اعتقال الباز يفجر أزمة التعمير في مراكش

تعيش مراكش على وقع واحدة من أقوى الهزات السياسية في السنوات الأخيرة، عقب التوقيف المدوي للقيادي المحلي بحزب حزب الأصالة والمعاصرة، عبد العزيز الباز، الذي كان يجمع بين ثلاث مهام حساسة: الأمين المحلي للحزب بمقاطعة المنارة، ونائب رئيس مجلس المقاطعة المكلف بقطاع التعمير، ونائب رئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة مراكش آسفي. وقد شكل سقوطه، وفق المعطيات الأولية، متلبساً بتلقي مبلغ مالي مقابل تدخل مفترض في ملف مرتبط بالتعمير، صدمة سياسية وأخلاقية قوية، لأنه أعاد طرح التناقض بين خطاب النزاهة الذي يرفعه الفاعلون السياسيون والواقع العملي على الأرض.

ولا يُنظر إلى القضية باعتبارها واقعة معزولة، بقدر ما فجّرت أزمة ثقة أعمق مرتبطة بقطاع التعمير نفسه، الذي يعد من أخطر مفاصل السلطة المحلية لما يتحكم فيه من تراخيص وتسويات عقارية ومشاريع مالية ضخمة. فوجود مسؤول منتخب مكلف بهذا القطاع في قلب شبهة رشوة لا يثير فقط شبهة سلوك فردي، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول منظومة الرقابة وكيفية تركّز مفاتيح هذا المجال الحساس في يد منتخبين ينتمون إلى نفس الدائرة الحزبية.

وفي ظل هذا التطور، تتجه الأنظار إلى قيادة المدينة سياسياً وتدبيرياً، باعتبار أن مسؤولية اختيار المنتخبين وتزكيتهم والدفاع عنهم لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية والسياسية عند سقوط أحد أبرز الوجوه المحلية في قضية بهذا الحجم. وقد أعادت الواقعة إلى الواجهة أسئلة كانت تُطرح في الكواليس: هل ظهرت مؤشرات سابقة جرى تجاهلها؟ وهل طغت اعتبارات الولاء الحزبي على معايير الكفاءة والنزاهة؟ أم أن الأمر يتعلق بثقة سياسية لم تُصاحبها رقابة كافية؟

بموازاة المسار القضائي، تتداول أوساط سياسية وإعلامية معطيات غير مؤكدة عن تحركات واتصالات مكثفة مع المشتكي بهدف ثنيه عن متابعة القضية، وهي معطيات — إن ثبتت — ستنقل الملف من شبهة رشوة إلى شبهة محاولة التأثير على العدالة. في المقابل، يروج مقربون من المعني بالأمر رواية مغايرة تربط الملف بصراع نفوذ وخلافات حول رخص تعمير، غير أن هذه الروايات تبقى في دائرة التأويل، فيما يبقى القضاء وحده المخول بالحسم في الوقائع وتحديد المسؤوليات.

وتتجاوز تداعيات القضية شخص المتهم إلى اختبار أوسع لمصداقية الخطاب السياسي ولمدى قدرة المؤسسات على تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة عملياً، سواء من خلال معاقبة المتورطين أو مراجعة آليات الانتقاء والرقابة والتتبع قبل أن تتحول الشبهات إلى فضائح مدوية.

اليوم تقف مراكش أمام لحظة مفصلية: إما أن تشكل هذه القضية بداية لاستعادة الثقة وترسيخ المحاسبة الفعلية، أو أن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة صدمات الرأي العام التي سرعان ما يبتلعها النسيان، فيما يظل السؤال الأعمق معلقاً في وجدان المدينة: من كان يحمي من… ولماذا؟

تعليقات (0)
اضافة تعليق