مساواة المرأة بالرجل في الإرث مجانبة للصواب، فالعدل أشمل من المساواة..(2)

بقلم: د.طارق ليساوي
خلص مقال الأمس المعنون ب” المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث مجانبة للصواب وتضليل لعموم المسلمين رجالا و نساءا” إلى أن الإسلام جاء لتكريم المرأة و حماية حقوقها، و هو الأمر الذي عجزت الحركات النسوية في الغرب على تحقيه إلى حدود اليوم .. و إعتمد المقال في إثبات ذلك، على تبني أسلوب المقارنة الأفقية و العمودية، ومن تمت فإن من يشكك في عدل الإسلام عليه أن يتبث عكس ذلك، و أن النقاش الدائر حول المساواة في الإرث فيه مجانبة واضحة للصواب و بعبر عن جهل بحكمة الإسلام و جهل بالفرائض و المواريث…و هذا المقال إستكمال للنقاش الذي بدأناه سابقا، و سنحاول من خلاله معالجة جزئية في غاية الأهمية تنسف دعاوي دعاة المساواة في الإرث، و نبين أنها دعوة للإستخفاف بعقول العامة، و توجيه بوصلة الإهتمام لنقاش عقيم، لن يخدم التنمية و النهضة، و لا يحقق كرامة المرأة ولا الرجل او المجتمع.. و أعني بهذه الجزئية الفرق بين مفهوم العدل و مفهوم المساواة على اعتبار أن الشرع غلب العدل على المساواة في تعامله مع ميراث المرأة خاصة وحقوقها عامة، فتغيير منظومة الإرث يفسد مبدأ العدل الذي جاءت الشريعة لتشييد صرحه، و هو ما يقتضي تعديل مجموعة من الحقوق المتعلقة بالأسرة و المرأة حتى يتحقق العدل، -و لن يستطيع أي قانو وضعي تحقيقه – و من ذلك إعادة النظر في المهر و النفقة و الحضانة.. كقاعدة أصولية عامة، لا ينبغي نقاش الدين و التشريع الإسلامي كجزئيات بدلا من أن يتم تقبله عن الله عز وجل كما نزل كل لا يتجزأ، و قد خاطب الله سبحانه وتعالى هؤلاء في محكم كتابه بقوله عز وجل : {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحجرات : 16] و هذا الأسلوب الذي ينتقي بعض الأحكام دون الأخرى، و يفصلها عن سياقها العام و الخاص الغاية منه الطعن في الإسلام و وتحريف الدين و أحكامه في عقول و قلوب معتنقيه …
فمبدئيا، مطلب المساواة بين الرجل و المرأة شعار اصبح متداولا منذ مطلع القرن العشرين، و الغاية منه خاصة في الغرب تحقيق العدالة بين الجنسين، و لاشك ان كثيرا من تلك المطالب التي تنضوي تحت هذا الشعار الواسع تعبر عن حاجة لإنصاف المرأة، لكن أيضا هذا الشعار بخفي وراءه غايات خفية و سيئة تستهدف النيل من استقرار المجتمعات خاصة الإسلامية ( الجدير بالذكر أن النقاش حول الأسرة و المرأة أثار جدلا واسعا في بلدان غير إسلامية، مثل الصين و اليابان و كوريا و الهند ..) عبر تفكيك الأسرة بزرع الشقاق بين مكونيها الرجل و المرأة، و تشجيع النساء على التمرد على تعاليم الدين الحنيف و بعض التقاليد و الأعراف التي تم التوافق عليها و تبثت صحتها ، و على الرغم من أن شعار المساواة يبدو جذابا في ظاهره، إلا أن هذا المفهوم ينبغي توضيحه حتى يتبين للعامة ما يراد منه على وجه التحديد…
فمطالب المدافعين عن المساواة بين الرجل و المرأة غالبا ما تتطلع إلى تكافؤ الفرص بين كلا الجنسين، و أن يتم التعامل مع كليهما على قدم المساواة و بدون تمييز سواء كان ذلك في العمل او الوظائف العامة، و الحصول على نفس الحقوق و تحمل نفس الواجبات، لكن إذا كانت هذه المطالب تحظى بقبول لدى غالبية المسلمين وليس هناك تعارض مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية، التي كما سبق و بينا في المقال السابق أنها ، ردت للمرأة جميع حقوقها التي نزعت منها أيام جاهلية العرب و في جاهلية العديد من الحضارات التي لا تنتمي للعالم العربي و الإسلامي، إذ ظلت المرأة في البلاد غير المسلمة تعامل معاملة الطفل و المجنون في أروبا إلى مطلع القرن 20..
فالشريعة الإسلامية قد ساوت بين الرجل و المرأة في كثير من الأمور ، فالتكاليف الشرعية و ما إفترضه الله على المسلمين من صلاة و صيام و حج و زكاة و أمر بالمعروف و نهي عن المنكر… تنطبق على كل من الرجل و المرأة، و كذلك الحقوق المدنية كحق التملك و حق التعبير و حرية الإعتقاد…لكن الشريعة الإسلامية أكدت على إختلاف المرأة عن الرجل في الأمور التي يكون سبب الإختلاف فيها جبلة المرأة و طبيعتها الفيزيولوجية و النفسية و الجسدية..
فوفقاً لمنطوق و تصور الشريعة فإن المرأة غير مطالبة بأن تعمل في مهام شاقة يعمل فيها الرجل، و ليس في ذلك تقليل من المرأة ولكن رحمة و رأفة بها حتى لا تكل ما لا تضيق مصداقا لقوله تعالى {..لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ …} [البقرة : 233 }. وتبعا لذلك فالشريعة لم تكلف المرأة بمهمة النفقة على البيت فتسعى لأجل الحصول على أي عمل يسد رمق أسرتها كما يفعل الرجل، و إن كانت الشريعة لم تمنع عمل المرأة و فق ضوابط معينة، كما أنها لم تكلفها بالقتال و الجهاد في سبيل الله لكن لم تمنعها من ذلك إن أرادات بحريتها، فالاختلاف بين الرجل و المرأة في بعض الأمور لا يعني ظلم للمرأة و عدم مساواتها بالرجل بل هو عدل لأنه يقوم على مراعاة طبيعة الحياة الإنسانية و خصائص و ميزات كل من الذكر و الأنثى، قال تعالى {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء : 32] وقوله تعالى : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ…} [النساء : 34]…
أما فيما يخص بالإرث و خاصة في التعاطي مع قوله تعالى : {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ …} [النساء : 11] وقوله تعالى : {…َإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء : 176]…
فهذه الأيات عندما يتم فصلها عن سياقها العام و الخاص، تصبح أداة في يد من يريد الفتنة والتشكيك في عدل الإنسان و يتم توظيفها للقول بأن الإسلام ظلم المرأة وقد بينا أن هذا القول فيه مجانبة للصواب بالنظر إلى الأنظمة غير الإسلامية التي تحرم المرأة من الميراث أو تعطي الميراث للأخ الأكبر وحده بل أصبح البعض يهب ثروته لكلب او قط و إن كان له أبناء او أقارب، بينما ملايين البشر لا تجد الكفاف، فأي عدل هذا او مساواة؟..
فالإسلام يخاطب المؤمنين به فهو لا يوجه خطابه لم يكفر به ليقنعه بعدالة الإسلام فقد قال تعالى : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4)} [الكافرون : 1-4]، لكن عندما يكون الإنسان مؤمنا منتميا لجماعة المسلمين فهو ملزم بالطاعة فالله تعالى هو الذي خلق و تعالى الذي حكم ، و جماعة المؤمنين ملزمة بطاعة ما أمر به الله ، ف”علة الطاعة ليست في الأمر ، ولكن في الآمر به، فمادام الله قد قال فقد لزم” قال تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب : 36]
و علاقة بقول الله تعالى: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ}. فالعدل الذي جاءت به الشريعة هو الذي فرض ذلك، فواقع الحال يقول بأن المرأة في الغالب تعيش حياتها كلها في كنف رجل مكفولة منه، مسئول هو عنها، فإن كانت فتاة فالذي ينفق عليها هو والدها، و إذا فقدت الوالد أنفق عليها أخوها او عمها أو خالها، و إذا تزوجت فهي مسئولة من زوجها هو الذي ينفق عليها، و يوفر لها مقومات حياتها، و على أسوأ الأحوال فهي مسئولة عن نفسها فقط، وهي ليست مسئولة شرعا أن تنفق على إنسان أخر مهما كانت درجة قرابته…على عكس الرجل المسئول عن غيره، فهو مسئول شرعا عن أمه و إخوته، وعندما يتزوج يصبح مسئولا عن زوجته، أما المرأة فيعولها وليها قبل أن تتزوج، ويعولها زوجها بعد الزواج ثم يعولها أولادها بعد ذلك…
فمثلا إذا مات الأب و ترك إبن وبنت و ترك تركة تقدر ب 12 وحدة ، فالإبن يحصل على 8 وحدات و البنت 4، يبدو لغير العارف انها قسمة غير عادلة لغياب المساواة في الأنصبة، لكن بالنظر لما قلنا أعلاه فإنها قسمة عادلة لماذا؟
أما الإبن الذي أخد 8 وحدات ( ضع ماشئت أصول نقدية وعينية)، فسيتزوج إمراة و يعولها، لذلك فإن الوحدات الثمانية، ستوفر الحياة لإثنين وليست لفرد واحد ، فمن عنده أكثر من الأخر ؟ طبعا المرأة ، لكن لماذا؟ لأنها كما قلنا أعلاه غير مسئولة عن إعالة غيرها وهذا هو العدل الذي نعنيه..فالبنت التي حصلت على 4 وحدات في أقسى الظروف ستعول نفسها فقط، أما إذا تزوجت فسيعولها زوجها وتبعا لذلك توفر 4 وحدات إضافة إلى ما ينفقه الزوج عليها…
فالله عز وجل حينما خلق الحياة و خلق الإنسان ووضع له منهجا ليعيش به، وهذا المنهج أنزله الله تعالى ليعطي للإنسان الحياة الآمنة و الكريمة في الأرص ، فالله بهذا المنهج أراد ان يجنب عباده إتباع الهوى والعبودية لغير الله، أراد أن تسود العدالة والمساواة بين جميع البشر فقيرا و غنيا و ألا يأكل القوي حقوق الضعيف ويهضم حقه في العيش الكريم…
لأجل ذلك فم يحارب منهج الإسلام إنما يحارب مستقبله و كرامته و حقه في الحرية و العيش الكريم، بل إنه يسعى لحماية شريعة الغاب و منطق البقاء للأقوى و ضمان إستمرار سيطرة الثروات و المكاسب من الحكام المستبدين و الأغنياء الطفيليين على المناصب و المكاسب، و الذين صدق في أغلبهم قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة : 188]، فالمسلمين في حاجة ماسة إلى العودة إلى المنهج الذي أرساه الإسلام للخروج من دوامة الظلم و الفقر و الإستبداد و العبودية لغير الله ..و سنحاول إستكمال هذا النقاش في مقال قادم إن شاء الله، و نتطرق فيه إلى حجة أخرى داحضة لحجج دعاة المساواة في الإرث بين الرجل و المرأة، لنبين لعموم المسلمين بأنها دعوى مجانبة للصواب و فيها تضليل مقصود الغرض منه تحريف أحكام الدين في قلوب و عقول المسلمين …و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.