تزامنا مع ذكرى ثورة الملك والشعب.. الملك يقود ثورة على الأعراف المخزنية وهذه خلفيات إلغاء الاحتفال الرسمي لعيد الشباب

بالواضح – سعد ناصر

تزامنا مع ذكرى ثورة الملك والشعب، وقبل أقل من أسبوع على حلول هذه الذكرى الوطنية، قرر الملك محمد السادس الغاء الاحتفال الرسمي بشكل نهائي بعيد الشباب ابتداء من هذا العام.

ويأتي هذا القرار الملكي بعد أقل من أسبوعين على خطاب العرش الذي شدد من خلاله مجددا على أن البلاد بها ثروة وينبغي أن تعود بالنفع على المواطنين والشباب بشكل خاص من خلال توفير مناصب شغل لهم.

ويمكن القول بأن هذا القرار جاء ليقطع الطريق أمام من يمكن تسميتهم بالوصوليين أو المتزلفين، الذين ينتظرون فقط حلول المناسبات الوطنية من أجل استعراض “منجزاتهم” وإظهار وفائهم لوطنهم ولملكهم من خلال تنظيم أنشطة وتظاهرات باذخة بأموال الدولة. كما يذكرنا أيضا هذا القرار الملكي بقرار آخر سبق وأن أعلنه الديوان الملكي قبل حوالي شهرين عندما دعا القصر كل المؤسسات الوطنية بالاحتفال بالذكرى العشرين لعيد العرش بشكل عادٍ لا يختلف عن الأعوام السابقة، في إشارة إلى وجود من يستغل رقم 20 من أجل جلب منفعة ذاتية والاحتفال بذكرى عيد العرش.

كما يدخل هذا القرار في سياق ثورة ملكية يقودها الملك محمد السادس في وجه بعض الأعراف المخزنية، خاصة وأن قرار إلغاء الاحتفال بعيد الشباب يصعب استساغته، عند الوهلة الأولى، بالنظر لما لهذه المناسبة من حمولة ذهنية تراكمت في ذاكرة المغاربة على امتداد عقود خلت في المغرب الحديث.

والآن يأتي الملك محمد السادس ليعلن عن “ملكية مواطنة”، قريبة من المواطن؛ يُشرِك نقاشاته وتساؤلاته معهم، من خلال بياناته وخطاباته إلى الشعب، من قبيل أين الثروة، وماذا ينقص المغرب، وأخيرا وليس آخرا مكاشفته لشعبه عن إحساسه بالألم عند مشاهدة فئة من المغاربة تعيش الفقر ولو أصبحت 1 في المائة.

من خلال كل هذا يمكن القول بأن الملك محمدالسادس أراد أن يقف بنفسه وأمام شعبه، على واقع البلاد، لكي يجد إجابات شافية لسؤال الثروة، التي أصر على ضرورة فك هذا اللغز المحيّر، من خلال إعادة النظر في الكفاءات وتوزيعها التوزيع الأمثل، إضافة إلى البحث عن صيغة جديدة لنموذج تنموي شامل وناجع.

سعد ناصر مدير نشر موقع “بالواضح”

وما يؤكد ما ذكرناه قول الملك محمد السادس في خطاب العرش 2014 “غير أنني، بعد الاطلاع على الأرقام والإحصائيات، التي تتضمنها هاتين الدراستين، والتي تبرز تطور ثروة المغرب، أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط ؟”.

وفي خطاب العرش 2018 “إذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن، يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني في نفس الوقت، أحس أن شيئا ما ينقصنا، في المجال الاجتماعي. وسنواصل العمل، إن شاء الله، في هذا المجال بكل التزام وحزم، حتى نتمكن جميعا من تحديد نقط الضعف ومعالجتها”.

وفي خطاب العرش 2019 الأخير “يشهد الله أنني جعلت من خدمتك شغلي الشاغل حتى ينعم المغاربة بالعيش الحر الكريم.. صحيح أننا لم نتمكن أحيانا من تحقيق كل ما نطمح إليه، ولكننا اليوم أكثر عزما على مواصلة الجهود وتقويم الاختلالات التي أبانت عنها التجربة”.

الإصرار الملكي على وجود الثروة بالبلاد لم يأت من فراغ، فالمؤشرات التنموية والاقتصادية المتنامية التي رفع لواءها منذ صعوده سدة الحكم، لتؤكد ذلك.

كما أنه إلى جانب معرفته الميدانية بالواقع الاقتصادي والتنموي بالبلاد، فإن ما دفع أيضا الملك محمد السادس إلى إعرابه، وبكل ثقة، عن وجود ثروة بالبلاد هي الدراسات المتكررة للبنك الدولي، التي أنجزت حول قياس الثروة الشاملة لحوالي 120 دولة، من بينها المغرب، حيث تم تصنيف المملكة في المراتب الأولى على الصعيد الإفريقي، وبفارق كبير عن بعض دول المنطقة.

يبقى القول مجددا بأن إلغاء الاحتفال الرسمي بعيد الشباب سيمكن، بقدر أو بآخر، من سد الطريق أمام باب من أبواب الريع التي يمكن أن ينتفع من خلاله الانتهازيون والمتزلفون تحت يافطة حب الوطن والملك، وبالتالي حفظ وصون الثروة من هذا الباب.

ولا ننسى في هذا السياق أن نذكّر بالقرار الملكي عند بداية حكم الملك محمد السادس، القاضي بإلغاء مظاهر الاحتفالات بالاعياد الوطنية بالشكل الذي كان عليه الأمر في عهد والده الملك الراحل الحسن الثاني، وإن لم يستجب له الواقع الراهن، الذي لم يكن على القدر اللازم من الوعي السياسي والاجتماعي.

كما أن إلغاء الاحتفال بعيد الشباب، له رمزية أخرى والمتعلقة، بأن الملك محمد السادس، يريد أن يكرس مفهوم الملكية المواطنة، ويريد بذلك أن يحيل أمر احتفال ميلاده إلى حياته الخاصة، وبالتالي فهو يأبى إلا أن تتحدث عنه المنجزات والأرقام، وليس مظاهر الاحتفال الرسمي بعيد ميلاده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.