وضوح في الرؤية.. ومرآة للأخبار والأفكار

من يقاطع ومن نقاطع!؟

بقلم: نادية الصبار (*)

كتبت بعض التدوينات المبعثرة على صفحتي بالفايسبوك ؛ مفادها أني لست مع المقاطعة و لا ضدها لأني ببساطة لا أعرف من يقاطع حتى أكون معه و لا من نقاطع حتى أكون ضده ، فإذا بوابل من التعليقات تعاتب و تحاسب على الخاص أكثر منه على العام ، أخفها وطأة من متتبعة وفية قالت بالحرف أنها كانت معجبة بكتاباتي و تحترمني … و كأنها تقول بعبارة ألطف انها لم تعد كذلك . هذا و أني عبرت عن رأيي و لم أخفه و قلت جهارا أني لست مع و لا ضد المقاطعة فكنت بذلك بمنزلة بين المنزلتين . لعله نوع من الحياد الواعي و جعل مسافة بيني و بين مجريات الأمور مخافة الانسياق اللاواعي ، و بذات الوقت هروب من أن أزج نفسي بمواقف لست قادرة على تحمل تبعاتها … كما أني لا أكتب بالسياسة و هو المجال الذي يجب أن أكتب فيه على اعتبار مفاده أنني متخصصة في علم السياسة ، لكني أعيش عزوفا و اغترابا سياسيين ؛ فغيرت وجهتي نحو الحقل الثقافي و إن كان هو الآخر مسيسا كباقي الحقول ، فلا شيء يخلو من السياسة بما في ذلك كاسة الماء … و اليوم قررت أن أخرج عن صمتي و أعبر عن رأيي بالمقاطعة . منذ أن لاحت للوجود و أنا أتردد بين التصديق و التكذيب ، تريثت في الإعلان عن موقفي خيفة الوقوع في شباك التبرير ، انتظرت المحك الذي منه أختبر مصداقية المقاطعة و شرعيتها بعيدا عن الخوض في مصادرها و المحك كان مهرجان “موازبن”، و بالفعل تأكدت المقاطعة الشعبية أيا كانت الجهات التي أذكت نيرانها على مواقع التواصل التي بلغ صداها أن تجاوزت الافتراضي إلى أرض الواقع، و بدا شعار “خليه يغني بوحدو” على غرار “خليه يريب” واقعا لا يمكن التنكر له رغم كل المحاولات من المنظمين وقنوات الصرف الصحي التي تفننت في إظهاره بحلل النجاح و الفلاح ، في حين ؛ الحقيقة المرة مرارة القار على منظميه و الأحلى من طعم العسل على شرائح كثيرة من المواطنين الذين راقتهم المقاطعة التاريخية لمهرجان موازين التي قلبت كل الموازين و كانت بمثابة آخر المسامير التي دقت في نعش مهرجان السخافات و الاختلاسات و مهرجان ترخيص الغن و تبخيسه و استثمار المال العام في العطايا و الهبات كأجور خيالية للفنانين ، في وقت تغلي فيه شرائح كبيرة تعاني الفقر و الفاقة و ترى مالا عاما يهدر و يذهب أدراج الرياح نحو مهرجان يروج للسخافات و لا يرعى الثقافة و لا الفن بل الثقافة و الفن الأصيل منه براء . سأقوم بعملية فلاش باك صغيرة لأتحدث عن موقفي الذي أعلنته على صفحتي بالفايسبوك و التشكيك بالمقاطعة و لاسيما أنها انطلقت من الافتراض و لا علم لنا لحد الآن عن مصدرها ومن أشعل فتيلها و لما استهدفت أسماء دون أخرى و منتجات دون أخرى … لما أخنوش و بنصالح ؟! لماذا الحليب والبنزين و السردين ؟! كنت قد تكهنت ببعض السيناريوهات الثلاث : المقاطعة قد تدخل في خانة التصفيات السياسية و إعادة موازين القوة و التحكم بخارطة الجاه و المال و التي يحتكر فيها القصر حصة الأسد . و القصر لن يسمح بوجود مزاحم مهما كانت قرابته للقصر و مهما كان حجم الولاء . فالعائد للتاريخ يجده شاهدا على محاولات مشابهة ، فقرب أخنوش من القصر و صداقته للملك لن يجعله في مأمن من أن تطاله التصفية ؛ فلن يكون أوفر حظا من إدريس البصري الذي سخر حياته وإمكاناته زمن الراحل الحسن الثاني لتطريز الخرائط السياسية و الذي تفنن على مر توليه أحد أهم وزارات السيادة ألا و هي وزارة الداخلية بكل هياكلها المخزنية رغم الأبهة العصرية ؛ في تقطيع الانتخابات التي لا تعطي إلا حكومات هجينة غير واضحة المعالم لا يمكن أن تنسب لا لليسار و لا لليمين و مفهوم الأغلبية و الأقلية البرلمانية يكون أكثر هجانة . مما يعطي فسيفساء ديمقراطية دون أن تكون كذلك … لا زلت أشكك و لا زلت أرجح هذا السيناريو على غيره من السيناريوهات و ما قد يثبت صحة أو بطلان هذا السيناريو هو ما سيحصده عزيز اخنوش بالانتخابات المقبلة ، ولربما ما وقع مجرد صفعة على الخد و تأديب و قد يستمر صاحبنا في صولاته و جولاته بحرا و برا من خلاله توليه لوزارتين كبيرتين تشمل “المغرب برا” من خلال وزارة الفلاحة و “المغرب بحرا” من خلال وزارة الصيد البحري و هلم من حصاد و صيد ؛ جعله متربولا اقتصاديا و بامتياز و دلل أمامه الصعاب لحفظ الثروة و زيادة حجمها مستغلا نفوذه و هيمنته . السيناريو الثاني هو فبركة بين رجالات المخزن بتسخير من النظام لتغيير منحى الاحتجاجات من الساحة و الواقع إلى الافتراض تفاديا لأسلوب المواجهة المباشر بين المحتجين و المتظاهرين بالريف و جرادة و احتمال انتقال عدوى الحراك لمناطق أخرى، فتحويله الاحتجاج إلى الفضاء الافتراضي حيث الكلفة أقل ، فلمواجهة المتظاهرين لابد من تسخير القوات الأمنية بمختلف أشكالها من قوات مساعدة ودرك ملكي وجيش لإخماد فورة المتظاهرين وأسلوب القمع والعودة لسنوات الرصاص تحسب ضدا على المغرب في ملف الحقوق والحريات.

فكم من مناشير روجت رغم صداها لا نعرف مصدرها من قبيل “مالنا حمقين حتى نخرجوا للشارع و ناكلو العصا…” و لم يكن منشورا واحدا مماثلا و مجهول المصدر بل راجت مناشير مختلفة على فيسبوك و واتساب إضافة إلى عدد لا يحصى من فيديوهات على اليوتوب تروج للمقاطعة و كلها تنحو نحو ذات المنحى و هو الاحتجاج عن بعد . و أيضا تم التركيز بالحملة على أخنوش أكثر من بنصالح عدا أنهما لا يمثلان وحدهما رموز الفساد بالبلاد و ليسا وحدهما من جمعا بين الجاه و المال و سخرا الجاه من أجل المال . كما لا يخفى أن المغرب يملك جهازا مخزنيا قويا و ترسانة من الألاعيب المخزنية ورزمانة من التكتيكات الشيطانية للتحكم بالرقعة و احتكار السلطة و تتعداها لاحتكار سلط أخرى بما في ذلك الصحافة و الإعلام . فإذ الوسائط الرسمية متحكم بها من طرف النظام فما بالك عن جملة من المنابر الإلكترونية التي تكتسح الساحة الإعلامية و تتواجد رغم أنها خارج القانون و تخدم أجندات سياسية بل منها من هي في فترة سراح دائم لا تعمل إلا لشن حملة مدعومة أو لدعاية مأجورة ، أضف جنود الخفاء الذين غذاهم عالم الافتراض و سمح لهم بالتكاثر كالغطريات و لا نعلم من يخدمون و لأي جهة ينتسبون . فإذا كان سؤال من نقاطع حتى أكون ضده مشروع حسب السيناريو الأول ؛ فإن سؤال من يقاطع حتى أكون معه حسب السيناريو الثاني مشروع كذلك . ناهيك أن نجاح مقاطعة الحليب و البنزين لا يمكن الجزم بنجاحها التام لأن شرائح واسعة من المجتمع المغربي هي بالأصل تنهج المقاطعة الأبدية جبرا لا طوعا ، لأنها لا تملك قيمة الحليب و لا تملك حتى إمكانية إيصال الماء من العيون و الآبار للمداشر التي تقطن بها ، و أما البنزين فقاطعه بعض المؤمنون بالمقاطعة . ماذا إذا عن هؤلاء الذين لا يملكون حتى قيمة تذكرة الحافلة ؟! و ماذا أيضا عن الأثرياء الذين يتنقلون عبر الطائرات الخاصة و الليموزين ؟! فالمقاطعة عندهم لا تحدث الطنين . أما السيناريو الثالث فقد يوحي بوجود مقاطعة حقيقية ممنهجة قادها شباب متمكن من المعلومية ، فالمغاربة الذين قاطعوا الاستعمار الفرنسي بكل الأساليب الممكنة من مقاطعة اللباس الأوربي و مقاطعة المنتجات الواردة أو على شكل تظاهرات كضريبة “لكياب” التي رفض السلويون -نسبة إلى سكان مدينة سلا- أداءها و هي ضريبة على السقيفة التي تكون على أبواب الدكاكين .هؤلاء المغاربة الذين رغم كل عمليات التدجين و التهجين فإنهم قادرون على التظاهر و التصدي للمظالم و خصوصا أمام الازدياد المهول و المتواصل للأسعار دون مراعاة لفئات عريضة و شرائح واسعة من المجتمع المغربي التي تعاني الفقر بل التفقير في وقت تقتسم فيه ثروات البلاد كهبات و عطايا و امتيازات . هذاو قد لعب الإعلام المواطن دورا طلائعيا بحكم توفر المعلومة ، فصار كاشفا لكل التلاعبات . و هذا الطرح يزكيه حراك الريف و جرادة على أرض الواقع و تزكيه كل المنشورات على بوابات الفايسبوك و الفيديوهات على اليوتوب كحراك شبكي شبه منظم و متواصل.

(*) كاتبة وإعلامية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.