

كل هذه الأحداث والمعطيات تشير بوضوح وجلاء إلى أن مغرب الأمس ليس هو مغرب اليوم، وأن موازين القوى لتفرض نفسها على كلمة البلد، واستقلال قراراته واختياراته الديبلوماسية التي تنضاف إلى الأمور السيادية للبلد.

(*) من جمهورية العراق باحث متخصص بالقانون الدولي العام والعلاقات الدولية ومتخصص بالشأن المغربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.