لغة التدريس بين المصلحة الحقيقية والمصلحة الوهمية

بقلم: د. محمد بولوز

طيتعلل٠ البعض في استسلامه لهيمنة لغة المستعمر والعمل لمزيد من التمكين للفرنسية في التعليم العمومي حتى تضاف الى هيمنتها في الاقتصاد والنخبة الحاكمة وفي معظم دواليب الادارة والاعمال، بحجة ان الفرنسية هي واقع الحال وهي لغة الجامعة والمعاهد في العلوم والتقنيات والاقتصاد، وان فرنسة المدرسة العمومية في المجال العلمي والتقني في مختلف مستوياتها هو ما سيحقق تكافؤ الفرص بين ابناء الوطن ويزيل هذا الحيف بين ابناء الفئات الميسورة التي تنفق على ابنائها في تعليم البعثات والتعليم الخاص وبين الفئات الفقيرة التي لا تجد امامها سوى المدرسة العمومية المعربة في العلوم والتقنيات حتى اذا حان موعد الالتحاق بالتعليم العالي كان اولئك اكثر تاهيلا وتكيفا من هؤلاء.
وبنفس المنطق وبالمنطلقات ذاتها يحكم على من ينادي بتدريس العلوم والتقنيات بالعربية بالنفاق والازدواجية والمكر بالفئات الفقيرة، اذا كان ممن يعلم ابناءه خارج المدرسة العمومية، ويعمل جاهدا ان يتقن ابناؤه اللغة الفرنسية ليجد موطئ قدم في المستقبل بين ابناء الفئات المحظوظة، والحال انه في هذه النقطة بالذات يجب ان نميز بين المبادئ والمصالح، فنناقش المبدأ ولو مؤقتا بعيدا عن المصلحة المؤقتة والقريبة والخاصة بكل فرد فرد واسرة اسرة فنتجرد من ذلك ونطرح السؤال اين تكمن مصلحة الوطن في مجمله واين مصلحته المستقبلية ومصلحته الحقيقية؟ هل هي في التدريس بلغته الوطنية ام في لغة اجنبية، وهل يستطيع الوطن ان يبدع ويتقدم وتكون له الريادة بغير لغته وهل وقع في التاريخ هذا؟ وهل في الدول الرائدة الان دولة تدرس العلوم والتقنيات بغير لغتها الوطنية؟
ان الجواب العلمي والمنطقي يقول لا يمكن ان يبدع بلد خارج لغته، وان عشرين دولة الرائدة في العالم كلها تعتمد لغاتها الوطنية في التدريس وقد تستعين بلغة اخرى اكثر ريادة في الانفتاح والبحث العلمي ومواكبة المستجدات، وقد يتعلل البعض بان هذا الطريق شاق ومكلف وبحاجة لتضحيات نقول نعم وهو كذلك، ولكن بعده استقلال وانطلاق وريادة وتحرر من الهيمنة والتبعية، وفي سبيل ذلك تهون كل مشقة وكلفة وما يبذل من تضحيات، وهل بنيت الدول والامم والحضارات الا بتلك المشقة والتضحيات، تصوروا لو انصت المقاومون الوطنيون في مغربنا الحبيب لاصوات المثبطين والمرجفين والخونة والمستثقلين لتكاليف الحرية والاستقلال لبقينا جزءا من فرنسا تحكمنا ولا نحكم وتذلنا وتنهب خيراتنا وثرواتنا وتقرر في مصيرنا بلا حساب منا او كلام..
فلا بد اذن من مقاومة ومن نضال مهما كان الثمن المبذول، فهو اقل بكثير من ثمن الذل والعار والتبعية والذيلية والهوان، واي تاخيرانما هو اطالة لعمر الازمة وزيادة تعقيد لها، فقد شاخ الشعب المغربي في تعايشه مع مرض الفرنسة في حياته العامة اكثر من ستين عاما وكلما طال زمن الفرنسة تجذرت اكثر وصلب عودها وتشعبت جذورها وفرخت لها انصارا تلو الانصار وربما حتى في صفوف بعض من كان يرجى ان يصمدوا في جبهة المقاومة والصمود، وقد صرنا الى حال ينادي فيها بعض الشواذ بترسيم الفرنسية ودسترتها..
واما ما يجده الافراد والاسر من حلول مؤقتتة لابنائهم بتقوية الفرنسية لديهم فامر طبيعي في ظل ظروف غير طبيعية، كحال من يشكو من حال الصحة العامة وضعف خدماتها ويتوجه راسا الى مصحات خاصة مضطرا لحل مشكل صحي نزل به او باحد من افراد عائلته، لا بد ان نميز بين اجتهاد الناس لايجاد حلول مؤقتة لانفسهم في ظل ظروف غير صحية ولا طبيعية وبين البحث في الحلول الجادة للوطن كله والمصلحة الحقيقية للاجيال، ولا ينبغي ان يدفعنا الضعف الفردي امام المشكلات الى الانتقال الى مستوى التبرير والتسويغ والتوهين للامر وبان المغاربة ليس لهم من مشكل مع الفرنسة، لا بد للانتصار للمبادئ والمصالح الحقيقية والصحيحة والدائمة على حساب المصالح السطحية والسهلة والقريبة، فالعزة والكرامة والاستقلال في اللغة وغيرها لها عنوان اسمه الصمود والثبات والمقاومة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.