“المساواة” في حضرة حزب “التقدم والاشتراكية”

بقلم: عبدالله الجباري
نظم حزب التقدم والاشتراكية يوم الجمعة 15 مارس 2019 ندوة غير علمية حول “المساواة بين مستلزمات التحديث ومضامين الفكر الديني”.
قبل الحديث عن الندوة وملاحظاتنا حولها، نسجل ابتداء أن حزب التقدم والاشتراكية من الأحزاب التي نكن لها احتراما وتقديرا خاصين، خصوصا بعد المشاركة المسؤولة والملتزمة في حكومة بنكيران، حيث كان الحزب؛ وزراء ونوابا؛ ملتزما بميثاق الأغلبية، ولم يمارس سياسة القفز اللامسؤول التي كان ينتهجها حميد شباط ومَن خلفَه ومن معه، كما أن الحزب أبان عن مسؤولية وحنكة بعد تصريحات أمينه العام عن “مؤسس البام”، وما تلا ذلك من زوابع لم تنته إلا بــ”تأديبه” من خلال إعفاء وزرائه في ما اصطلح عليه بالزلزال، رغم كفاءة بعضهم، خصوصا وزير الصحة الدكتور الحسين الوردي. وصولا إلى تأديب الحزب بإزاحة شرفات أفيلال التي تعرضت لظلمين اثنين، أولهما من حيث الإزاحة، ثانيهما من حيث طريقة الإزاحة.
هذا الشلال المتدفق من المشاعر تجاه الحزب، يجرفني لأتفاعل مناقشةً وملاحظةً مع ندوته بروح رفاقية.
أول ملاحظة شكلية نسجلها على هذه الندوة، هي أنها مخصصة لمناقشة قضية ذات بعدين، بُعد تحديثي وبعد ديني، وكان حريا بالحزب، وهو مشارك في الحقل السياسي الرسمي، أن يستدعي عالما من المؤسسة الدينية الرسمية، لأن هذا التغييب قديستبطن موقفا سلبيا من المؤسسة، أو على الأقل، يدل على ضيق صدر منها ومن مواقفها.
وعلى هامش الندوة، صرح الأمين العام للحزب السيد محمد نبيل بنعبد الله أنْ “لا شيء يعلو فوق إمكانية المناقشة والجدل الإيجابي الذي يمكننا أن نتقدم”، هذا التصريح يوهم المتلقي أن الندوة عرفت نقاشا وجدلا، ولكي يتحقق هذا، لا بد من حضور وازن لآراء مختلفة، أما الاقتصار على محاضِرَين اثنين يمثلان مرجعية واحدة، فهذه تقنية لا تسهم في تحقيق المناقشة والجدل الإيجابي، ولن تتجاوز كونها مونولوغاً داخليا، يعزف فيه الجميع سيمفونية واحدة.
إضافة إلى التصريح أعلاه، أشار السيد الأمين العام المحترم إلى إيمانه العميق “بأن المقاربات الدينية الإسلامية قابلة للتطور وقابلة لأن تعرف تحديثا”، ويبقى الإشكال المثار ليس في قابلية المقاربة الإسلامية للتطور والتحديث، وإنما في من له الأهلية لممارسة ذلك التطور والتحديث والدفع به إلى الأمام، مع العلم أن إقصاء مؤسسة العلماء عن حدث ثقافي كهذا لا يرسل رسائل طمأنة، بقدر ما يبعث رسائل معاكسة، فحواها أننا بإمكاننا اقتحام عقبة ذلك التطوير بدون شراكة مع المؤسسات الدينية الرسمية.
وعلى هامش الندوة أيضا، صرح المحاضِر محمد عبد الوهاب رفيقي أن الإسلام لا يعرف مَيْزاً بين الرجل والمرأة، وإنما “التأويلات المتعسفة هي التي فُهم من خلالها ذلك الميز”، أما الأصل، فهو تقرير مبدأ أساس، وهو أن “المساواة قيمة قرآنية، وقيمة دينية، انطلاقا من تكريم القرآن لبني آدم، ذكورا وإناثا”.
وهذا التصريح وحده كاف في بيان أولوية مطلبنا وضرورة إحضار العلماء المتخصصين إلى مثل هذه المناقشات والندوات، حتى لا يمرروا مغالطات كبيرة وكثيرة إلى المتلقي، مثل مغالطات السيد رفيقي، ولبيان أخطاء التصريح أعلاه، أورد الآتي:
1- الإسلام يسوي بين المرأة والرجل أحيانا، ولا يسوي بينهما أحيانا أخرى، ويكفي أن أورد مسائل يعرفها الصغير قبل الكبير، وهي أن الإسلام يبيح للرجل تعدد الزوجات، ولا يبيح للمرأة ذلك، والإسلام يفرض على المرأة العدة، ولا يفرضها على الرجل، والإسلام يخول للرجل إرجاع طليقته داخل عدة الطلاق الرجعي من دون أي شرط، ولا يخول للمرأة ذلك، والإسلام أعطى للزوج النصف أو الربع في الإرث، وأعطى للزوجة الربع أو الثمن، وغير ذلك من الأحكام الواضحة الصريحة. فهل هذه تأويلات متعسفة فُهم منها ذلك الميز؟ أم أنها أحكام إسلامية مستندة على نصوص صريحة واضحة؟
وأزيد المسألة وضوحا وجلاء، وهي أن الله تعالى خصّ الرجال بالرسالة، ولم يبعث رسولا أنثى قَطّ، وهذا تمييز أيضا. أم أن المسألة ليست سوى تأويلات متعسفة؟
ويمكن أن أورد كلام العلامة الطاهر ابن عاشور، فإنه لما تكلم عن حالات المساواة، تطرق إلى نقيضها، وقال تحت عنوان: “موانع المساواة”، ثم قال: “موانعالمساواة في الإسلام تكون جِبلِّية، وشرعية، واجتماعية، وسياسية”، ثم سرد بعض الحالات، وهذا كلام عالم خبيرذي استقراء تام للشريعة وأحكامها.
نعم، هناك أحكام تتضمن المساواة بين الرجل والمرأة، كوجوب الصلاة وغيرهما من العبادات، والسدس في الميراث للأبوين في حالة وجود الولد، وغير ذلك.
2- بناء على ما سبق، يتبين لكل ذي عينين أن المساواة ليست قيمة قرآنية، وليست قيمة دينية كما ادعى المحاضر.
3- الاستدلال بقوله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم” على المساواة استدلالٌ موغل في الغرابة والعجائبية، لأن الكرامة لا تستلزم المساواة، والمساواة لا تستلزم الكرامة، بل يمكن تحقيق الكرامة باللامساواة وليس بالمساواة، مثل تشريع اللائحة النسائية في الانتخابات، وهو تشريع لا يسوي بين المرأة والرجل، ويهدف إلى تكريم المرأة وإنصافها.
إذا تجاوزنا هذه التصريحات، ننتقل إلى صلب الموضوع، وهو المساواة، التي حاولت الندوة تقزيمه في حالة الذكور/الإناث، وفي ما له علاقة بالدين فقط. ولست أدري سبب هذا التقزيم، هل تجاوُز النقاشات الشائكة والاسترواح بالمناقشات الجاهزة التي يحقق أصحابها بطولات كارتونية؟ أم ماذا؟
كان حريا بالندوة أن ترتقي في النقاش نسبيا، وأن تناقش المساواة بنوع من التجريد، وهنا أودّ أن أضع بين المحاضرين والمنظمين ثلاث حالات، أو بلغة بيداغوجية، ثلاث وضعيات:
الأولى: ينص الدستور المغربي على توريث العرش للابن الذكر الأكبر للملك، ولو كانت البنت هي الأكبر فلا يحق لها ذلك، وهذه مخالفة لمبدأ المساواة، فلماذا لا يعقد الحزب ندوات لمناقشة هذه القضية السياسية، خصوصا أنه حزب سياسي يروم التحديث والتقدمية؟
الثانية: في انتخابات المأجورين، تختلف القاعدة الانتخابية من قطاع إلى قطاع، فتجد في بعضها قاعدة من الأجراء تتكون من 25 أو 50 أجيرا، تفرز مندوبا، وفي قطاعات أخرى، يُفرض على المرشحين أن يقطعوا الفيافي، ويشكلوا اللجان المتعددة للتواصل مع الناخبين الذين يعدون بالآلاف، ولا يفرزون إلا مندوبا واحدا، هذه اللامساواة تهدد نبل العمل السياسي في بلادنا، لأن بواسطتها تضمن جهات معينة أصواتا ضمن فئة الناخبين الكبار بكل سهولة، وترسم بهم خارطة الحقل السياسي الذي يرهن البلاد مدة انتدابية معينة، ألا يحق لحزب كبير يهتم بالطبقة العاملة أن يناقش عدم المساواة في هذه اللعبة؟
الثالثة: أهم شيء يجب الحديث عن المساواة فيه، هو المساواة في توزيع الثروة، والحزب بما له من أطر وكوادر، يعرف البؤس الذي تعاني منه ساكنة بعض المناطق التي تُستخرج منها الثروة، مثل منطقة إيمضربتنغير مثلا، كما يستحسن للحزب –وهو كيان سياسي- أن يناقش المساواة في توزيع ثروة مهمة اسمها الفوسفاط أو الثروات البحرية، فالمساواة هنا ربما أولى وأجدى من مناقشة قضايا الإرث استنادا على الأغلوطات التي بيناها أعلاه.
هذه ثلاث وضعيات، ويمكن أن أزيد عليها العشرات مما يمكن إخضاعه إلى نقاش المساواة، لكنني أكتفي بهذا وأستدرك عليه حالة رابعة على سبيل الختم، متى يمكن للحزب أن يعقد ندوة لمناقشة المساواة في (جوج فرنك) التي يتقاضاها الوزراء بعد التقاعد؟ أم أن المساواة في الإرث أفضل وأسهل؟
المساواة من الناحية العلمية:
يمكن اعتبار النقاش حول المساواة نقاشا إيديولوجيا محضا، وليس نقاشا علميا يمكن استثماره في تطوير المجتمع وتنميته، ويكفي دليلا على ذلك، أن الحزب يدعو إلى المساواة في الإرث، ويدعو إلى عدم المساواة في الانتخابات، ويسميه “تمييزا إيجابيا”، فهل المساواة مطلوبة هنا، ومنبوذة هناك؟
لقد قد قام كثير من الباحثين والمفكرين بمقاربة موضوع المساواة علميا، ويمكن أن أشير إلى الألماني ماكس شيلر، الذي ألف كتابا بعنوان “الإنسان الحاقد”، وجعل المطالبة بالمساواة خاصية من خصائص الحاقد، الذي يريد أن يُنزل من في درجة أعلى إلى مرتبته هو.
وبيّن العلامة المغربي علال الفاسي أن المساواة قد تكون جائرة، وليست دائما عادلة.
ويمكن أن أشير إلى أن المساواة ليست مبدأ، وليست قيمة، وليست مقصدا، لذا لم يعتن بها الإسلام، أما المبدأ والقيمة والمقصد فهو العدل، والمساواة مجرد وسيلة لا غاية، وهي وسيلة قاصرة،قد تحقق العدل، وقد لا تحققه.
ومن أسماء الله تعالى العدل والمقسطوالحق، لذا كانت أحكامه عدلا ولو لم تتضمن مساواة، وكانت أحكامه حقا ولو لم تتضمن مساواة، والمطالبة بالمساواة المطلقة في الإرث ليست سوى نقضِ عروة من عرى الإسلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، أولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، لا يحق للأمريكي أن يترشح للانتخابات إلا إذا كان مولودا في الولايات المتحدة، وهذا ليس من المساواة.
وعكس ذلك في فرنسا، حيث يرث الابن الشرعي مثل الابن بالتبني، وهذه مساواة ظالمة.إذ كيف يرث فلذة كبد زوجين مثل ما يرثه ابن متبنىً مستوْرَد من تونس أو السنغال؟ ما العلاقة بينهما؟
المساواة وسؤال المرجعية:
ورد ضمن تصريحات الأستاذ نبيل بنعبد الله على هامش الندوة أنهم ينطلقون من “المرجعية التحديثية التقدمية الديمقراطية”، وهي مرجعية هلامية غير منضبطة، ينبغي للعقلاء ألا يرهنوا مجتمعاتهم بها، ومن خطورتها أنها مرجعية زئبقية ومتقلبة، ومن التقلبات البيّنة، أن الشيوعية لم تكن حركة تقدمية، والآن صار الشيوعيون يتبنون شعار التقدمية، وبالأمس كان الشيوعيون يعتبرون الديمقراطية من الأفكار البورجوازية، واليوم يرفعون شعار الديمقراطية، بمعنى أنهم حين تكون المبادئ مرفوضة عندهم يجب أن نرتهن لهم، وحين يتحولون، نرهن المجتمع وخياراته إلى تحولهم، والخيارات الاستراتيجية للمجتمع تسمو على مثل هذه التجاذبات، ولا ترتهن للتقلبات والتحولات.
وإذا كان لا بد من “المرجعية التحديثية التقدمية الديمقراطية”، فإنه من الأولى بالحزب أن يناقش توريث العرش للولد الأكبر للملك، ذكرا كان أو أنثى، لأن الدول والمجتمعات “التقدمية والتحديثية والديمقراطية” تقر بذلك وتعمل على تنزيله واقعا، ويمكن للحزب أن يطالب بذلك في مجتمعنا، ويمكن أن أقدم له مساعدة في ذلك–على سبيل الإلزام-، لأن الأسرة الحاكمة في المغرب تستمد شرعيتها من النسب الشريف، وذلك النسب لا تتشرف به إلا عن طريق أنثى، وهي سيدتنا فاطمة عليها السلام، فكيف لأسرة تستمد مشروعيتها بواسطة أنثى ولا تبيح للأنثى تولي العرش؟فهل يستطيع الحزب أن يعقد ندوته المقبلة في هذا الموضوع؟ أم أن المساواة في الإرث أيسر وأسهل على مستوى الاستهلاك الإعلامي، ولوْك الشعارات، وترويجا لأغلوطات؟
المساواة وسؤال المآل:
حزب التقدم والاشتراكية حزب وطني كبير وعريق، وهو ممارس للعمل السياسي، ومن السياسة تحقيق المصالح ودرء المفاسد. فما هي المصالح التي يمكن تحقيقها بهذه المساواة؟ وما هي المفاسد التي يمكن وقوعها؟
بإيجاز شديد، إن الحديث عن المساواة في الإرث ونشره وإشاعته بين الناس يمكن أن يؤدي إلى إشاعة التطرف في المجتمع، ويكفي أن أشير إلى (المساواتيين)، وهم طائفة متطرفة في التاريخ الأوربي، كان يقودها جون ليبورن، وكان من قادتها ريتشارد أوفيرتون، وهي الجماعة التي نادت بإقامة حكم جمهوري وتحقيق المساواة التامة في الأمور الدينية والاجتماعية. وتكثير الحديث عن المساواة في الإرث لا أراه إلا تغذية لتطرف مماثل لهؤلاء (المساواتيين) وزرع لبذرتهم في مجتمعنا. والحزب الذي يقدر المصالح والمفاسد يجب أن ينشر توعية ترسخ الاستقرار في المجتمع، ولا يعمل على استنبات التطرف.
كما أن فرض المساواة المطلقة في الإرث قد تنذر بإفراز تكفيريين جدد، يمكن أن يقوموا بعمليات “جهادية” في وسط المجتمع، وهذا عانينا منه ولم نسلم منه بعد، فهل يحق لعقلاء أن يطرحوا أفكارا كهذه في بيئة كبيئتنا؟ أين فنّ الممكن؟ أين المصالح والمفاسد؟
وطرح المساواة بين الأولاد الذكور والإناث في الإرث، تجعلنا نطرح مساواة أخرى، وهي المساواة بين جميع الورثة دون تمييز، لا فرق بين الزوج والزوجة والأب والأم والابن والبنت، وسيأتي حزب آخر ليطالب بالمساواة بين الابن والبنت من جهة، وبين الأم والأب من جهة ثانية، وبين الزوج والزوجة من جهة ثالثة، وهكذا سيغني كلٌّ على ليلاه، ولكل حزب مساواته، وسنؤسس للفوضى في المجتمع، فهل يحق لحزب مسؤول أن يسهم بقسط في إحداث فوضى كهذه؟
إن نشر هذه الأفكار قمينة بنشر الفوضى في المجتمع، وسيطلب كل حزب مساواته التي يريد،
على سبيل الختم: نعتي للندوة بـ”غير العلمية” ليس تنقيصا لها، ولكن احتراما لصرامة التصنيف، فالندوات العلمية تعلن استكتابا، وتتلقى ملخصات العروض التي تخضع للتحكيم، وبعدها تتلقى العروض المقبولة، وكل هذا لم يحصل في ندوتنا المشار إليها، وهي قد يصدق عليها نعت”الندوة التعبوية” أو “التأطيرية” أو غيرهما من النعوت والأوصاف.
Abdellah4144@hotmail.fr

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.