بقلم: طارق البياري
سأل أحد المواطنين الغربيين مواطنا عربيا ما هو حلمك ؟
فأجابه المواطن العربي : حلمي أن تكون لي وظيفة وبيت وزوجة…
فابتسم ذاك المواطن الغربي ورد عليه قائلا: أنا سألتك عن حلمك وليس عن حقك
نعم وللأسف هذه هي الحقيقة المرة التي نعيشها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، إذ أصبحنا لا نفرق بين ما هو حلم وما هو حق لنا كمواطنين، هذا ليس بالغريب أو الجديد في أوطاننا ما دمنا نعزف على أوثار التعليم المهمش والبحث العلمي الغائب وباب التوعية المغلق والأولوية للمزمار والطبول، فلا ثقافة عندنا تعلو على ثقافة المغنيين والمغنيات ومبذري الدرهم والدينار وعباد الشهوات على عكس المجتمع الغربي الذي يضع المزمار والطبول آخر اهتماماته.
ففي مجتمعنا العربي عامة لا تخلوا أي دولة من السهرات ومن مسابقات الرقص والغناء في جل القنوات العمومية أو الشبه العمومية، فهذه أصبحت قاعدة من المسلمات التي لا يمكن إنكارها، لكن ما دمت مغربيا وحتى أكون أكثر مصداقية فسأتحدث من داخل بلادي أي مغرب الثقافات كما يراد تسميته عند بعض الجهات، لكن وللأسف تم نسف عبارة الثقافات عن معناها الحقيقي وأصبحت مفردا يعنى به السهرات والغناء، وخير مثال على ذلك مهرجان موازين الذي تنظمه جمعية مغرب الثقافات وهو المهرجان الذي أنشئ رغم أنف الشعب المغربي حكومة وشعبا ورغم النداءات المتكررة بإلغائه سواء من داخل الحكومة والبرلمان أو من طرف الشعب المغربي، فقد أسمعت لو ناديت حيا لكن لا حياة لمن تنادي.
فلنعد قليلا بالتاريخ وخاصة لما كان حزب العدالة والتنمية في المعارضة كانت جل الأصوات داخله تندد وتشجب وتطالب بإلغاء هذا المهرجان لكونه يبذر أموال الشعب المغربي، بلا فائدة ماعدا تلك الفوائد المرتبطة بالانحلال الأخلاقي والفجور وإلهاء الشعب، وتخديره لجعله يتوهم من خلال ذاك المهرجان وكأنه في برلين أو لندن لضخامته، لكن وبمجرد صعود الحزب الإسلامي لسدة الحكم تبشرنا خيرا، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفينة المغاربة إذ بقي الأمر على حاله ولم يتغير أي شيء، بل ونتجت أفكار جديدة وظهرت بعض التعليقات التي تدعي أن هذا المهرجان لا تساهم فيه الدولة وإنما هو مدعوم من شركات خاصة مستقلة عن الدولة.
فنتساءل ماذا يقصدون بهذه الأموال الخاصة ومن هؤلاء الذين يمتلكون هاته الأموال الخاصة؟ ومن أين حصلوا عليها؟
أليس هؤلاء مغاربة ومداخلهم الخاصة من نهب بخيرات هذا الوطن الذي لم يأخذ منه أغلب المغاربة إلا الجنسية وحق التصويت والانتماء إلى التراب !
ألهذه الدرجة يظن هؤلاء أن المواطن المغربي ساذج أو أننا لازلنا نعيش في القرن 18، إن كان كذلك فإن ظنهم قد خاب من فوق سبع سموات وما نالوا إلا الإثم لقوله تعالى ( إن بعض الظن إثم )، فالواقع يقول أن هذا المهرجان تساهم فيه الدولة المغربية وبمال وفير، فهو من تنظيم جمعية مغرب الثقافات التابعة لوزارة الثقافة، وبالرجوع إلى القانون المغربي المتعلق بالجمعيات نجد أن كل جمعية معترف بها تتلقى دعما من الدولة بحسب الأنشطة التي تقوم بها، ومادامت أنشطة هذا المهرجان تتطلب أموال ضخمة فإن نصيب مساعدة الدولة فيها ستكون وفيرة لا محالة، إلى جانب ذلك فإن من أبرز المساهمين في هذا المهرجان صندوق الإيداع و التدبير والمكتب الشريف للفوسفاط، إضافة إلى الخطوط الملكية الجوية والمكتب الوطني للسكك الحديدية واتصالات المغرب، أليست هذه شركات عمومية تابعة للدولة أم أنها شركات برتغالية أو فرنسية هذا من جانب.
أما من جانب اخر نجد أبرز المساهمين كذلك مجلس مدينة الرباط والشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة، والإدارة العامة للأمن الوطني ووزارة الداخلية التي تضع رجالها رهن إشارة هذا المهرجان ، فهل رجال الشرطة والقوات المساعدة والقنوات الوطنية يتلقون أجورهم من منظمي هذا المهرجان أم من الضرائب التي يدفعها المواطن المغربي، فإن كانت هذه الأخيرة فلما الضحك على الذقون واستخفاف العقول المغربية ؟
هذا من ناحية التمويل، أما من ناحية التنظيم فكل متتبع لهذا المهرجان يرى أنه ينظم في فترة يكون فيها جل الشباب المغربي في مرحلة الاستعداد للامتحانات سواء الإعدادية أو الثانوية أو الجامعية وهو الأمر الذي يساهم في تراجع مردودية الطالب المغربي في منظومة تعليمية هشة، لكن تبرير المنظمين تجسد في كون المغنيين و المغنيات القادمين لإحياء سهرات هذا المهرجان لهم برامج سهراتية طيلة السنة إلا في هذه الفترة، وبدوري أقول لهم قد صدقتم في ذلك ولأول مرة لأنه لا توجد دولة في العالم تقيم سهرات و مهرجانات أثناء فترات الإمتحانات التعليمية إلا المغرب، فالحمد لله هنا تتضح محبة الساهرين على هذا المهرجان للطالب المغربي بتبنيهم لمبدأ “كلخ تسُد”.
إضافة إلى ما سبق ذكره في الفقرة أعلاه، يطل علينا أحد الساهرين على هذا المهرجان مبرزا إيجابياته بكونه يمنح السرور ويدخل البهجة والفرح لسكان مدينة الرباط قاطبة عن طريق تمكينهم من التقرب أكثر إلى عشاقهم من المغنيين والمغنيات لمدة أسبوع، فأقول لهم ألم يكن الأجدر بكم يا أنصاف الرجال عوض أن تدخلوا الفرحة والسرور الزائل لمدة أسبوع أن تنشئوا بيوتا لمن يقطن دور الصفيح ويقتات من المزابل وتدخلوا البهجة إلى قلوبهم مدى الحياة ؟
أيعقل ان شعبا يعاني من الامية والفقر والتهميش والبطالة وضعف خدمات التطبيب والتعليم، والرشوة والمحسوبية في حاجة إلى المهرجانات السافرة مثل موازين.
أليس الأجدر أن تذهب هذه الأموال لتوفير فرص الشغل أو إنشاء المستشفيات وتدعيمها باللوازم الأساسية أو إصلاح قطاع التعليم و البحث العلمي بدلا من إنفاقها على المغنيين و المغنيات ؟
ألم يكن الأجدر بكم إلغاء هذا المهرجان وإعطاء الأولوية للبنيات التحتية المنعدمة في بلدنا وترك التلميذ والطالب المغربي يهتم بدروسه ويستعد بشكل أفضل لامتحانات اخر السنة وخاصة امتحانات البكالوريا عوض إلهائه بهذا المهرجان السخيف ؟؟
ألسنا في حاجة إلى تلك الأموال للتخفيف من العجز الذي يعرفه المغرب والذي يدفعه لطلب القروض من دول أجنبية من أجل إنشاء مشروع معين كالقطار الفائق السرعة مثلا ، أم أنكم ستدعون أن هذا المهرجان يساهم في الرفع من الإقتصاد الوطني عن طريق إنعاش السياحة ، فهل يعقل لسائح ترك مغني في بلده ولم يهتم به أن يأتي للمغرب لمشاهدته، إن الإقتصاد الوحيد الذي تساهمون فيه بهذا المهرجان هو اقتصاد حبوب الهلوسة التي يتناولها الشباب للذهاب إلى سهرات هذا المهرجان وهم ناشطين على حد تعبيرهم إلى جانب الإتجار في شرف المغربيات.
ألم يكفكم احتلال المغرب لرتب متقدمة في التصنيف الدولي للدعارة حتى تأتوا لنا بهذا المهرجان الذي يساهم في الانحلال الأخلاقي ونشر الرذيلة داخل المجتمع وسلخه من قيمه الإسلامية ؟
فإن كان لهذا المهرجان أناس تعشقه فإنهم نتاج سياستكم التخديرية الممنهجة عن طريق إعلامكم الضال والمتجرد من قيم الشرف الإعلامي ليس إلا، فإن الجمهور الذي يعيش على حافة الفقر بل وتحت خط الفقر ويرقص على نغمات فاجرات الشرق و الغرب و على جراح و الام إخوته في الوطن العربي والإسلامي ممن تزهق أرواحهم ظلما في سوريا و بورما و العراق وغيرهم، فإنه جمهور مشبع بالتخدير السياسي والإعلامي ومنسلخ من القيم الأخوية و الإسلامية، فلا غرابة في ذلك فهو نتاج نظام استبدادي وفساد سياسي واقتصادي و أخلاقي .
فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره )، ألسنا بإقامة هكذا مهرجان نخذل إخواننا في سوريا و بورما ونحقرهم عن طريق الرقص على جراحهم وجثثهم التي تسقط يوميا، فعلى الأقل ومن باب الأخوة و الدين إلغاء هذا المهرجان احتراما لمعانات إخواننا في سوريا وبورما فالأيام دول ولا ندري ما يفعل بنا الله غدا وبعدها نحس بما أحسوا هم به ونشعر حينذاك بمعانات طفل يقتل أباه أمام عينه وفي قنواتنا العربية تامر وهيفاء يرقصون على جراحهم، لكن عزاؤنا أن إخواننا في سوريا وبورما يعلمون أن هذا المهرجان أقيم رغم أنف الشعب المغربي ومتيقنون أن من بين أغلبية الشعب المغربي رغم صمتهم المميت والغامض، رجال أحرار ونساء حرائر يدفعون ثمن التغيير ويناهضون الفساد بكل أشكاله وأنواعه من حرياتهم وفلذات أكبادهم ، فهؤلاء هم الأمل وهم المستقبل ، دون أن ننتظر أي جديد من حكومة كارتونية رغم تصويتنا عليها ، فالحكومة التي عجزت عن حل مهرجان موازين لن تقدم أي شيء يفيد مجتمعنا أو قيمنا، ولن ننتظر منها أن تخرج عن نطاق ما يملى عليها، فما هي إلا بوقا إعلاميا للمخزن ودرعا له لتبرير مواقفه وحماية فساده، وبعبارة أخرى فعجز الحكومة عن إيقاف هذا المهرجان هو توضيح وتبيين للرأي العام من الحاكم الحقيقي في المغرب ومن المتحكم في زمام الأمور.
فها نحن في مغربنا الحبيب، مغرب غابت موازين عقولهم وحلت محلها موازين الرباط لتبعدهم عن كل ما يفيد مجتمعنا ووطننا الحبيب من تعليم راقي وبحث علمي جدي ومتطور ومن بنى تحتية هامة، فها نحن في مغربنا الحبيب نضاهي دول العالم وخاصة المتقدمة منها بهذا المهرجان على حد تعبير أحد الساهرين على تنظيمه، فعذرا أيها الوطن العزيز لا نستطيع أن نضاهي بك الأمم إلا بموازين الطبول والفجور والانحلال الأخلاقي أما ما يتعلق بالبنى التحتية والصحة والتعليم والأجور فذلك من ثامن المستحيلات ويكفينا شرفا أن نضاهي بذلك مالي وبوتسوانا.
فعذرا أيها الوطن العزيز إن كنت قد خدعت بمن يمثلني في الحكومة ووضعت ثقتي فيه ليقضي على كل مظاهر الفساد والاستبداد، فعذرا للشعب السوري وعذرا لكم يا أهلنا في بورما وعذرا لك وطني فقد اندثرت كل معاقلك ولم يعد لك معقل تقبع به وتشتهر به إلا مهرجان موازين ودواوين الغاوين وأصحاب الأقلام المستعارة وعلماء البلاط أصحاب حوار الحضارات.
فعبر تاريخنا المجيد ما ساد أجدادنا بالغناء يوما وما أقاموا مهرجانا في بلد مواطنوه على عتبة الفقر منقوش على بطائقهم ليس لديكم رصيد كافي لسد جوعكم، ولكن سادوا بدين محمد عليه الصلاة والسلام وبالعلم والمعرفة وبنشر ثقافة التضامن والتآزر والزكاة، فرجائي في الله عز وجل أن يجعل هذا المهرجان في موازينكم يوم القيامة وألا يحشرني معكم لا لشيء سوى أنني أخجل من لقياكم فلنا الله ولكم موازينكم .