عن واقع المعتزلة في الماضي وعن واقعهم في حاضرنا الماثل؟؟؟ ح.2

    بقلم: د. محمد وراضي 

    أكدنا في الحلقة الأولى أن مفهوم مجالس العلم هي نفسها مجالس الذكر (= تدارس، ونقاش وحوار وجدل). وأن محاولة تحويل هذين المجلسين إلى العكوف لفترات زمنية طويلة على تكرار جمل، أو على تكرار كلمات، كالمواظب على تكرار لفظ الجلالة “الله” على هيأة الاجتماع، لا يمت إلى سنة رسول الله بأية صلة. والسنة كما يعرف التلاميذ المبتدئون، هي أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته، والتي تزخر بها كتب الأحاديث بدرجاتها المختلفة من صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع. وأن هذه السنة هي التي دافع عن احترامها والأخذ بها والوقوف عند حدودها صحابة رسول الله ص.

    فكان أن قبلنا بالمجالس السنية التي كان يديرها التابعي الجليل الحسن البصري، وبحضور جملة من التابعين وتابعيهم على عهد بني أمية. فقد كانت أمه وهو صغير، تخرجه إلى الصحابة فيدعون له، وكان من جملة من دعوا له، عمر بن الخطاب الذي قال: “اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس”. وسئل أنس بن مالك مرة عن مسألة فقال: “سلوا عنها مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا”. وقال أنس مرة: “إني لأغبط أهل البصرة بهذين الشيخين – الحسن وابن سيرين”. وقال قتادة: “ما جالست رجلا فقيها إلا رأيت  فضل الحسن عليه”. وقال أيضا: “ما رأت عيناي أفقه من الحسن”. وقال أيوب: “كان الرجل يجالس الحسن ثلاث حجج، ما يسأله عن شيء هيبة له”. وقال الشعبي لرجل يريد قدوم البصرة: “إذا نظرت إلى رجل أجمل أهل البصرة وأهيبهم فهو الحسن، فاقرأه مني السلام”. فقال يونس بن عبيد: “كان الرجل إذا نظر إلى الحسن، انتفع به، وإن لم ير عمله ولم يسمع كلامه”. وقال الأعمش: “ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها”. وكان الخليفة أبو جعفر المنصور العباسي، إذا ذكره يقول: “ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء”.

    وإن كان العقل – كتابا وسنة – مطلوبا بإلحاح تفعيله، فلا بد أن يحضر هذا التفعيل في مجالس العلم أو الذكر، مع التأكيد على أن هناك مفهومين متلازمين للعقل: العقل كمضمون، والعقل كوظيفة. فإن مجالس الحسن البصري ورفاقه تطلق فيها للعقل حريته، كاستجابة من العقلاء لنداء الله ورسوله. جرت مناقشات في موضوع العقائد، أو في موضوع العبادات، أو في موضوع العادات والأخلاق والمعاملات، أو في موضوع كافة القضايا التي تشغل بال الإنسان، القديم منها والجديد، المألوف منها والطارئ.

    فالأصول – كما قال بعض المتكلمين – “معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم، وبالجملة: كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فمن الأصول، ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة (= نظري وعملي)، وكانت المعرفة أصلا والطاعة فرعا، فإن من تكلم في المعرفة والتوحيد، كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا. فالأصول هي موضوع علم الكلام، والفروع هي موضوع علم الفقه. وقال بعض العقلاء: كل ما هو معقول، ويتوصل إليه بالنظر والاستدلال، فهو من الأصول، وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع”.

    ومجلس الحسن البصري كتابعي جليل، وكتلميذ مرموق للصحابة الكرام، كان يتناول الأصول والفروع كليهما، يعني أن مجلسه امتداد لمجالس الصحابة التي يغلب عليها تناول الفروع.

    لكنه بعد ظهور الفرق السياسية والدينية، والمصادمات الفكرية بين المسلمين وبين غيرهم من أصحاب الديانات الأرضية والسماوية الأخرى، فرض الخوض في قضايا تنتمي إلى ما يعرف بالإلهيات، هذه التي تعتمد على العقل، أكثر مما تعتمد على النقل. مع أن نوايا أغلب المساهمين في الجدل من المعتزلة على الخصوص، ترمي إلى تعزيز النقل وتقويته والدفاع عنه، لنتذكر الزمخشري الملقب بجار الله، والذي هو صاحب شرح القرآن المعروف ب”الكشاف” – وإلا فما الذي يمكن فعله، وفرق محسوبة على الإسلام – أو مضافة إليه على الأقل – آخذة في التكاثر. مع ما ظهر من ميولات باطنية هدفها ضرب الإسلام في الصميم؟ فالشيعة فرقة سوف تتجاوز مجرد الخلاف السياسي العنيف؟ ومثلها فرقة الخوارج، والنواصب، والمرجئة، والمجسمة، والمشبهة. 

    فكان لا بد لأهل السنة بالذات، أن يجتهدوا لبلورة وجهات نظرهم بخصوص الأصول قبل كل شيء، خاصة عندما تم الانحراف عن مفهوم حقيقة التوحيد الخالص. مع الإشارة الفورية إلى أن واصل بن عطاء، انعزل عن مجلس الحسن البصري بعد نقاش حاد بخصوص موضوعات بعينها كما سوف نوضح في حينه. مع التركيز على أن الحوار واعتماد العقل، دليل على أن السلف، لم يدر ظهره إليه، كما سوف يدعي المدعون في الوقت الراهن. فليس علينا إذن غير التسليم بأن السلفيين، لم يقفوا عند حدود النصوص الدينية، كي يكتفوا بتكرارها، وإنما هم يمارسون الاجتهاد المشروع لمواجهة كل جديد، أو كل طارئ، تعلق الأمر بالعقيدة، أوتعلق بالسياسة، والاجتماع، والأخلاق، والاقتصاد، أو تعلق بكل ما من شأنه أن يثير اهتمام الناس سلبا أو إيجابا من وجهة نظراتهم المختلفة. بحيث إنه كان لزاما على المنتقدين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أن يتسلحوا، إما بمنطق الدين، وإما بمنطق العقل، وإما بمنطق الواقع التجريبي. وهذا ما تفسره المواجهة بين مختلف الفرق الإسلامية، بين أهل السنة والجماعة من جهة والمعتزلة على وجه التحديد من جهة ثانية. هذه الفرقة التي أخذت اسمها، من اعتزال واصل بن عطاء عن مجلس الحسن البصري كما سبق الذكر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.