لقد كانت اسما على مسمى

بقلم: خليل مرزوق
الساعة الرابعة والنصف صباحا، لم أستطع النوم هذه الليلة، لابد أنني ارتكبت خطيئة خلال النصف الأخير من يومي. لقد تذكرتها بعد غياب دام سبعا وعشرين عاما.. سبع وعشرون عاما من الغياب كافية بأن تغير ملامحنا حتى لكنها لم تكن بالكافية لتنتزع جدر ذلك الغرام القاسي من فؤاد انهكته الذكرى لفترة من الزمن.
اسمي خالد، اسمها يبدأ بحرف الميم، لاداعي لان أبوح باسمها، يكفي أنني سابوح بأشياء لم أكن يوما أعلم أنها ستعود لتزورني بعد كل هذه السنين، لمجرد أنني شممت رائحة تفوح من امرأة تمر بجانبي وانا بالشارع مساء.
كنت أبلغ من العمر اثنان وعشرين سنة عندما دخلت باب صالة المسرح بدار الثقافة وانا طالب فلسفة، كنت يافعا كفاية لاقبل على الحياة بكل مغامراتها، لكنني لم أكن أعلم أن الحياة لا يغلبها يافع.. انها جعبة أسرار الكون، فيها من اللذات ما يجذبك شيء فشيئ حتى الإدمان، ثم يقتلك باسم الفضيلة، أو الرديلة أو فداء لحظة ضعف قلبك.
غريب أمر قلوبنا، إنها تخبرنا كل مرة أننا اقتربنا من الخطر بأن تنبهنا بدقات متسارعة لنعود خائفين ادراجنا قبل واقعة ألم، ونفس دقات قلوبنا من تخبرنا بأننا اقتربنا من موعد الحب، لكنها تسكرنا فرخا هذه المرة، لنستمر بلا عودة حتى نجد أنفسنا وسط مياهه الهادئة الدافئة التي تنقلب علينا امواجا عالية لتغرقنا، تقذفنا هنا وهناك دون رحمة، حتى إذا رست بنا رحمة، تركنا الحب في عمق يمِّه، بلا خلاص، لنجذف إلى اليابسة البعيدة بكل ما نملك من قوى، وأي قوى تبقى لنا ونحن قد نزفنا الكثير من الدمع، وصرخنا بالكثير من الحسرة على اتباع قلوبنا تقدنا نحو المجهول.
كانت في القاعة تجلس بشعرها الأشقر المنساب كأنه خيوط شمس مارس تخترق أوراق شجرة كبيرة لتستقر على جدول ماء، تضع قدمها اليسرى على القدم الأخرى، كانت جميلة بل فاتنة، وهي تبتسم مصغية لما يقوله استاذ مادة المسرح، لم تكن شفتها التي تبتسم فقط، بل عيناها، وخديها واصابع يديها الصغيرتين دات الأظافر المطلية بطلاء وردي شفاف..
اه من الجمال عندما تراه بقلبك لا بعينيك، إنه يمثل الكمال لكل التفاصيل، يرفع صاحبه من مرتبة البشر إلى مرتبة الملائكة، ملائكتك، أو ملاكك، أو مليكتك اذا صدق الوصف لما كان بقلبي يوم رأيتها اول مرة.
جلست بجانب عبد الله، بالكرسي القريب من باب الصالة، حاولت الا ألفت انتباه الأستاذ الذي كان يحبني كثيرا لتميزي في الفرقة، لكنه كان يعاقبني بخمسين لفة حول القاعة كلما تأخرت، اليوم لست بمستعد ان الف، لدى شان يشغلني عن كل شيء، لقد فكرت في لحظة، إنه اذا طلب مني أن الف، ساقترح عليه من أجل زيادة العقوبة ان أحمل بين دراعي احد الحاضرين وانا ألفّ القاعة، وانتم تعلمون من سأحمل.
همست في اذن عبد الله : (شكون البنت لي جالسة حدا سعاد!!! ؟) نطق عبد الله ببطئ وهمس : (وكون جيتي فالوقت كون عرفتي ها شكون) أجبت عبد الله وانا ألسعه باسبعي من ظهره (وقول الزمر شكون بركة من الفهامات) انجد ظهره وحكها دون أن يغير جلسته، وهو ينظر إلى الأستاذ همس : (بنت جديدة جات مع الاستاذ، وعرفنا عليها، وقيلا من عائلته) قلت (زيد) فزاد : (كاتقرا واقسلا فكلية الاذاب العام الأول، ومكاتحملش الفلسفة) قال الجملة الأخيرة وهو يبتسم ابتسامة ماكرة، أجبت (حتى انا نكانحملش الفلسفة، وعزيز على الاستاذ بزاف، وحتى عائلته).
نظر الأستاذ إلى الزاوية مخاطبا اياي، : خالد تعال إلى وسط القاعة، انت معفي اليوم من اللف، أعلم أنك دخلت متأخرا لكنني لم اشأ أن أقطع الدرس، ولقد حضرت أهم محاوره، اليوم تحدثنا عن شيء مهم في التمثيل وهو كيف نستعمل أعيننا للتعبير عن شيء ما، دون تحريك باقي ملامح وجهنا، ستقوم بمثال تطبيقي أمام زملائك، ستتقمص دور شخص مجنون، لنرى الجنون في عينيك فقط. تفضل.
قمت، وتوسطت أصدقائي تسمرت في المرآت خلفهم انظر إلى نفسي، كنت استدعى ذلك المجنون من ذاخلي، لكنني حقا لأول مرة لم أستطع استدعاء شخصية تسكنني، لقد كان العاشق يحجب كل الشخصيات، عيناي لن تقدرا على الجنون اليوم، أنهما مشغولتان بشيء آخر، بالأمل في خلق الله الذي أبدع صنعته البديعة، وساقها الي.. حاولت جاهدا ان أطبق درس المسرح وأحصل على تصفيق أصدقائي ورضى الأستاذ.. توفقت أخيرا، نطق الأستاذ : شكرا انت عفريت، أجبته وانا ادمدم، أنا كانذوب.
انتهت الحصة ونزلنا الدرج نتحدث بيننا، أنا خلف الملاك بخطى متتائبة، يا له من عطر يستفيق له الميت عشقا يفوح منها،حركاتها وهي تنزل الدرج كحركات طفلة تلبس حداء جديدا وتحمل حلوى بيدها، دهنها مشتت بين حراسة الحلوى من السقوط، وبين حراسة حدائها كي لا تقع، مددت يدي إليها قائلا، ( انا خالد، مرحبا بك في صفنا) نظرت إلى بابتسامة عريضة وقالت ( اهلا خالد، أنا…شكرا على الترحيب، أتقنت الدور قبل قليل) أجبت ( شكرا لك، هل ستستمرين معنا في الفصل؟!) اجابت( نعم، فأنا أحب المسرح) قلت (سيسعدني تواجدك، الأستاذ يناديك هل هو خالك، قالت نعم، أجبت إلى اللقاء، اتمنى ان نلتقي بالكلية قريبا) ودعتني وركبت السيارة.
لقد كنت سعيدا طوال الليل بهذا اللقاء القصير، ونعومة يدها وهي تصافحني، لأنني اصافح فتاة لأول مرة، ااه تذكرت، لقد علق احمد عندما ودعت الفتاة والتحقت به بباب دار الثقافة قائلا (رميتي الشبكة يا الشلاهبي) أجبت ( ثبت) ضحكنا بشكل هستيري، وهو يسألني ( واش من نيتك!! ياك ما الدرية طيحاتك المسخوط!!! ؟) أجبت (أودي حق الله إلى خوك طاح وتمرمد وسخف وماقد باقي ينوض) أعقب أحمد كلامي قائلا ( الصلااااا والسلاااام علىىى رسولاااه…) امسكت عنقه ومازحنا بعضنا وهو يهرب مني في اتجاه طريق المنزل الذي كنا نكتريه نحن الاثنين مع طالبين آخرين..
لم انم تلك الليلة حتى وقت متأخر.. لقد انتظرت اليوم بفارغ الصبر كي أرى ملاكي من جديد.
انها الثامنة، دخلت الكلية ناظرا يمينا وشمالا، لقد أخبرني احمد ان الفتاة تدرس التاريخ، مررت بجانب مدرج التاريخ، طلبة كثر بالداخل، دخلت كأنني أحدهم، قالت زهرة وهي فتاة من بلدتي تدرس بالمدينة (خالد اش كادير هنا، سير للفلسفة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.