المحام راكز يكتب: محاولة في فهم ملف بلعيرج

بقلم: المحام أحمد راكز

لا يمكن حماية حقوق المتهم في أية محاكمة إلا بإعمال معايير المحاكمة العادلة عن طريق تعزيز حقوق الدفاع أثناء مرحلة البحث التمهيدي و خصوصا أثناء الحراسة النظرية ، كون الجزء الأكبر من الانتهاكات و الخروقات تحدث خلال المرحلة المعنية مع ما يترتب عنها من آثار سلبية تمس حرية الأشخاص كالاختطاف و التعذيب و الاختفاء القسري و الاحتجاز بمعتقلات سرية و هو ما يشكل المدخل لهدم قرينة البراءة و تحويل المحاكم إلى مجرد مشهد صوري ، و قد أكدت وقائع ملف بلعيرج استمرار مسلسل الاختطاف و التعذيب و عدم احترام القانون من طرف أجهزة الاستخبارات بعيدا عن أية مساءلة أو متابعة ، و أن ملف الخروقات و الانتهاكات لحقوق الانسان لازال مفتوحا ببلادنا مكرسا بذلك عجز القضاء الذي تحول إلى مجرد أداة بأيدي الأجهزة الأمنية تشرعن من خلاله واقع الانتهاكات في تناقض تام مع وظيفة القضاء ـــــــ في حماية الحقوق و الحريات و صيانة المشروعية و نظام العدالة الجنائية .

يرتبط تحقيق الأمن القضائي بمدى احترام مقتضيات المحاكمة العادلة و ضمانات حقوق الدفاع و استقلال القضاء ، و بدون ذلك يصبح الحديث عن دولة الحق و القانون غير ذي معنى و مجرد عبث .

لقد انخرطت الدولة المغربية دونما بصيرة أو تحفظ في تنفيذ استراتيجيات ــــــــ بمكافحة الإرهاب لا لحاجة ملحة أملتها مصلحة المجتمع ، إنما بغرض خدمة أجندة أجنبية مناقضة للصالح العام بهذا البلد ، و هو ما انعكس سلبا على سمعته و أضر بحقوق الإنسان و سيادة القانون بحيث استخدمت الذريعة الأمنية في التضييق على الحقوق و الحريات و الفاعلين في المجتمع المدني و بث الرعب عبر حملات إعلامية قصد نزع الشرعية عنهم في حقهم في المعارضة السياسية و دفاعهم عن قضية حقوق الإنسان و كرامته ، فأعقب ذلك عمليات التعذيب و التسليم و الترحيل السري و كل أشكال الانتهاكات تحت إشراف أجهزة الاستخبارات المغربية في تواطؤ سافر مع مثيلاتها الأمريكية و الغربية ، أفضى إلى انتهاكات حقيقية في مجالات حقوق الإنسان ، كان بمثابة إعلان عن تأبين جثمان توصيات الإنصاف و المصالحة و عودة سنوات الرصاص لتكشف أكذوبة القطيعة مع عهدها البائد سيء الذكر و الذي تروج له الدوائر الرسمية في حديثها عن الاستثناء المغربي و خصوصيته .

من هنا كانت محاكمة ملف بلعيرج نموذجا لعودة نهج سنوات الرصاص تجلى فيها استحكام قبضة المقاربة الأمنية في توجيه القرار القضائي و السياسي ببلادنا بعد أحداث 16 ماي 2003 ، انكشفت من خلالها العيوب الهيكلية المتأصلة في نظام العدالة وفقدان القضاء لاستقلاليته نتيجة الإفلات من العقاب و الضعف المزمن للمؤسسات القانونية .

إن التيه المسطري الذي طال المحاكمة المعنية لم ينحصر في انتهاكات مسطرية أو إجرائية تخص الاعتقال فحسب ، بل تعداها إلى انتهاكات خطيرة طالت التعذيب و الاختطاف و الاحتجاز بمعتقل تمارة السري و سوء المعاملة بكل أصنافها … و رغم ثبوت الجرائم المعنية بشكل قطعي ، فقد عدها أصحاب القرار مجرد مزاعم وادعاءات يعوزها الدليل و الاثبات في الوقت الذي تم فيه رفض إجراءات أي بحث تكميلي قصد الكشف عن الحقيقة ، و هو ما يؤكد اعترافا ضمنيا من طرف هؤلاء بثبوت الوقائع و صدقيتها ، و هو ما يجعل المسلسل القضائي موضع مساءلة برمته بعدما جرد القضاء من أبسط عناصر الاستقلالية ، و تحول إلى ذريعة أمنية و ترتيبا من ترتيبات صياغة القرار الأمني الذي طالته أياديه بالتدخل .

إن ما يشغل صناع القرار الأمني و القضائي ببلادنا هو كيفية معاقبة المشتبه فيهم في الملفات المعنية و هو ما يجعل من القضاء مجرد تقنية للعقاب و الانتقام منهم .

لقد شكلت محاكمة ملف بلعيرج رأيا عاما طالب و يطالب التزام معايير المحكمة العادلة و مقاربة متابعة المعنيين بالملف المعني من خلال العدالة و بالعدالة و احترام القاعدة الدستورية التي تضمن الأمن القضائي للجميع .

كما أن محاكمة الملف المعني وفق معايير المحاكمة العادلة غدت حالة مجتمعية أملتها ضرورة القطع مع انتهاكات الماضي و التزام مقررات الدستور الحالي الذي يلتزم معايير حقوق الإنسان المعتمدة كونيا ، و تحرير القضاء كي لا يتحول إلى موضوع استخدام سياسي أو أمني ، و هي ممارسات ظن الجميع أن معالجات هيئة الإنصاف و المصالحة قد طوتها دون رجعة ، إلا أن الأمر مغاير تماما ، فلازال القرار القضائي ببلادنا غير مستقل و خاضع للقرار الأمني و السياسي .

محاولة في فهم ملف بلعيرج :

شكلت تصريحات وزيري الداخلية و الاتصال إعلانا عن ولادة ملف بلعيرج في خرق سافر لسرية التحقيق باعتبار الملف في مرحلة البحث التمهيدي ، فقد أدانت التصريحات المعنية معتقلي ملف بلعيرج بأفعال تقع تحت طائلة قانون الإرهاب ، و أرسلت إشارات قوية مفادها أن الرواية الرسمية حقيقة مسلمة لا تقبل النقاش تزامنا مع منع دفاع المعتقلين بالملف المعني من استنساخ محاضر الشرطة القضائية ليكرس غياب الحد ألأدنى من الضمانات التي تكفل حقوق الدفاع .

أفضت تصريحات ذوي النفوذ في القرار السياسي إلى جعل القضاء موضوع تأثير كبير و محاصر بتقارير و محاضر الشرطة القضائية ، مما أنتج إحالة نسخة طبق الأصل للمحاضر المعنية رغم كفها في حالة الجنايات محاضر يستأنس بها لا اعتبار لها كحجة أو دليل لقيام و تحقق مقتضيات متابعة النيابة العامة .

كما أفرغت تلك المحاصرة و التأثيرات قرينة البراءة الدستورية و القانونية منن أثرها القانوني القوي في ضمان حرية الأشخاص .

و قد وجه دفاع المعتقلين في الملف المعني شكاية إلى النيابة العامة   بشأن تزوير المحاضر و إقحام مستندات الإنابة القضائية الدولية التي أنجزت ببلجيكا دونما مسوغ قانوني بعد الانتهاء من الاستنطاق التفصيلي . كما أن عدم عرض المحجوزات على المشتبه فيهم في الملف المعني أثناء التحقيق التفصيلي فيه تعطيل عام لمقتضيات المادة 138 من قانون المسطرة الجنائية على أن ـــــــ عرضه من المحجوزات أمام المحكمة اقتصر على الأسلحة التي وضعت بطريقة غير قانونية ، فلم تكن مختومة و لم يقدم الضابط المعني بعملية الحجز تاريخ الحجز أو اسم الشخص الذي ضبطت في حوزته ومن دون استدعاء خبراء لفحص البصمات .

كما أن ظروف الاعتقال و التحقيق و المحاكمة كانت موضوع انتهاكات و خروقات متعددة طالت النظام المسطري و القانوني المنظم لإجراءات البحث التمهيدي و التحقيق و المحاكمة .

و أما عجز القضاء عن حماية القاعدة القانونية و كفالة حقوق الدفاع و ضمان إعمال النظام القانوني ، فقد حددت محاضر الشرطة القضائية مسار المحاكمة  و قيدت المسلسل القضائي برمته بحيث ــــــــــــ أطروحة النيابة العامة و قضاء التحقيق المسنود سياسيا  على جميع الإجراءات المسطرية للمحاكمة ميز تعاطي النيابة العامة مع ملف بلعيرج منطق الاعتراض و الاقصاء كنتيجة لاصطفافها حول محاضر الشرطة القضائية و أحالة قاضي التحقيق ، ما جعل المحاكمة تنحو منحى أحاديا تميز باستبعاد دفوعات و طلبات المعتقلين بالملف المعني بشكل منهجي و مرتب .
فلم يُجرَ على سبيل المثال لا الحصر أي تحقيق تكميلي إعمالا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة ــــــ من قانون المسطرة الجنائية رغم تصريح المعتقلين بأن الاعترافات المزعومة انتزعت عبر إخضاعهم للتعذيب .
خلفية محاكمة ملف بلعيرج :

جاءت محاكمة ملف بلعيرج في سياق تراجع فاضح لحقوق الإنسان و اتساع رقعة الانتهاكات و تعميم المحاكمات الصورية الفاقدة لأدنى معايير المحاكمة العادلة و الاختفاء القسري و التعذيب في معتقلات سرية تحت ذريعة الحفاظ على الأمن نتيجة وقائع 11 شتنبر 2001 و 16 ماي 2003 ، فقد تم هذا التحول النوعي نحو التضييق و التقييد و المنع و سن قوانين الاكراه كقانون الإرهاب في تعارض تام مع المبادئ الكبرى لنظام العدالة الجنائية و روح القوانين المؤسسة على قرينة البراءة .

إنه انقلاب جوهري على الحريات و حقوق الإنسان ساد المنتظم الدولي برمته أفقدته التوازن في التعاطي مع مقتضيات حماية الأمن و النظام و حماية حقوق الإنسان ، و تحت ذريعة الخوف المفرط تم شرعنة انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في أرجاء واسعة من المعمورة .

فلم تكن مكافحة الإرهاب سوى ذريعة تؤسس لهيمنة أمريكا على العالم و إعادة رسم الخارطة الجيوستراتيجة وفق مقاسها و إلغاء ما تبقى من مفعول للمؤسسات الدولية كالأمم المتحدة .

و قد تقاطعت هذه الأجندة مع أجندة بعض مراكز القرار ببلادنا أفضت إلى تحالف في أفق ترتيب تضاريس الخارطة السياسية المحلية و الالتفاف حول مطالب الشعب العادلة و الملحة في مجالات الديمقراطية و الحريات و التنمية . مثل هذا الترتيب و التوافق اقتضى دفع ضريبة المرحلة للمكون الإسلامي عموما و السلفي منه خصوصا باعتباره موضوع الاستهداف أمريكيا مما اقتضى استصدار نسخة محلية لقانون الإرهاب كمدخل لهيمنة الحكامة الأمنية على الشأن العام و استخدام عنوان مكافحة الإرهاب في تبرير مخططات سياسية و فرض هيمنة الحزب الواحد و منطق الاستبداد .
إن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان الناتجة عن تنزيل مقتضيات سياسة التخويف تعد في جوهرها حصيلة سيادة منطق الافلات من العقاب و عدم التزام مقتضيات و معايير المحاكمة العادلة .

إذا كان من مسلمات التزامات الدولة حماية المؤسسات و المصالح و المواطنين ، فإن ضمان حقوق المتهم و  كفالة حقوق الدفاع و احترام القاعدة الدستورية في إطار المشروعية هو الجزء الآخر من التزاماتها ، و الإخلال بها – و بما تحدثه من توازنات – تفضي إلى تكريس التعذيب و الاختفاء القسري و الاختطاف و الاعدام و المحاكمات الصورية .

لقد كرست محاكمة ملف بلعيرج سيادة نهج افلات الأجهزة الأمنية من العقاب و ظلت خارجة عن الوصاية السياسية للحكومة و غير خاضعة لأية مقاربة قضائية أو برلمانية ، كما أكدت الوقائع بأن القرار الأمني هو صاحب السيادة و الكلمة الفصل في مجموع مجالات الدولة و المجتمع و مصائر الناس.

إذا كان الأمن القضائي نوعا من إرجاع الثقة للمتقاضين و جميع المتدخلين في نظام العدالة ، فالتأسيس لن يكون نتيجة فصل السلط و أن يصبح القضاء سلطة لتتوازن السلط في عملها في طريق تحقيق دولة الحق و القانون و المؤسسات كمدخل للحرية كونها هدف كل مجتمع .

إذا كان موضوع العدالة هو الإنسان ، فالمحاكمة العادلة مدخل أساسي في تحقيق الأمن القضائي من خلال وضع ضمانات قانونية و مسطرية موجبة للاحترام و الاقتضاء . و بديهي أنه طالما ظل القضاء مجرد وثيقة و لم يتحول إلى سلطة فعلية ، فلا مجال لتحقق المقتضيات المعنية .

من يصنع السياسة الجنائية ببلادنا ؟

عندما يتدخل صناع القرار السياسي في مجال العدالة الجنائية و يخصون بالذكر ملف بلعيرج ، فذلك يعني الدفع في اتجاه صياغة التأثير في الدعوة إلى التشدد و استخدام القانون بتأويلات و قراءات تضييق على الحريات و تسهيل قيام الاختطافات و التعذيب و الاختفاء و المحاكمات الصورية و تمكين قضاء النيابة و قضاء التحقيق باعتبارهما عملة واحدة في شرعنة الانتهاكات و القضاء على حقوق الإنسان .

من هنا كان مبدأ النزاهة و التجرد هما المعيارين لخارطة طريق لبناء حقائق و خلاصات لا تنكسر أمام مساءلة القانون و الأنظمة القانونية الموجبة للاحترام أمام أجهزة الدولة و الاستخباراتية .

يخضع القرار الأمني ببلادنا لأجندته الخاصة ، فهو لا ينضبط للمؤسسات السياسية ، بل هذه الأخيرة رهينة بيد الأجهزة الأمنية التي تضخم العديد من الملفات و تتلاعب بالأجهزة المدنية للدولة .

لم يقل القضاء المغربي كلمته بعد في ملف بلعيرج ، حيث كانت الحقيقة القضائية المرتبطة به مسلسلا بين الغموض و اللبس و اللامشروعية التي أفقدت القضاء قيمته و مفعوله .

من هنا ، فإن مواجهة الغموض بالملف المعني يقتضي إعمال المقترب السياسي كآلية سياسية في معالجة الملف المعني بعيدا عن المساطر القضائية و الأمنية ، فالمقترب السياسي هو الطريق إلى ــــــــــــ و بناء الثقة من أجل المستقبل ن و لأن القضاء عاجز عن أداء دوره في حماية المؤسسات و مقررات الدستور ، فالقرار القضائي يصنع من خارج دائرة العدالة فلا حكم للقانون .

إن قضية بلعيرج قضية سياسية بامتياز ، و عليه فالمعالجة السياسية هي وحدها الكفيل لتقديم إجابات و صيغ تؤسس للمصالحة و الثقة للاندماج السياسي في أفق ممارسة ديمقراطية سليمة بعيدا عن منطق المعالجة الأمنية المعتمدة حاليا و الانفتاح على منهجية شمولية في مقاربة القضايا المطروحة .

إن إصرار واجهات مخزنية نافذة على الاستخدام السياسي للقضاء و بناء استراتيجيات سياسية في أفق تحقيق النفوذ و المصالح يجعل من المؤسسة القضائية مجرد آليات تنفيذ مقتضيات و مضامين الاستراتيجيات المعنية لأصحاب القرار .

الإخلالات المسطرية و الجوهرية لحقوق الدفاع :

1-الدفوعات الشكلية :

  أ – الدفع بإيقاف البث في المحاكمة فنظرا في تقديم شكاية ضد الجلادين (مجهول) أمام النيابة العامة عقب تصريحات المتهم بلعيرج عبد القادر بشأن التعذيب و الاختطاف ، وجب أن يترتب عن وضع كهذا إجراء أبحاث تكميلية قصد الوصول إلى الحقيقة في أفق تحقيق العدالة ، و هو المدخل  المسطري و القانوني الوحيد الذي يمكن اللجوء إليه ، لما يترتب عليه من آثار قانونية من شأنها إيقاف إجراءا ت المحاكمة إلى حين البث في الشكاية .

  ب – الطعن في زورية المحاضر : فبناء على مقتضيات المادة 92 من (ق.م.ج) التي تنص على أنه يمكن لكل شخص ادعى أنه تضرر من جناية أو جنحة أن ينصب نفسه طرفا مدعيا عند تقديم شكايته أمام قاضي التحقيق المختص، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك .

فالحقيقة القضائية يتحقق بناؤها بموجب اللجوء إلى تحقيقات و أبحاث و غيرها من الوسائل ، فللمتهم الحق بموجب القانون اللجوء إلى كل الوسائل لإثبات براءته .

من هنا كان لجوء قاضي التحقيق إلى عدم قبول الشكاية ضد مجهول بشأن زورية المحاضر فهو خرق لمقتضيات المادة 93 من قانون المسطرة الجنائية ، الشيء الذي يكرس العبث المسطري الذي رافق المعالجة القضائية لملف لعيرج .

كما أن رفض النيابة العامة للدفوعات الرامية إلى إيقاف البث بناء على المادة 231 من (ق.م.ج) هو مخالف لروح القانون و النظام المسطري لأن الأمر يتعلق بإيقاف البث و ليس الفصل في جوهر أوامر قاضي التحقيق .

إن اللجوء إلى الطعن بزورية المحاضر استدعته ضرورة ضمان محاكمة قانونية تكفل حقوق المتهم و الدفاع و لأن المحاكمة تتأسس على محاضر مطعون فيها بالزور و بإحالة طبق الأصل لمحاضر الشرطة القضائية ، فهي وثيقة أساسية و حاسمة في مسار القضية.

  ج – استدعاء الشهود : إذا كان هدف استدعاء الشهود هو البحث عن الحقيقة و احترام قواعد المحاكمة العادلة و كفالة حقوق الدفاع ، فإن منطق الاعتراض الذي سلكته النيابة العامة مخالف لمقاضيات المسطرة الجنائية التي لا تقيد الشهادة لأنها الطريق إلى الحقيقة ، و حق من حقوق الدفاع الجوهرية ، و كان على النيابة العامة الدفع باستدعاء الشهود خصوصا الوزراء منهم من أجل بناء حقيقة قضائية متوافقة مع القانون و العدالة الحقة . و لأن اعتراض النيابة العامة على جميع الطلبات الرامية إلى الانتصار للحقيقة هو تعطيل عام للمقتضيات القانونية و النظام الإجرائي المسطري الضامن لحقوق المتهم و الدفاع ، مما يدفعنا بالتساؤل عن حقيقة دور هذه النيابة العامة في النظام القانوني و القضائي المغربي ، و هل هو حماية المجتمع أم هو هدر حقوق المتهم ؟ أم هو مقهوم مزور للنظام العام ؟

إن خلفية استدعاء الشهود تحكمت فيه تصريحات وزير الداخلية الأسبق ابن موسى و غيره حين تحدث عن المعتقلين بملف بلعيرج و نعتهم بالخطيرين و إدانتهم مسبقا عن طريق الإعلان عن أسمائهم لدى الرأي العام المحلي و الدولي ، و في خطوة غير مسبوقة في سياق المحاكمات السياسية بالمغرب ، و هي دعوة صريحة للرأي العام لإدانتهم و صناعة رأي عام مناهض للحرية و المحاكمة العادلة في خرق سافر لسرية البحث التمهيدي . و خلاصة القول أن استدعاء الشهود هو حق من حقوق الدفاع و إحدى وسائله غير قابلة للتقييد أو التعليل بانعدام موجباتها أو مسوغاتها .

  د – ترجمة الوثائق إلى اللغة العربية : كون كثير من وثائق ملف بلعيرج حررت باللغة الفرنسية ، و خصوصا الإنابات القضائية و محاضر المحجوزات ، فمقتضيات المادة 287 من (ق.م.ج) تنص على أنه لا يمكن للمحكمة أن تبني مقررها على حجج عرضت أثناء الجلسة و نوقشت شفاهيا و حضوريا أمامها ، فهو تعبير عن السيادة المغربية و إعمال آثار القاعدة الدستوري ، فهو يتجاوز الجانب المسطري و الإجرائي في المحاكمة ، لأن الموضوع يتعلق بالنظام الدستوري و القانون المغربي الذي يعتبر اللغة العربية اللغة الرسمية للمملكة ، فترجمة الوثائق إلى اللغة الرسمية بالبلد هو إعمال لآثار القاعدة الدستورية ذات الصيغة المعيارية في الاقتضاء بها ، فالأمر يتجاوز السلطة التقديرية لأننا محاصرون بالقانون و القاعدة الدستورية ذات المعيارية في النفاذ و الأثر .

تأسيا على مقتضيات المادة 15 من (ق.م.ج) الذي ينص : ” تكون المسطرة التي تجري أثناء البحث و التحقيق سرية … كل شخص يساهم في إجراء هذه المسطرة ملزم بكتمان السر المهني ضمن الشروط و تحت طائلة العقوبات المقررة في القانون الجنائي ” . و كذلك  مقتضيات المواد (16/18/20) بنفس القانون .

إذا كان القرار القضائي يصنع من داخل العدالة و هو المنطق القانوني لأي نظام مؤسساتي و قانوني ، لكن عندما يقوم مسؤول سياسي في مؤسسة دستورية (الحكومة) بتقديم تصريحات تدين أشخاصا قيد البحث و التحقيق ، فإن ذلك المنطق القانوني يصبح موضوع خرق و انتهاك ، لأن البحث التمهيدي المطبوع بالسرية قد تم خرقه قبل إحالة المسطرة إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية و قبل الإحالة على المحاكمة لبناء الحقيقة القضائية نفيا أو إثباتا ، براءة أو إدانة .

فخرق وزير الداخلية الأسبق لسرية البحث هو قلب للنظام القانوني و المؤسساتي القائم على فصل السلط و التخصص الوظيفي ، و أن المؤسسة القضائية هي الضامنة للحريات و الحقوق الموكولة بها بناء على الحقائق و إعلان البراءة أو الإدانة .

  هـ – انعدام حالة التلبس : إن أحكام حالة التلبس حسب مقتضيات المادة 56 من (ق.م.ج) غير منعقدة و قائمة ، و هو ما أكدته تصريحات المتهمين و ما ورد في محاضر الشرطة القضائية .
إن تقرير بطلان مسطرة التلبس يجعلنا أمام حالة انعدام المشروعية بسبب اعتقال المتهمين بدون توفر عناصر و شروط حالة التلبس .

  و – الدفع بانتهاك الحق في التحقيق و التزام الصمت : طالما كان حق الصمت من حقوق الدفاع ، فلا يجوز للمحكمة أن تستعمل الصمت كقرينة ضد المتهمين و إلا تحول إلى هدم لقرينة البراءة و ما يتولد عنها من حقوق الدفاع ، و عليه فإن أي إخلال بحق المتهمين في الصمت و رفض الإجابة على الأسئلة الموجهة إليهم يعتبر خرقا للدفاع ، كما أن مقتضيات المادة 83 من (ق.م.ج) تلزم بإجراء التحقيق .
ز – بطلان إجراءات التحقيق : إن الدفع ببطلان الإجراء الجنائي بفعل عدم وضع ملف التحقيق رهن إشارة المحامين قصد الاطلاع عليه و استنساخه يجد مسوغه القانوني في مقتضيات الماد 39 من (ق.م.ج) التي حددت ضمانات المتهم و حقوق الدفاع أثناء سريان التحقيق ، و اعتبرت الاطلاع على ملف القضية من أهم الضمانات المقررة للمتهم عند مؤازرته من طرف المحامي ، لذلك فإن عدم احترام هذا الحق الجوهري رتب عليه المشرع جزاء البطلان استنادا على مقتضيات المادة 210 من قانون المسطرة الجنائية .

إن حق التمسك بالبطلان هو حق مطلق عندما يرتبط بخرق و انتهاك ضمانات المتهم و حقوق الدفاع ، لأن المتهمين بملف بلعيرج طالهم الضرر جراء خرق ضمانات حقوق الدفاع ، فالتمسك بالبطلان له مصلحة مباشرة ، كما أن التمسك بالبطلان لم يكن المتهمون سببا في حصوله .

و تطبيقا للقاعدة التي تقتضي بأنه ليس لمن كان سببا في بطلان العمل الإجرائي أن يتمسك به ، فالمتسبب في خرق ضمانات حقوق الدفاع في مرحلة التحقيق هو قاضي التحقيق بسبب منعه المحامين من الحصول على نسخ في ملف التحقيق .

  ح – الدفع بعدم الاختصاص : بحيث أنه و اعتبارا بأن المتهم محمد الشعباوي و بموجب وظيفته داخل الشرطة و كونه عميدا ضمن هذا السلك فإن مقتضيات المادة 268 من (ق.م.ج) تشمله أحكامها و ضماناتها ، مما يقتضي التصريح بعدم اختصاص غرفة الجنايات الابتدائية بملحقة محكمة الاستئناف بسلا .

  ملخص الدفوعات التي اعترضت عليها النيابة العامة :

  • زورية محاضر الشرطة القضائية .
  • إلتماس البطلان استنادا للمادة 751 من (ق.م.ج) .
  • بطلان محاضر الاعتقال و الحجز و التفتيش لعدم قانونيتها .
  • انعدام حالة التلبس .
  • تعرض المتهمين للاختطاف و الاحتجاز و التعذيب .
  • بطلان الإنابة القضائية .
  • بطلان إجراءات التحقيق لعدم مشروعيته .
  • خرق مدة الحراسة النظرية .
  • عدم إشعار العائلة .
  • بطلان إجراء التحقيق لعدم الإطلاع على ملف التحقيق .
  • خرق مبدأ سرية التحقيق .
  • بطلان محاضر الضابطة .
  • بطلان إجراءات التحقيق لعدم الاطلاع على المحضر و تصويره .
  • بطلان المحضر لخرق المادة 21 (عدم الاستعانة بمترجم) .
  • بطلان المحضر لعدم إشعار المتهم بما نسب إليه .
  • عدم قانونية المحضر لإيقاف المتهم بالمعتقل ( عادل بناني)
  • استبعاد محضر الضابطة لوجود تناقض في التواريخ .
  • بطلان محضر الضابطة لعدم مراقبة شرعية الاعتقال .
  • عدم مسطرة الامتياز (الشعباوي محمد عميد الشرطة) .
  • بطلان التحقيق لعدم الاستجابة لطلب إجراء خبرة .
  • عدم اختصاص الفرقة الوطنية .
  • خرق المادة 4 من قانون المسطرة الجنائية .
  • الدفع المتعلق بعدم الاختصاص .

بالنسبة للطلبات العارضة :

  • رفض طلب استدعاء الشهود .
  • عدم إحضار المحجوزات .
  • انتهاك سرية البحث التمهيدي خرق للمشروعية :

إن خرق سرية البحث التمهيدي يرتب البطلان كجزاء للإخلال بقاعدة سرية البحث التمهيدي إعمالا للقواعد العامة في نظام العدالة الجنائية ، لأن مخالفة سرية البحث التمهيدي ينطوي على ـــــــــــــــــ بقواعد تتعلق بحقوق الدفاع و حقوق المتهم و بالنظام العام ، لكون قواعد الإجراءات الجنائية ترتبط ارتباطا عميقا بمقتضيات النظام العام .كما أن سرية  البحث التمهيدي تستدعيه حماية حقوق الفرد و ضمان قرينة البراءة ، و هي مصلحة قانونية يكفلها الدستور و القانون ضمانا للمشروعية ، و أي انتهاك لهذا المبدأ يترتب عليه البطلان ، و تأسيسا على مقتضيات المادتين 751 و 15 من (ق.م.ج) ، فإن أي تصريح أو إشهار أو إعلان من أية جهة كانت يقع بموجبه إفشاء سرية البحث التمهيدي من شأنه ترتيب أثر مطلق ، و عليه فوزير الداخلية السابق ملزم بكتمان أسرار البحث التمهيدي حتى و إن جاز الإطلاع عليه بصفته كوزير للداخلية . و استنادا إلى الفصل 446 من (ق.م.ج) فإننا أمام مسؤولية جنائية بسبب انتهاك مبدإ السرية .

لقد سرب وزير الداخلية السابق من خلال تصريحاته معلومات تخص ملف بلعيرج إلى الصحاف المحلية و الدولية و الرأي العام خصوصا ــــــــ منها قبل انتهاء البحث و التحقيق في الوقت الذي كان فيها قاضي التحقيق يمنع المحامين من تصوير محاضر البحث التمهيدي المتعلقة بتصريحات المتهمين ، و هو ما يناقض قانون المسطرة الجنائية الذي يحظر مثل هذا الكشف خلال المراحل الأولى من التحقيق حفاظا على سريته ، و لا يجوز الكشف عنها إلا بعد عرض القضية على المحكمة و تداولها بشكل علني.

كما أن تسريب مضمون الملف إلى الصحافة البلجيكية بدون موجب قانوني و لا إنابة قضائية لا تخول لمؤسسة قضائية أجنبية أن تكون الملفات مفتوحة بين يديها و تطلع على معطيات مفصلة و دقيقة ، و هو ما يؤدي إلى بطلان الإنابة القضائية و جميع ما ترتب عن هذا التسريب من أجراءات قضائية ببلجيكا ترتبط بهذا الملف .

و هذا التسريب خرق واضح لحقوق الدفاع لعدم تمكينه من ملف القضية ، و قد أصبحت صحف أجنبية تتداول مضامينه ، لأن الدفاع ملزم بكتمان سرية البحث و التحقيق حسب أحكام القانون .

  • ملف بلعيرج و الحرمان من الوصول إلى الحقيقة :

إذا كان المغاربة سواسية أمام القانون و سواسية في معرفة ما يجري ببلدهم ، و بمقتضى هذه القاعدة الدستورية فإن قضية بلعيرج أبانت بأننا أمام جهات تملك المعلومة و تمتلك الحق في استخدامها و تقديمها بالشكل الذي تريده  ضمن سياق ترتيبي و استراتيجي لا يمكن معرفته و المطلوب هو تصديقها و تلقيها كما هي بدعوى أن أجهزة الأمن تمتلك الحقيقة و لا يمكن أن يكون عملها موضوع اختلالات أو هفوات أو قصور .

و على هذا الأساس فإن الدولة هي من يتحكم في جميع المعلومات و لها الحق وحدها في تقرير متى يجب تقديم المعلومات إلى الرأي العام و متى لا يجب تقديمها .

و في غياب إطار قانوني أو مؤسساتي ينظم كيفية تداول المعلومة ، فيبقى قانون الصمت هو السائد و هو المدخل لتأويل الأسرار و الاستخدام السياسي للمعلومة و المعطيات ، و في تهديد النظام القانوني لا سيما المحاكمة العادلة .

  • لقاء طنجة : محور إدانة المتهمين بملف بلعيرج :

محاكمة ملف بلعيرج من خلال اجتماع طنجة هو محاكمة للتاريخ و إلغاء التقادم و تجاوز ـــــــ من عفو ملكي في 1994 و 1998 ، و توصيات الإنصاف و المصالحة التي قضت بطي صفحة الماضي ــــــ لا معنى للمحاكمة . من هنا فإن تقدير الوقائع في مجال العدالة الجنائية يعتبر عنصرا جوهريا في بناء القناعة لدى القاضي الجنائي . فالربط بين الوقائع و القانون يعتمد مبدأ أساسيا في نظام العدالة الجنائية ، هو أن الأحكام تبنى على اليقين . فعندما تتبنى المحكمة قناعة تنحاز إلى أطروحة قاضي التحقيق و محاضر الشرطة القضائية ، فتكون بذلك قد أقصت أية وسيلة أخرى لتكوين قناعتها في الميدان الجنائي الذي يعتمد على حرية الإثبات ، و تعتبر المحاضر فيه مجرد بيانات .

فهذا التنازل هو تنازل عن الدور الحمائي للقضاء و إقصاء لاستقلاليته .

إذا كان لقاء طنجة محور إدانة المتهمين بملف بلعيرج من طرف المحكمة ، فإنه لم يتم إجراء أية مواجهات بين المتهمين بخصوص الاجتماع المعني لا على مستوى البحث التمهيدي لدى الشرطة القضائية أو على مستوى قاضي التحقيق و المحكمة لرفع اللبس عن التصريحات أو تأكيد وقوعها . كما أنه “لم تسمح المواجهات المفترضة في أي تحقيق جنائي خاص الذي لم يعرفه الملف بالوقوف على نوعية العلاقات بين الأفراد ، و هو عنصر حاسم بالنظر لخطورة المتابعة – أعمال إرهايية مندرجة في مشروع جنائي …”إن الاتجاه الذي ذهب فيه القضاء في تقديره لواقعة لقاء طنجة اتجاه ينتهك القانون و يخرق النظام المسطري الإجرائي الموجب للاقتضاء في تقدير الواقع ، و هو اتجاه يخالف العمل القضائي ، إذ جاء في قرار للمجلس الأعلى : “يجب أن يكون كل حكم معللا من الناحيتين الواقعية و القانونية و إلا كان باطلا و أن نقصان التعليل يوازي انعدامه ، لئن كان من حق قضاة الموضوع تقدير الوقائع من حيث وجودها أو عدمها فإن من حق المجلس معرفة هذه الوقائع لمراقبة صحة التكييف القانوني المطبق عليها من واجب المحكمة حتى قضت بالإدانة أن تبين الوقائع المعاقب عليها بيانا مفصلا” .

كما جاء في قرار آخر للمجلس الأعلى :”يجب على القضاة أن يعللوا أحكامهم سواء فيما يرجع للأفعال الإجرامية التي تسببت في المتابعة أو للصفة التي يجب إعطاؤها لهذه الأفعال . و عليه فإن التصريح بأن المتهم قد ارتكب الأفعال المنسوبة لا يكون تعليلا لتبرير الحكم ، إذ لا يمكن المجلس الأعلى من ممارسة مراقبته فيما يخص مراقبة الصفة التي أعطيت لهذه الوقائع لكونها لم تبين بوضوح ، و كذا التحقق من أن العقوبة صدرت بصفة قانونية .

  • شروط موضوعية في تحقق التمسك بحق البطلان :

ليس العمل الإجرائي في قانون المسطرة الجنائية عملا شكليا بحتا ، بل هو عمل يهدف إلى إحداث آثار قانونية ضمانا لحقوق الدفاع و كفالة حقوق المتهم ، و من تم يشترط للتمسك بالبطلان ألا تكون الغاية من الإجراء قد تحققت ، فانعقاد الشروط الموضوعية للدفع بالبطلان اقتضته الخروقات التي شابت الإجراءات المحيطة بعرض الأسلحة المحجوزة و عدم معاينتها بموجب محضر رسمي ، فعرض الأسلحة في وضعية غير نظامية و هي غير مختومة و غير مرفقة بمحضر الختم الموقع عليه رسميا جعل الدفع ببطلان إجراءات الحجز طبقا لمقتضيات المادة 324 من (ق.م.ج) موجبا لإبطال المتابعة بحيازة الأسلحة و تكوين فرق مسلحة و بطلان الخبرة التقنية التي أنجزتها الشرطة القضائية . و بالنظر لجوهرية ضمانات حقوق المتهم و توفر الشروط الموضوعية لإثارة البطلان فإن الدفوع المتعلقة ببطلان حالة التلبس و بطلان الحجز و التفتيش و خرق مقتضيات الوضع تحت الحراسة النظرية و عدم مشروعيتها ، لها ما يؤسسها في النظام المسطري للإجراءات الجنائية .

  • مرحلة ما قبل المحاكمة :

تتسم مرحلة ما قبل المحاكمة بمحطتين أساسيتين ذات أثر بالغ عن مجمل المسلسل القضائي و هما البحث التمهيدي و التحقيق الإعدادي ، من هنا فأي إجراء لم ينجز وفق القانون يترتب عنه البطلان ، فإذا كان البحث التمهيدي هو كل الإجراءات و التحريات المنوطة  بالأجهزة الأمنية ذات الصفة الضبطية –الشرطة القضائية- قصد التثبت من موضوع الجريمة و البحث عن الأدلة ، فإن التحقيق الإعدادي هو مرحلة وسط بين البحث التمهيدي و المحاكمة ، من خلالها يقوم القاضي بجمع أدلة الإثبات و أدلة النفي لتقرير متابعة المتهم و إحالته على هيئة الحكم من ـــــ ، من هنا فقد أحاط المشرع تلك المراحل بضمانات و إجراءات شكلية و جوهرية موجبة للاقتضاء و الاحترام ، لأن أية محاكمة جنائية تقتضي توفير شروط و معايير و وسائل الاثبات و وسائل النفي لتقرير الإدانة أو البراءة .

  أولا : خرق أحكام الحراسة النظرية :

نظرا لاعتبار الحراسة النظرية تقييدا لحرية الفرد فإن المشرع أحاطها بمجموعة من الضمانات و الشكليات الملزمة للأجهزة الأمنية ، خصوصا الضابطة القضائية ، فإجراء الوضع تحت الحراسة القضائية يخضع لمقتضيات الفصل 66 من (ق.م.ج) علاوة على أحكام القانون رقم (03-03). إنه إجراء له خطورة على الحرية ، الأمر الذي جعل مدة الحراسة النظرية و تاريخ إيقاف المشتبه فيه من أهم العناصر القانونية التي أحاطها المشرع بقواعد مسطرية و جوهرية موجبة للاقتضاء و الاحترام ، و أي خرق لها يرتب المشرع عليه البطلان .

ففي حالة ملف بلعيرج تم خرق مقتضيات المادة 66 من (ق.م.ج) بحيث تم اختطاف بلعيرج عبد القادر يوم 18 يناير 2008 خلافا لما أعلنه وزير الداخلية السابق ، و هو مسطر في محاضر الشرطة القضائية ، و هو تاريخ 16 فبراير 2008 ، كما أن الاعتقال و الاحتجاز لم يتم من طرف الشرطة القضائية ، بل قامت بها عناصر أمنية أخرى لا تحمل الصفة الضبطية ، و كذلك التحقيقات فقد تمت في معتقل تمارة السري و تحت التعذيب ، و هو خرق واضح لمقتضيات المادة 66 من (ق.م.ج).

من هنا فإن تجاوز الحراسة النظرية يؤدي إلى بطلان محضر الضابطة القضائية حسب الدكتور أحمد الخمليشي ، و بما أنه من الثابت في ملف بلعيرج أن هناك إخلالا بأحكام الوضع تحت الحراسة النظرية ، و هذا ما يجعل المحضر معيبا شكلا و مضمونا ، مما يتعين معه التصريح ببطلانه ، خصوصا و أن الإخلال بأحد أحكام الوضع تحت الحراسة النظرية التي جاءت بصيغة الوجوب و الإلزام في المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية ، و إعمالا لضمانات المحاكمة العادلة يقتضي إحضار السجل المنصوص عليه في مقتضيات المواد (66/67/68) من قانون المسطرة الجنائية ، لأنه وثيقة رسمية تصدر من طرف النيابة العامة و تتضمن كل البيانات و المعلومات المتعلقة بساعة بداية الحراسة و نهايتها و مدة الاستنطاق .

  • بطلان إجراءات الحجز :

لم يعرض من المحجوزات سوى الأسلحة و أمام المحكمة ، و قد عرف العرض انتهاكا واضحا لسلامة الاجراءات الموجبة للاقتضاء في هذا الشأن ،  خصوصا و أن هذه الأسلحة تم عرضها مفتوحة و غير مختومة و غير مرفقة بمحضر الختم المؤشر عليه رسميا ، مما حال دون فتحها أمام المتهمين في خرق واضح لمقتضيات المادة 324 من قانون المسطرة الجنائية .

أننا أمام خرق جوهري للإجراءات المسطرية التي رتب عليها المشرع البطلان و بالأخص خرق مقتضيات الفقرة الخامسة من المادة 59 من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها : “تحصر الأشياء و الوثائق المحجوزة فورا و تلف أو توضع في غلاف أو وعاء أو كيس و يختم عليها ضباط الشرطة القضائية و إذا استحال ذلك فإن ضابط الشرطة القضائية يختم عليها بطابعه” .

لذلك فإن مقتضيات المادة 212 من قانون المسطرة الجنائية ترتب البطلان على الإجراء المعيب و الإجراءات الموالية له في حالة انتهاك مقتضيات المادة 59 من قانون المسطرة الجنائية .

كما أن هذه الخروقات تستدعي بحثا تكميليا طبقا للمادة 362 من قانون المسطرة الجنائية كإجراء مسطري لمعرفة الحقيقة ، خصوصا من قام بفتح المحجوزات من الأسلحة و إزالة أختامها .

  • الإنابة القضائية :

إن نتائج الإنابة القضائية لم توجه من الوكيل العام إلى قاضي التحقيق إلا بتاريخ 21/7/2008 حسب المراسلة التي أحال عليه بموجبها الوثائق المتعلقة بالإنابة القضائية ، في حين أن قاضي التحقيق أصدر أمره بالإطلاع بشأن انتهاء البحث بتاريخ 1/7/2008 ، و على هذا الأساس فإن هذه الوثائق أضيفت إلى الملف بعد انتهاء التحقيق دون عرضها على المتهمين للاطلاع عليها و إعداد الدفاع حولها خصوصا و أنها تتعلق بموضوع القضية و وقائعها ، و من شأنها التأثير في أطوار المحاكمة و في تقرير أطروحة قاضي التحقيق التي تبنت بشكل مطلق رواية الضابطة القضائية ، هذه المسوغات و المؤيدات توجب ترجمة وثائق الإنابة القضائية و مناقشتها إعمالا للمشروعية الدستورية و القانونية و ضمانا لحقوق الدفاع و لسلامة المسطرة ومشروعيتها .

لم يترجم إلى اللغة العربية إلا خمسون صفحة من  تلك الوثائق تتعلق بمجهول و لا علاقة لها بالمتهم الرئيسي بملف بلعيرج علما بأن الملف في صيغته البلجيكية يحتوي على 24000 صفحة .

كما أن استجابة سلطة القضاء ببلجيكا لمثيلتها المغربية تعد باطلا نظرا لخرق سرية التحقيق من طرف وزير الداخلية و أنه هو أول من سرب معلومات عن الملف المعني للصحافة البلجيكية و كشف وجوده و لا يحق له ذلك ، فما بني على باطل يعد باطلا …

  • حجز المتهمين داخل قفص بقاعة المحكمة :

إن عزل المتهمين في قفص و جعلهم في وضع يحط من كرامتهم و يهدر قرينة براءتهم من شأنه خرق حقوق دفاعهم ، فالقانون يجيز للمحامين الاتصال بموكليهم في أية مرحلة من مراحل المحاكمة و التحقيق عملا بمقتضيات المادة 136 من قانون المسطرة الجنائية ، و عليه فإن تقييد هذا الحق فيه هدر للمشروعية و لحقوق الدفاع ، و يدخل في باب أوامر النيابة العامة التعسفية و التحكيمية التي تفتقد إلى المشروعية و تفضي بالضرورة إلى البطلان ، و لأنه لا يمكن للنيابة العامة أن تعطي لمركزها حقا لم يعطه لها القانون .

و إعمالا لمقتضيات المادة 123 من قانون المسطرة الجنائية فإن المتهم يحضر أمام هيئة حرة و وضعه في قفص زجاجي مخالف لطبيعة الإجراءات التنظيمية للجلسات و انتهاك لقوانين حقوق الإنسان التي التزم المغرب باحترامها و بملاءمة قانونه الوطني لقواعدها .

  • الشرعية الإجرائية :

الشرعية الإجرائية هي صلب قضية حقوق الإنسان لارتباطها الوثيق بنظام العدالة الجنائية و إجراءاتها و ارتباطها بجدلية الأمن و حقوق الإنسان ، كما أن مضمون العدالة الجنائية الحقة هو حماية الشرعية الإجرائية التي تتأسس على مبادئ أساسية كأصل البراءة و الضمان القضائي و القانون هو مصدر الإجراءات الجنائية .

إن كانت ممارسة السلطة لم تعد امتيازا شخصيا لأحد و لكنها نيابة عن الجماعة و لصالحها ، فإن تحديد المبادئ الكبرى للشرعية الإجرائية الجنائية يقتضي تعريف الشرعية الجنائية بكونها أن “الأصل في المهتم البراءة و يحدد القانون الإجراءات الجنائية التي تخضع مباشرتها ضمان القضاء” .

إن كان طبع السلطة التسلط و النزوح نحو خرق الشرعية ، فإن القضاء و هو الضامن لمبدإ الشرعية و قواعده الموجبة للاحترام و الاقتضاء من خلال إعمال القاعدة القانونية و احترام معايير المحاكمة العادلة ، لأن قاعدة الشرعية الإجرائية الجنائية هي التي تحول دون المساس بحرية المتهم عن طريق القانون ، و ذلك عبر إسناد الجرائم للناس ، و لو لم يثبت ارتكابهم لها عن افتراض إدانتهم .

  • خرق مبدأ الأصل البراءة :

قرينة البراءة هي جوهر المحاكمة العادلة ، كونها الضامن لحماية الأفراد من تحكم السلطة لحماية المتهمين من الأخطاء القضائية . من المقرر أن القرينة القانونية ليست إلا تأكيدا لأصل عام هو الحرية لا محاكمة عادلة بدونها لما يترتب عليها من ضرورة حماية كافة حقوق الإنسان التي يفضي عدم احترامها إلى إفراغ مبدأ قرينة البراءة من مضامينه الحمائية الضامنة لحقوق المتهم أثناء البحث التمهيدي و التحقيق الإعدادي و المحاكمة .

فلا يجوز إدانة متهم بدون محاكمة عادلة تحترم فيها المعايير و المقتضيات الموجبة في هذا الشأن ، كما أن المتهم لا يمكن إلزامه بإثبات براءته لكون قاعدة الإثبات في نظام العدالة الجنائية تقع على عاتق سلطة الاتهام (النيابة العامة) ، و التي يجب عليها أن تقيم الدليل على مضامين متابعتها مع إعمال قاعدة الشك يفسر لصالح المتهم و التي تترتب عليها قاعدة أساسية في الأصول الجنائية أن القضاء يَحكُم باليقين و القطع بخلاف النيابة العامة التي تعتمد على الشك في تحريك متابعتها .

إن بناء الحقيقة القضائية يقتضي قيام الدليل و الإثبات و هو ما يتطلب إجراء محاكمة عادلة تحترم فيها ضمانات حقوق الدفاع .

“… إن قبول الدليل أمر يتوقف على مشروعيته و هي تسبق إدارة الدليل وفقا لقواعد معينة ، و لا يمكن أن تبنى الأدلة على دليل غير مشروع أو على دليل مشروع لم تتبع بشأنه القواعد اللازمة لحسن إدارته أي الإثبات به ، و بناء على ذلك فإن نقض قرينة البراءة بإثبات الإدانة يتوقف على أمرين متلازمين هما الدليل المشروع و الدليل الذي ــــــــ إدارته أي تم الإثبات به بما لا يتناقض مع قرينة البراءة “.

للقضاء دور جوهري في حماية المشروعية الإجرائية باعتبارها إجراءات و مساطر ينبغي احترامها عند إعمال القانون و تنفيذ أحكامه ، إذ لا جدوى للمقتضيات الجديدة للمسطرة الجنائية إذا لم يكن هناك قضاء ضامن للأصول و الإجراءات الجنائية كمبدإ قرينة البراءة و الشك يفسر لصالح المتهم . ففي غياب قضاء ضامن فإنه لا يمكن كفالة حقوق الدفاع و ضمانات المتهم ، و من تم فإن الضمان القضائي لحماية المشروعية الإجرائية لا يمكن أن يتحقق من دون احترام مبادئ العدالة الجنائية ذات المضامين الحقوقية كالأصل/البراءة و ما يترتب عن ذلك من ضمان معايير المحاكمة العادلة بموجباتها و أحكامها التي تقتضي إعمالها في كل الإجراءات للوصول إلى الحقيقة من حيث الإثبات و الإستدلال و تقدير الدليل.

و لعل منع قاضي التحقيق في ملف بلعيرج من إمكانية الحصول على نسخة من ملف التحقيق بعد تأويله للقاعدة الإجرائية الواردة في المادة 139 من (ق.م.ج) ، و تفسيرا يخالف إرادة المشرع و مسلكا ينتهك حقوق الإنسان و ضمانات حقوق الدفاع .

  • التعذيب :

أكدت مقتضيات المادة 13 من اتفاقية مناهضة التعذيب أن إدانة التعذيب و تجريمه يعد قانونا يستوجب التحقيق في حصول الجريمة المعنية ، فلم تشترط مقتضيات المادة 13 للتحقيق في مزاعم التعذيب أن تكون الشكوى مقدمة بالضرورة من المعني بالأمر أو أمام سلطة قضائية معينة ، فمجرد التعرض للتعذيب يترتب عنه وجوبا ضمان إجراء تحقيق سريع و مجاني مهما كان الطرف المبلغ عنه .

إن ادعاء التعذيب مسألة قانونية أولية من شأنها أن تحرك الدعوى العمومية على وجه السرعة عملا بمقتضيات المادة 12 من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب .

تعرض معظم المعتقلين بملف بلعيرج للتعذيب في معتقل تمارة و في “المعاريف” و خصوصا بلعيرج عبد القادر الذي عانى أصناف التعذيب لما يقارب الشهرين ، فتصريحات الضحايا تفرض اللجوء إلى التحقيق في “مزاعم” التعذيب ، و هو ما يؤدي بالضرورة القانونية إلى نتيجتين أساسيتين في حالة ثبوته ، أولها إحالة المتسبب في جريمة التعذيب على المحاكمة عملا بمقتضيات المواد 225 إلى 232 من القانون الجنائي ن و ثانيهما عدم الاعتداد بالأقوال و التصريحات المنتزعة تحت التعذيب . فرفض الأقوال المنتزعة بالتعذيب لا تعد فحسب حقا من حقوق المتهم ، بل واجبا تضمنه الدولة ، فقد نص الفصل 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب على أن كل دولة طرف تضمن عدم الاستشهاد بأية أقوال ثبت الإدلال بها نتيجة التعذيب كدليل في أية إجراءات . كما أن مقتضيات الفصل 15 من اتفاقية التعذيب واجبة التطبيق من طرف القضاء المغربي لمصادقة المغرب عن الاتفاقية المعنية .

إن تطبيق المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب يفرض إثبات حصول التعذيب أو على الأقل عدم صحة محتوى المحاضر ، فلا يعتد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنف أو الإكراه .

  • الإختطاف و الإخفاء :

لم يكن ملف بلعيرج سوى مجموعة من الانتهاكات و الخروقات الصارخة للقانون و حقوق الإنسان ، فلم يتم اعتقال بلعيرج عبد القادر بطرق قانونية ، بل تم اختطافه يوم 18 يناير 2008 في مدينة مراكش على الساعة التاسعة ليلا قبالة المحطة الجديدة للقطار بنفس المدينة ، فلم يعتقل يوم 16 فبراير 2008 بمطار محمد الخامس كما صرح بذلك وزير الداخلية السابق أو تسريبات الأمن إلى  الصحافة ، بعده تم إخفاءه بمعتقل تمارة السري لما يقارب الشهرين دون إشعاره بسبب الإعتقال أو إبلاغ أحد من عائلته في مخالفة صريحة لقانون حقوق الإنسان الدولي الذي يلزم إبلاغ أي شخص بأسباب إيقافه و بالتهمة الموجهة إليه لحظة اعتقاله و بلغة يفهمها لتمكينه من أن يطالب بشأن شرعية توقيفه من عدمها تتخذه السلطة القضائية المختصة دون غيرها .

كما أن التوقيف و التحقيق و التعذيب مارسته عناصر تابعة للاستخبارات بمعتقل تمارة ، و هناك حررت المحاضر التي سميت فيما بعد بمحاضر الشرطة القضائية و هو شيء مكذوب حيث حررت المحاضر بالفرنسية في تمارة و تمت ترجمتها إلى اللغة العربية في المعاريف و تقديمها كذلك إلى قاضي التحقيق .

فدور الشرطة القضائية كان دور السكرتيرة ليس إلا ، كما أن التعذيب تواصل بالمعاريف مدة 15 يوما ابتداء من احتجاز المتهمين في مراحيض نتنة يتقاطر المطر من سقفها وصولا إلى إرغام المتهمين على الإمضاء تحت تهديد الضرب و التجويع و أشكال أخرى من الاعتداءات طيلة مدة الحجز في المعاريف و دون إشعار لعائلاتهم .

إنه لا عدالة بدون محاكمة و لا محاكمة بدون إعمال معايير المحاكمة العادلة و لا عدالة بدون القضاء على الإفلات من العقاب و كفالة المساءلة القضائية لممارسي التعذيب (الجلادين) ، فمسؤولية الدولة قائمة عن الانتهاكات التي يرتكبها الأفراد أو أجهزتها الخاصة ممن أسندت إليهم مسؤوليات محددة ، و يمكن أن تتحمل المسؤولية عن أعمال العنف التي يرتكبها الأفراد بصفتهم الخاصة عندما تؤيدها أو تتساهل إزاءها ، و يمكن أن تتحمل المسؤولية عندما تتقاعس بطرق أو بأخرى عن توفير حماية فعالة من التعذيب أو سوء المعاملة ، و على هذا الأساس فيجوز مساءلة الدولة بطرق مختلفة .

إن قيام أجهزة أمنية ليس لها الصفة الضبطية بالاختطاف و التعذيب و الاختفاء القسري و الاحتجاز في أماكن مجهولة و إجراء التحريات و إنجاز المحاضر دونما مسوغ قانوني و لا تمت بصلة إلى عناصر الشرطة القضائية ، يستدعي إجراء بحث تكميلي لإثبات الحقيقة و الكشف عنها ، لأن كل بحث قامت به عناصر أمنية لا تنتمي إلى الشرطة القضائية يعتبر باطلا عملا بمقتضيات المادة 289 من (ق.م.ج) التي تنص على أنه “لا يعتد بالمحاضر و التقارير التي يحررها ضباط و أعوان الشرطة القضائية و الموظفون و الأعوان المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية إلا إذا كانت صحيحة في الشكل و ضمن فيها محررها و هو يمارس مهام وظيفته ما عاينه أو تلقاه شخصيا في مجال اختصاصه”.

مع استدعاء مقتضيات المادة 765 من (ق.م.ج) الذي يعتبر – كأنه لم ينجز- كل إجراء يأمر به قانون المسطرة الجنائية و لم يثبت إنجازه على الوجه القانوني ، و علاوة على ذلك فإنه لا يمكن تجاوز هذه المسطرة بأي إجراء آخر احتراما لمبدإ الشرعية من جهة ، و من جهة أخرى تفاديا لتشريع إجراءات من غير الجهة الموكولة لها طبقا للفصل 45 من الدستور ، من هنا كان لا بد من الدفع بضرورة الكشف عن الحقائق و المعطيات حول ظروف الاستنطاق و ملابساته عبر إجراء بحث تكميلي ، و هو ما طالب به الدفاع دون جدوى .

كما أن البحث التكميلي أصبح ملحا خصوصا بعدما ضبط قاضي التحقيق متلبسا في مكتبه بحضور أحد المسؤولين عن التعذيب في ملف بلعيرج و المدعو “الكولونيل الوزاني” ، و هو الرجل الثاني في هرم التعذيب بتمارة و هو في مهمة رسمية بمكتب قاضي التحقيق و تحت إشرافه ، و لما طالبه المتهم بلعيرج عبد القادر بكشف اسم ذلك الجلاد فر هذا الأخير من مكتب القاضي شنتوف ، و هو ما يثبت إدانته و إدانة القاضي معه ، و قد تم ذلك بحضور المحامي زيان .
إن القانون يلزم المحكمة بإجراء البحث التكميلي للتحقيق نفيا أو إثباتا في المقتضيات و العناصر التي كشف عنها من قبل المتهم حول ظروف الاستنطاق و الملابسات الأخرى .

و نظرا لخرق تلك الأفعال للقانون فهي تشكل دليلا على خرق إجراءات البحث التمهيدي و هذا يفضي بالضرورة المسطرية إلى بطلان إجراءات البحث التمهيدي و ما يترتب عنه من آثار قانونية و مسطرية قبلية و بعدية لمجريات المحاكمة .

لقد خرق قاضي التحقيق المشروعية عندما لم يتخذ الإجراءات اللازمة بشأن ممارسة التعذيب و دون قيامه بأي رد فعل قانوني يفرضه عليه القانون كإخبار النيابة العامة بذلك و الاستماع إلى الكولونيل الوزاني بكونه أحد جلادي تمارة قصد مواجهته بالمتهم .

و بناء على مقتضيات المادة 293 من (ق.م.ج) فإنه لا يعتد بأي اعتراف تم انتزاعه بالعنف و الإكراه .

  • حول المحاكمة العادلة :

إن الحق في عدم التعرض للتعذيب و الحق في الحياة جعلا من الحق في المحاكمة العادلة مطلبا جوهريا مرتبطا بالحقوق الجوهرية لحقوق الدفاع ، سيما في القضايا ذات الطابع السياسي بسبب تعرض المعتقلين للاختفاء و الاحتجاز و التعذيب بدون موجب ، فالنظام القضائي الذي لا يحترم مقتضيات و أحكام المحاكمة العادلة هو نظام قضائي يفتقد إلى المشروعية القانونية و الدستورية و هو مؤشر على عدالة غير قائمة تؤسس للإفلات من العقاب .

من المعلوم في ملف بلعيرج بأن الجهات الأمنية التي ليس لها الصفة الضبطية و لم يخول لها القانون بالقيام بالأبحاث و التحريات و الاعتقال هي من أنجزت ذلك في تعارض تام مع القانون ، و حيث أنه و بسبب اللجوء إلى إجراءات غبر مقررة في القانون فإنه يتبين أنه هناك انتهاك في المقتضيات و المعايير الدولية ذلك الصلة بالاحتجاز المشروع و من تم فإن عدم إعمال هذه المعايير يجعل المحاكمة تفتقد للمشروعية الموجبة للبطلان و إعادة المحاكمة وفق ضمانات حقوق الإنسان و المحاكمة العادلة .

ليست قوة الدولة تكمن في تبني العنف  و التعذيب و شرعنته سرا أو جهرا  ، إنما تكمن قوتها في قوة مؤسساتها و قوانينها و قوة نفاذها بآليات حماية فضاءات الحرية .

إن سلطة القانون و معيارية القاعدة  الدستورية و احترامها هو الكفيل بكفالة حقوق الدفاع و حقوق الإنسان و الحد من الانتهاكات خصوصا ممارسة التعذيب الذي طال معظم المعتقلين بملف بلعيرج كما تم التصريح بذلك أمام المحكمة .

نحن في أمس الحاجة إلى مقاربة جديدة تقطع مع المقاربة الأمنية التي تعتبر العنف و الإرهاب ملفا أمنيا صرفا ، لأنه لابد من استحضار القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان و حقوق المواطنين – ومهما اقترفوا- في المحاكمة العادلة و حقهم في تقديم المرافعات و المساءلة الذاتية و لاندماج في أفق المصالحة كبعد استراتيجي لبناء الثقة و المستقبل . إن قضية بلعيرج قضية معقدة ، فأية معالجة لا تأخذ بعين الاعتبار كل المقتضيات و الوقائع التي تحكمت في مسار القضية هي معالجة تجزيئية مآلها الفشل ، لذلك وجب إعمال آليات المقاربة التصالحية المبنية على الحوار كطريق لمعالجة قضايا و إشكالية العنف و الإرهاب.

إنه لا  محالة في أن تكون قضية بلعيرج في القضايا التي ستعالج في إطار مقتضيات العدالة الانتقالية في المستقبل .

فقد أثبتت التجارب فشل المنطق الأمني ، بحيث ساهم في إنتاج مزيد من العنف ضد الدولة خصوصا في أواسط من خبروا السجون و تعرضوا للتعذيب في أقبية المعتقلات و انتزعت منهم اعترافات تحت الإكراه ، ثم وجدوا أنفسهم أمام محاكمات صورية جائرة .

لقد كانت المقاربة الأمنية في ملاحقة قضايا العنف ببلادنا كارثية على مستوى حقوق الإنسان ، و عديمة الجدوى سياسيا ، و طالت الانتهاكات مجموع الملفات التي أدرجت في خانة مكافحة الإرهاب ، و لم تشكل قضية بلعيرج استثناء أو خروجا عن القاعدة ، بحث كان معتقلو ملف بلعيرج ممن حددوا لدفع ضريبة المرحلة المكلفة سياسيا في حاضر هذا البلد و مستقبله .

  • على مستوى ما ينسب إلي في بلجيكا :
  • على المدعي البينة ، فمن زعم شيئا فعليه أن يأتي بالدليل ، و عليه فعلى سلطة الاتهام أن تثبت مزاعمها و هو ما عجزت عنه تماما .
  • المحكمة فاقدة للاختصاص في النظر في قضايا حدثت وقائعها في بلجيكا ، فالقاضي على مستوى الإبتدائي أو الإستئناف لم يطلع على الملف و لا يحيط بشيء مما جرى ، فكيف عليه أن يحكم ؟

ج – الأصل فيما ينسب إلي في بلجيكا لم يكن نتيجة اعتراف من طرفي ، فلم أتفوه بشيء من هذا في أية مرحلة من مراحل التحقيق بل  أوعزته الشرطة إلى أحد المعتقلين و هو بدوره أنكر أنه ذكر شيئا من هذا خلال مراحل تحقيقه المختلفة ، فكيف نسجت تلك الاتهامات ؟

د- تتم محاكمتي دون ملف ، فلم يستلم الدفاع سوى 50 صفحة هي عبارة عن تقارير للشرطة البلجيكية تتحدث عن مقتل أشخاص معينين في تواريخ محددة و بأسلحة لا علاقة لها بما ذكر في محاضر الشرطة القضائية المغربية و التي زعم فيها بأنني من ذكرت ذلك ،  و هو دليل على فبركة الملف إذ لا يعقل أن ينسى القاتل نوعية السلاح المستعمل في الجريمة أو عياره ، و لأن قتل ذلك لا ينسى ، كما أن محاضر الشرطة البلجيكية تتحدث عن مجهول و لا تتحدث عن شخص بلعيرج عبد القادر .

هـ – تقارير الشرطة البلجيكية تؤكد بأن لا دليل لديها تستطيع من خلاله توجيه التهمة لي أو إدانتي .

و- أشخاص نسب إليهم تهم القتل و المشاركة فيه في هذا الملف تم تسريحهم من طرف القضاء البلجيكي و تم تحفيظ الملف لغياب الأدلة .

ز- حكم على السيد جمال الدين عبد الصمد في محكمة سلا بثلاث سنين و نصف سجنا باعتباره شريكا في القتل ، بينما حكم علي بالمؤبد ، فهل يحكم على قاتل بثلاث سنين و نصف ؟ إنها المهزلة.

ح – الإنابة القضائية باطلة ، فقد أضيفت الوثائق بعد إعلان قاضي التحقيق عن انتهاء التحقيق ، كما أن نفس القاضي أخفى محاضر أنجزها المحققون البلجيك في سجن سلا ، و هي مغايرة تماما لما جاء في محاضر الشرطة المغربية .

ط – منع قاضي التحقيق المحققين البلجيك من طرح أسئلة معينة على بلعيرج عبد القادر من قبيل متى اعتقلت ؟ أو هل تعرضت للتعذيب ؟ و هي أسئلة لا تمس بسيادة البلد و لا قضائه ، فما هي الدواعي التي دفعت به إلى ذلك ؟

لا شك أن الأمور واضحة مما يجعل ادعاءات الشرطة المغربية باطلة و كذلك استجابة القضاء البلجيكي الذي بني على خروقات صريحة للقانون و خصوصا خرق سرية البحث التمهيدي من طرف وزير الداخلية و هو من زف خبر الملف إلى البلجيك ، فملف بلعيرج فبركة استخباراتية صرفة و لا علاقة لها بعدالة أو قانون أو قضاء .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.