شارد زاده الخيال

بقلم: عبدالحفيظ الحاجي

جلس وحيدا في ركن منزو بمقهى العصافير، وكل تفكيره منصب على الحالة المزرية التي يعيشها وأفراد أسرته البائسة، في بيت متواضع يفتقر لأدنى الوسائل الضرورية للحياة. فرفقاء دربه الذين كانوا بالأمس القريب يشاطرونه همه وغمه، هم اليوم بالضفة الأخرى — ضفة النجاة وبناء المستقبل — يعيشون اليوم حياة صفاء وهناء وراحة البال .. !!
الشرقاوي والبودالي وعثمان … جميعهم اليوم ينعمون بحياة اليسر والسعادة و الأمان، كل منهم يمتلك سيارة
فارهة ومنزلا فاخرا رحبا بالمدينة، إضافة إلى رصيد مهم بالبنك .. أما هو المسكين التاعس، فلا يزال يعيش حياة مهانة وذل وهوان .. إنه يجلس كئيبا، يائسا، شارد البال والفكر .. يدخن سيجارة رخيصة ويرتشف كأس قهوة مرا مذاقه…إنه تائه في بحر الأحلام الذي لاقرارله… لحظة ودون سابق إنذار وجد نفسه يحصل على عقد عمل، في غاية كبيرة من الأهمية، مقابل مبلغ 40 ألف درهم…وبقدرة قادر، ألفى نفسه في الضفة الأخرى في أمن وسلام، من دون أدنى عناء ومشقة، يحصل على منصب شغل في إحدى ورشات البناء، مقابل أجر مهم لم يكن ةيحلم به من قبل … يزداد نشوة وسعادة عندما يجد نفسه قد وفر مبلغا محترما من /الأورو/ في وقت جد وجيز، ساعده على تحقيق كل طموحاته ونزواته التي كانت سرابا في سراب … استأجر شقة صغيرة لكنها جذابة .. اقتنى ملابس فاخرة، وثمة أشياء أخرى كانت تنقصه … ازدادت سعادته وغبطته عندما تعرف من باب الصدفة على شابة شقراء جميلة، أدخلت نوعا من البهجة والمتعة على قلبه المكلوم … لكنه يكتشف أخيرا أنها تخادعه و تماريه، مستغلة سذاجته وحسن نيته، فيقرر بلا هوادة مقاطعتها والنأي عنها، لا عنا كل شقروات هذا البلد الغريبة أطواره … وأخيرا يجد نفسه قد عاد إلى أرض وطنه المغرب، إلى قريته الصغيرة الوديعة .. يعانق أهله و ذويه في حبور وانشراح … وبعد فترة استراحة، ينطلق بسيارته الفارهة إلى المدينة، صحبة ثلة من زملائه، وهم في غبطة وسرور وحبور … طفق ينتقل بين شوارع المدينة في سرعة مجنونة وحركات محمومة، وصوت آلة مسجلته يرتفع ويرتفع مخترقا الآفاق، تنبثق منها أغان صاخبة غربية مرة، وشعبية تارة أخرى … وكم كان يسعده أن يوقف سيارته أمام باب إعدادية أو ثانوية، مترقبا موعد خروج التلميذات، عله يظفر على صيد ثمين .. لكن مساعيه تذهب سدى، لعدم اكتراث الفتيات به وبسيارته، لأنهن ضقن ذرعا من مثل هذه السلوكيات الطائشة المقيتة، أصدق ما يمكن أن يقال في أصحابها :إنهم شباب غفل .. !! لهذا قر رأيه على الزواج، لأنه هو نفسه مل حياة الطيش والعبث، والجري وراء متعة عابرة لن ينال منها إلا الضياع !!!
كانت سعيدة ابنة خالته هي فتاة أحلامه، هي عروسته المفضلة، لدماثة أخلاقها، وسلوكها القويم، وموقعها الحسن في قلوب ساكنة أهل القرية عامة ..
إنه يقيم عرسا أسطوريا، يحضره كل سكان الدوار، صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا….. نصبت خيمة كبيرة، أفرشت وزينت بكل عناية وإحكام …
ذبحت الذبائح وأعدت الحلويات، وجلبت المشروبات بكل انواعها الغازية منها و الكحولية … أحضرت الفرق الموسيقية الشعبية ( اعبيدات ارمى – آل اتوات – ادقيقية – الشيخات … )
هاهي للا العروسة تخرج في زيها الابيض الفاتن، وكذلك مولاي السلطان ” العريس ” بلباسه التقليدي الأصيل، تحت إيقاع الطبول وزغاريد النساء، وعزف الموسيقى…
تجلس العروس فوق طاووسة جذابة، مرصعة بالجوهر والحجارة الكريمة، ثم ترفع فوق أكتاف الشباب، الذي يكون أكثر حماسا واستعدادا، في مثل هذه المناسبات.
زغاريد النساء مصحوبة بعبارات ” اصلى واسلام على رسول الله … ” ترددها فتيات في عمر الزهور بصوت جميل رخيم وشجي …
شباب آخر يردد ايضا : العروسة كادور … وآخر يهتف : مبروك عليك للا العروسة … الله يكمل عليك بالخير والبركة.
تنزل العروسة ثم، يحمل العريس بنفس الطريقة فوق اكتاف أربعة من أصدقائه بأرض المهجر … وهو في أوج نشوته وغبطته، إذ به يسمع بالقرب منه، صوتا مزعجا منفرا يقول : أمولاي الزين .. الشباب .. خلصني في القهوة والكارو .. راه احنا بغينا انسدوا المحال .. راها القهوة أخوات…؟
استيقظ المسكين من غفوته، فوجد النادل أمامه والمقهى أضحت فارغة من ألزبناء …
أخرج من جيبه قطعة نقدية يتيمة، فئة 10 دراهم، سلمها لغريمه ثمن القهوة والسجائر. ثم خرج إلى الشارع لا يلوي على شىء، وهو يلعن النادل الذي قطع عليه حبل حلمه الجميل…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.