هل هي نهاية “الخليج العربي”؟

بقلم: د. المصطفى كرين

فصل الدين عن الدولة ، لم يعد شأنا داخليا للدول بل أصبح في عمق مفهوم العولمة السياسية وخصوصا الإقتصادية ، وقريبا لن يصبح بإمكان الدول إطلاقا توظيف الخطاب الديني بأي شكل من الأشكال في سياسة وتدبير شؤون المواطنين . وليس المخاض الذي تعيشه السعودية ببعيد عن هذا الأمر .

ففي نهاية سنة 2017 ، نشرت مجلة نيويورك تايمز مقالا قالت فيه أن “تقسيم السعودية قادمُُ لا محالة ” . وفي تصوري فإن هذا التقسيم ينطلق من معطى أساسي ، اهتدى إليه واستوعبه جيدا أصحاب القرار الدولي ، ويتمثل هذا المعطى في أن المسلمين عبر العالم ليسوا معنيين مباشرة بمصير السعودية إلا بقدر ما يتعلق الأمر بالأماكن المقدسة أي مكة والمدينة ، مثلما لا يعتبر المسلمون معنيين حقيقة بالقضية الفلسطينية إلا في حدود ما يتعلق بالمسجد الأقصى والأماكن المقدسة المحيطة به ، بينما ينصب اهتمام صناع القرار الدولي على الفائدة الإقتصادية وخصوصا آبار البترول والغاز الطبيعي الذين تملك منهما السعودية أكبر احتياطي عالمي . ولذلك جاءت فكرة تقسيم السعودية على أساس فصل الأماكن المقدسة عن آبار البترول وفق ما يمكن تسميته ب ” خذوا مكة واتركوا لنا البترول ” أي بشكل ما : ” فصل المقدس عن المدنس أو تحرير ” المقدسات الإسلامية من قيود أوبك . أو رفع القدسية عن البترودولار .

ولأجل ذلك كان لزاما البدأ بجعل الأماكن المقدسة خارج السلطة السياسية للمملكة العربية السعودية انطلاقا من السحب المعنوي لمشروعية الإشراف على الحرمين من العائلة الحاكمة ، بواسطة فضح ممارساتها على الصعيد السياسي والأخلاقي وفضح احتماءها بمكة والمدينة من أجل الإستمرار في استنزاف خيرات الحجاز وتكريس منظومة الاغتناء والفساد التي تتهم بها الأسرة الحاكمة في السعودية.

وترتكز فكرة تقسيم السعودية على تمكين المسلمين من القيام بفريضة الحج دون ضرورةٍ للمرور عبر الرياض ، وآنذاك لن يبقى مصير باقي الأراضي السعودية التي تحتوي على البترول ، يحضى بنفس الإهتمام والتعاطف لدى العالم الإسلامي وسيسهل تسليمه لشركات النفط ، بعد أن تكون تلك الآبار وتلك المصافي قد أصبحت جزءا من دولة أخرى أو كيان سياسي منفصل عن الأماكن المقدسة ، إذ سيصبح ما يقع مثلا في الرياض مثل ما يقع في باريس أو موسكو أو واشنطن أو كاراكاس أو داكار .

ولتسهيل حصول سيناريو التقسيم هذا ، لا بد من :

– أولا : وضع المملكة في قبضة الكماشة من خلال إدخالها في ” أزمة نموذج ” وجعلها تتأرجح بين نموذج الدولة الحديثة ونموذج الدولة الدينية والقبلية ، مما سيجلب لها ، إن هي ركنت إلى مباديء الدولة الحديثة ، مشاكل خطيرة وعديدة مع التيارات المحافظة والمتطرفين من الوهابيين وغيرهم من داخل السعودية وخارجها ، والقبائل المَقصية من السلطة ، ويجعلها تعاني ، إن هي ركنت إلى نموذج الدولة الدينية ، متاعب هائلة مع الدول والمنظمات والهيئات التي ما زالت تطالبها بتعويضات مادية خيالية وتنازلات سياسية مؤلمة ، تعويضا عن تورطها المفترض في الكثير من العمليات الإرهابية سواء تلك التي تتعلق بالحادي عشر من سبتمبر أو غيرها . وبما أنه لا يمكن تحديث السعودية مع الاحتفاظ بالبنيات السياسية القديمة فإن المملكة لجأت إلى المناورة من خلال صناعة نموذج رديء لدولة ” ديمقراطية الواجهة ” تم طبخه على عجل وتم الدفع بوجه شابٍ إلى الواجهة هو ولي العهد ، واستثمرت الكثير من المليارات من أجل الترويج إعلاميا لهذا النموذج ومحاولة إقناع العالم به ، في محاولة للإفلات من الكماشة ، ولكنها لم تتمتع بما يكفي من الإتزان والذكاء السياسي لتدبير التعامل مع معارضيها في الداخل والخارج كما يفترض أن تفعل أي ديمقراطية من هذا النوع فاقترفت أخطاء كبيرة وبالتالي فاقمت أزمتها وازداد طوق الكماشة عسرا .

– ثانيا : في نفس الوقت كانت الآلة الدبلوماسية والإستخباراتية تعمل على حرمان السعودية بشكل منهجي واستباقي من أي سند أو دعم سياسي مستقبلي ، من خلال توريطها في مشاكل مع بلدان الجوار كالعراق وتركيا واليمن وسوريا وإيران وقطر وخلافات مع الدول المعتدلة أو ذات التأثير في القرار الدولي مثل كندا وأمريكا وسويسرا وإنجلترا وفرنسا وألمانيا ، وفي كل مرة كانت السعودية تقع بغباء وعنجهية كبيرين ، في هذه المطبات .

– ثالثا : استغلال كل المظاهر السابقة لأزمة النظام السعودي من أجل ابتزازه إلى أقصى الحدود ومطالبته بملايير الدولارات ، مقابل مواقف رخوة ومؤقتة ، وهو ما سيدفع المملكة عاجلا أو آجلا إلى الزيادة الغير مسبوقة في إنتاجها من البترول بشكل سعيا لتوفير تلك الملايير ، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى انخفاض مبير في ثمن البترول ، حيث أن الأمر سيصبح شبيها بحرب إقتصادية تنضاف إلى الحرب الإستنزاف الحقيقية والمكلفة جدا التي تخوضها السعودية في اليمن ، وكل هذا سيؤدي إلى انهيار المملكة اقتصاديا ، وسيخلق لدى المواطن السعودي كما لدى القبائل تساؤلات مفادها أن ثمن بقاء العائلة السعودية في الحكم قد أصبح مرتفعا جدا ، ماليا واقتصاديا وسياسيا وبالتالي اجتماعيا .

– هذا الوضع ربما سيقود إلى انتفاضات اجتماعية في البداية ثم ستصبح المطالب سياسية فقبلية بما ينتهي إلى حرب أهلية متحكم فيها خارجيا من جهة ومذرة للربح عبر تجارة وتعريب السلاح إلى الداخل وتهريب النفط إلى الخارج عبر دول الجوار ، خصوصا أن الحدود السعودية الشاسعة والمتنوعة ، تعتبر قابلة جدا للإختراق ومرور السلاح والمسلحين من مختلف الجنسيات والمرجعيات . وهذه الحرب الأهلية هي التي ستمهد بعد فترة للتدخل الدولي وفرض الأمر الواقع أي التقسيم.

– تقسيم السعودية عن طريق حرب أهلية ، ليس معناه نهاية السعودية فقط ، بل معناه أيضا نهاية منظومة الخليج العربي ، ونهاية سلطة العرب على النفط . وبداية الزمن الفارسي الجديد . يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.