كفوا الأيادي عن بيعة البغدادي

صرخة داعشي ضد داعش

بقلم: نورالدين حاتمي (*)

    في كتابه [[كفوا الايادي عن بيعة البغدادي]] يطلق ابو محمد الهاشمي صرخة مدوية وخطيرة ضد تنظيم الدولة الاسلامية[ داعش] وضد قيادتها على الخصوص وينادي في جنودها وعساكرها بالثورة على تلك القيادة والانقلاب عليها حتى أنه ليرجو[[ان يكون قتلهم قربة ودفع صيالهم عبادة والتنكيل بهم مرضاة لرب الارض والسموات ]ص39]

      وتعود خطورة هذه الصرخة وقوتها إلى ان صاحبها ينتسب الى ذات التنظيم حيث  [كان مفتيا وداعيا الى الله مناظرا للغلاة ومرابطا ومجاهدا في الثغور] كما وصفه مقدم كتابه وصال وجال في ارض الخلافة وتعرف على قياداتها وجنودها وشارك في بعض مواقعها كما يقول بخلاف ما يقوله بعض الناقمين عليه الذين يروجون انه لم يقاتل ولم يكن دور في [[ملاحم]] الدولة وانجازاتها العسكرية

      وقد عد الكاتب من الاسباب الموجبة لعزل ابن عواد وخلعه  وذكر منها أنه ظالم جائرا باغ  فاسق،  يقتل طلبة العلم العاملين  ويغدر بهم ، ولا يتورع عن سفك دماء المسلمين وإزهاق أرواحهم، حتى ان كثيرا من عساكرهم  قد قتلوا  [[عوام المسلمين الفارين من اراضي الحرب في مناطق الدولة بعد ان ضاقت بهم]]ص74وقتل[وا] الذين لم ينحازوا الى الجانب الذي انحازت اليه دولتهم بذريعة انهم مرتدون لرضاهم بالواقع الجديد] ص75

    ومنها ، كما ذهب الكاتب، إضاعته لمقاصد الامامة بحراسة الدين وسياسة الدنيا به، حيث[[غصب الفيء وتمتع هو وعصابته الحاكمة بالأموال والسبايا وقعدوا في مخابئهم كالنساء والجرذان فلا يعرف ان ابن عواد الفرار حضر معركة واحدة]]ص80ـ81وحيث ان حكمه لا يكاد يرى فيه الا[[ ظلم و بدعة وسجن واضاعة الثغور واهانة للعلماء ونشر للجهل وغدر بعد عهد]]  ص86

    ومنها  ان ابن عواد، انما بايعه الناس على تحكيم الشرع [[فخالفه بان امتنع عن تطبيقه على حزبه وعصابته من الولاة والامراء والامنيين وبايعوه على اقامة الدين فضيعه بمحاربة اوليائه وطلبة العلم والعلماء وسجنهم وقتلهم وبايعوه على اتباع السنة فاتبع البدعة …وبايعوه على العدل ففشى بعلمه وامره الجور ]]ص 91

 ومنها  امتناع ابن عواد البدري  وطائفته عن النزول للقضاء الشرعي والحكم  والقبول بهما في الفصل بينهم وبين خصومهم، ويرون انفسهم اكبر من ان ينزلوا للقضاء، ومعتمدهم في ذلك وسندهم شوكتهم .

ويحمل الكاتب  ابن عواد مسؤولية انتهاك اعراض المسلمات  واهلاك انفسهن بسبب منعه العوائل من مغادرة الموصل،  ويتعلق الامر هنا، حسب الكاتب، فقط بعوائل  الفقراء،  اما عوائل القادة ، فقد كانت تخرج سرا، اي عبر الطرق السرية التي كانت مهيئة لهذا الغرض بل انه يحكي ان اوامر كانت قد صدرت تقضي بعدم العمل على فك الحصار، الذي كان مضروبا على الموصل. وذلك حتى لا تتمكن العوائل من الفرار والنجاة وحتى تبقى فريسة للرافضة المجوس .أو كما يقول

 ومن مسوغات دعوة ابي محمد الهاشمي للخروج على ابن عواد، انه يعطل توزيع الغنائم على مستحقيها من المقاتلين من السلاح والسبايا، ويخص بها قادة تنظيمه وامراءه.

     ويشير الكاتب الى ان ابن عواد وجماعته قد أصدروا عددا من التشريعات والقوانين المخالفة للشريعة و المناقضة لها ك

    [[قتل من سرق من اموال دولتهم اكثر من عشرة الاف دولار وسجن من حاول الفرار من ارض الخلافة وقتله عند تكرار المحاولة وقتل من يعملون على تهريب من يرغبون في الخروج من هذه الارض  واخذ الناس بالظنة وتلفيق التهم لهم وحملهم على الاعتراف بها تحت التعذيب الشديد]] الذي يصفه بكونه[ يفوق تعذيب سجون اعتى طواغيت الارض] ص144بتصرف

     كما يشير أيضا  الى امر في غاية الاهمية  يتعلق الامر بمكانة ابن عواد العلمية ومستواه الفقهي ، فعلى خلاف ما يقوله بعضهم من ان ابن عواد هذا قد حاز علم الاولين والاخرين وانه من العلماء العاملين و انه متخصص في علم القراءات يقول أبو محمد الهاشمي أنه [[ لا يحفظ القرآن كاملا ولا يضبط كتابا واحدا في الفقه]]ص52  و أنه [[امعة سفيه لا راي له فلا حلم يرتجى ولا علم ينتقى…[ وانه ] تتقلب به الاهواء وتتجارى به البدع فيبدل عقيدته في ليلة ويهرف بما لا يعرف وينبع كل ناعق ويسير خلف هواه لا يلوي على شيء]ص155

ويخاطب قادة التنظيم قائلا [[كثير من الطواغيت اليوم أكثر شرفا  ومروءة منكم ايها الرعاع]] وهذه اللغة يندر ان تصدر عمن انتسب الى تنظيم جهادي أو تبنى اطروحاته إن لم نقل انها لا تصدر أبدا عنهم. إنها تترجم حجم غضبه عليهم وكرهه لهم ، فقد تعود المنتسبون الى الخط الجهادي أن لا يعترفوا بأية فضيلة أو حسنة لأي حاكم عربي حيث لهم دائما مثل السوء.

 واذا كان ابو محمد الهاشمي قد شن هذه الحرب الكلامية، بكل هذه العدة ، وانه لم يأل جهدا في سبيل تشويه سمعة ابن عواد والنيل منه والحط من قيمته في اعين جنوده وازلامه،  فانه لم يفته ان يتحدث عن ايجابيات  هذه الخلافة و التي منها انها احيت مفهوم الخلافة الاسلامية لدى المسلمين.و جمعت خيار اهل الارض …وحطمت الحدود التي صنعها الاستعمار وأحيت شعيرة سبي نساء الكفار و اقامت  حدودا  كان المسلمون قد تناسوها لطول غيبتها.

  وواضح أن ذكر ابي محمد الهاشمي لهذه الايجابيات ليس في حقيقته الا محاولة منه لجعل انتقاده لجماعة الدولة وانتقاصه منهم امرا مقبولا ومستساغا إنه يدس لهم السم في العسل كما يقولون فيلتف على المتعاطفين مع التنظيم والمؤيدين ليشعرهم انه ليس ضد المشروع من حيث الاصل ولكنه فقط ضد المخالفات الشنيعة التي ما فتئت جماعة الدولة تقترفها في انتهاك سافر للشريعة ومقاصدها  ويسعى بالمقابل وفي ضربة استباقية منه الى قطع الطريق على من يفترض ان رده على قيادة تنظيم [داعش] إنما يندرج في المشروع العالمي الذي يستهدف[[ دولة الخلافة]] وهو جزء من هذا المخطط . آية ذلك محاولته دغدغة مشاعر المؤمنين بمشروع[ داعش] من خلال نسبته بعض الأفضال إليهم

وان كنت لا افهم اية منقبة وفضل في احياء هذه الشعيرة، وهل هي شعيرة حقا ؟. هل كان الدين معنيا بالتشريع للسبي اصلا؟ كيف للمسلمين ان يجعلوا نصب اعينهم العمل على سبي نساء العالمين  من غير المسلمين ؟ وهل صحيح ان المسلمين بسبيهم لنساء الكفار يكونون يعبدون الله ويرجون ثوابه؟  وما هو البعد التعبدي في الاسترقاق؟  خاصة اذا علمنا ان الاسلام لم ينشئ [بضم الياء] هذا السبي انشاء وإنما شرع له بحكم أنه واقع لم يكن ممكنا رفعه .

و يلاحظ في كتاب ابي محمد الهاشمي هذا أنه  لا يكاد يأتي على ذكر واحد من قادة التنظيم الا ويدعو عليه، ولا يذكر[[ الخليفة ]الاباسمه ولا يذكره بكنيته ، تحقيرا له وتنقيصا منه ،لان العرب إنما تجعل الكنى لمن تحترمهم . وهو يفعل ذلك تماما كما يفعل قادة القاعدة

ويشير الى ان الذين كانوا ينفرون للالتحاق ب[[الخلافة]] انما كانوا يفعلون ذلك، لتأثير اعلام هذه الاخيرة فيهم ،خاصة وانها  كانت تجيد خوض معركة الاعلام وكانت تحرز العديد من الانتصارات في ميدانه وكأنها ترى ان المعركة كلها هي معركة اعلامية وأن الانتصار فيها يكاد يكون انتصارا حقيقيا

ولكن هل سيكون لهذا الكتاب تأثير ؟

ربما، قد يكون له تأثير، ولكن فقط على أولئك الذين لم يتخذوا منها موقفا ايجابيا ،خصوصا و ان صاحبه ممن خبروا التجربة ،ويصدر حكمه عليها من الداخل، ويقومها بشكل مختلف، ويتوسل في نقدها نفس اسلوبها، ونفس ادواتها . الا انه لن يكون له تأثير على من لم يخض التجربة وكان متعاطفا معها أو ناقما على الانظمة

  وسيظل كل من يكتب بطريقته، في عين المتعاطفين والمؤيدين للدولة الاسلامية عميلا يكتب تحت الطلب ووفق ارشادات الاجهزة تماما كما كان ايمن الظواهري يقول عن وثيقة ترشيد العمل الجهادي للدكتور فضل

ان ممارسة النقد للجماعات الجهادية له لون اخر وطعم اخر. انه يصبح نقدا لأناس يجاهدون في سبيل الله وينازلون القوى العالمية المحاربة لدين الله، ويصبح، بالتالي، نصرة لأعداء الله وموالاة لهم وكشفا لعورة المجاهدين. كما يعني، بالتبع، طعنا في دين الله، اي ردة عن دينه وبراءة منه.

وهذا، في تقديرنا، واحد من اهم الاسباب التي تجعل الناس  لا يفيدون من هذا النوع من الكتابات .  ذلك ان جل من توقف عن موالاتها ونصرتها، كسدت تجارته ونقصت اسهمه. بل ان هذا التنظيم استطاع ان يقضي على عدد من الاسماء التي كانت تملأ الدنيا ضجيجا وصخبا وتمكنت من ان تركب على الشعوب زمنا بدعوى الحماسة للدين والغيرة عليه. وما تمكن من ذلك الا بمزايدته عليهم في دعواهم

واذا كان الكاتب قد نسب عددا من الايجابيات للدولة الاسلامية التي نقلناها اعلاه، فإننا لا نرى لها الا حسنة واحدة،  تتمثل في كونها عجلت بكراهية الناس لهذه الخلافة المزعومة  ورفضهم لها، من خلال رؤيتهم لها واقعا ماثلا امام اعينهم. وانها سرعت وتيرة التحولات العميقة التي تعرفها المجتمعات العربية والاسلامية في نظرتها للدين وفي نظرتها للإسلاميين بل وفي موقفها منهما

ربما كانت الامة العربية في حاجة الى هذه التجربة لتحسم امرها.

(*) باحث فالحركة الاسلامية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.