ساحة البريد 1 المكان

بقلم: د العمراني عثمان

لم نكن نتوقع أن تكون الأماكن لها دور أساسي في حياتنا. و لم نكن نعتقد أن الجغرافيا تلتصق بنا حتى أصبحت مكونا أساسيا في تاريخنا الشخصي القصير.
هكذا كانت ساحة البريد في الرباط، المتواجدة وسط العاصمة، عنوانا لعناوين و أحداث متفرقة و مجتمعة في آن واحد، وكانت وعاءا تراجيديا لقصص جميلة ومأساوية في ظرف زمني ممتد ما بين و ما قبل فترتين مملوئتين بكل تفاصيل عقارب الساعة عبر الليل و النهار.
لم تكن ساحة البريد، غير مكان اجتمعت فيه قبيلتنا، وضمت فيها كل الألوان والأطياف والأعراق من شمال المغرب لجنوبه، من شرقه لغربه.
كنا نأتي هناك، نجتمع بعد الإلتحاق، كل بوسائله الخاصة و الجماعية؛ هناك من يأتي في الحافلة، ومن يستقل القطار، ومن يستقل القطار و الحافلة و الطاكسي، كلهم أجمعين ليصل، لينضم للجمع الآتي من كل الأماكن.
هي أماكن متعددة، مختلفة، بعيدة و قريبة، لكنها منطلق لنا كأننا في مواسم الحج كل أسبوع، لكي نربط أواصر التجمع ونحيي روابط المعانات التي كانت سمتنا المشتركة لا فرق.
كنا نجتمع، صغارنا، شبابنا كهولنا، حتى الشيوخ منا كانوا يلتحقون بلا فرقة و لا عنصرية و لا تفاضل في الأعمار و لا الألقاب و الشواهد.
كان منا الدكتور، المهندس صاحب ماستر، و شهادة تخول له امتشاق الصعاب، و استسهال الطريق و السفر العنيد لكي يكون هناك، منتظرا واقفا، أو منتظرا و هو يرشف قهوة، بينما نتجمع مع انصهار خيوط الشمس على ساحة البريد ذات الأشجار الشاهدة على حلقاتنا التي توقفت و لم تنهي.
كانت هناك الفتيات، و الشابات، و الأمهات، و الحاملات لأولادهن في أياديهن، و منهن من كن يحملنهن في بطونهن،  يشهدون معهم فصول ساحة البريد بكل حلقاتها التي طالت و طالت و تحولت لتراجيديا مسرحية كوميدية هزلية دراماتيكية.
نحضر، و يحضر معنا أعوان السلطة، متخفون أحيانا، و بلباسهم السلطوي أحيانا كثيرة، و نجتمع سويا، كل يجتمع لطريقه، و الآخرون يرافقوننا كضلنا، تاركين لنا حرية الصراخ و الهتاف أحيانا، و أحيانا يستعدون لنا بأدوات المنع، ليمنعوننا من الهتاف، و يحاولون خنق حناجرنا من الصياح حول جنبات ساحة البريد، و قرب البرلمان.
كانت للساحة هيبة، هيبتنا نحن الذي ملأناها، و هيبة السلطة التي ما تركت يوما لتردعنا. كانت مباراة حقيقية بيننا و بينهم، تنتهي بالعياء يأخذ منا مأخذه؛ الضاربون و المضروبون في حد سواء، و كنا نتفق ضمنا بلا اتفاق أن نرتاح قليلا لنسترد أنفاسنا بعض الوقت، نسد به عطشنا، و نلتقم لقيمات نشد بع عضدنا.
ملحمة، كانت في الإناث يزغردن كثيرا كلما اشتد الوطيس، و كانت تلك الزغاريد تثير في صور و زغاريد أمي التي عندما تزغرد، تملئ الجو أسطورة، و تذكرني بملحمة الرسالة لمخرحها عباس العقاد.
يتبع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.