الاستقلال اللغوي شرط  لكل نهضة.. ولا يمكن لشعب أن يبدع بغير لغته

د. طارق ليساوي

“لا توجد أي دولة في العالم انطلقت في المجال التكنولوجي دون الاعتماد على اللغة الأم” هذا الاستنتاج العلمي الناتج عن دراسة لتجارب دولية مقارنة ، هو ما توصل إليه الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله، فالرجل بلغ مكانة علمية وأكاديمية وثقافية سامقة تجاوزت حدود المغرب، ووصلت إلى اليابان و شرق آسيا، فمنهم من يعرف  “المنجرة” و لا يعرف المغرب، فهذا الرجل حذر المغاربة خاصة والعرب عامة من دعاوي  استبدال العربية باللغات الأجنبية أو بالعامية فقد قال رحمة الله عليه:”إذا أردتَ أنْ تهدم حضارة أمة: فهناك ثلاث وسائل هي: إهدم الأسرة واهدم التعليم وأسقط القدوات والمرجعيات” ، و قال أيضا : “…ما أنتقده ليس هو اللغة الفرنسية، لأنني استعمل هذه اللغة، وأكتب بها كما أكتب بغيرها.. ولكني أنتقد مفهوما سياسيا، يكتسي طابعا استعماريا جديدا، لا يقبل واقع تطور الأشياء ويريد التعلق بشيء نبيل مثل اللغة الفرنسية من أجل استعمالها كوسيلة للتفاوض من أجل إبقاء الوضع القائم على ما هو عليه، ومنع التغيير في بعض البلدان، بل أكثر من ذلك، استعمالها كوسيلة لمحاربة اللغات الوطنية واللغات الأم..”

و لا أستطيع أن أقول قولا أخر بجانب هذا الرجل الذي كلما ذكرت إسمه و تجربته و معاناته من أجل توعية العالم العربي و العالم الثالث عامة، إلا و أصابتني حالة من الحزن على هذه البلدان التي أضاعت الكثير من الوقت  و الجهد و لازالت تدور في نفس الحلقة المفرغة لأنها  لم تستفذ من نصائح الرجل، أما الحزن عليه بعد وفاته –بنظري- غير جائز و الله أعلم، فالرجل نجح في حمل رسالته و قام بدوره في الحياة الدنيا بصفته رجل علم على أكمل وجه و كتبه و محضاراته شاهد على ذلك، و نتمنى أن يطلع طلابنا و شبابنا على كتب و محاضرات الرجل ليدركوا نواقص بلدانهم و عجز و فشل أنظمة التعليم و خاصة حينما يصبح المغربي و العربي و الإفريقي يدرس بغير لغته الأم ، و يضطر لاكتساب المعارف بلغة أجنبية تعيق الاكتساب و الابداع…

ذلك أن لغة التدريس و التواصل بين المعلم و التلميذ، و الأستاذ و الطالب، تعد وسيلة أساسية و بالغة الأهمية في تحديد نوعية مخرجات العملية التعليمية من القمة إلى القاع، كما أنها ليست مجرد أداة تقنية محايدة، بل هي تصور عام يختزل البعد السياسي و الاجتماعي و الحضاري … فمحاولة تغليب اللغة الفرنسية أو الإنجليزية على اللغة  العربية ،  توجه يثير أكثر من سؤال ، و ينبغي التصدي له و مقاومته، بالقدر الذي قاوم به المغاربة الاستعمار الفرنسي في الفترة من 1912 إلى 1956، و المشارقة الإستعمار الإنجليزي، و بنفس القدر ينبغي مواجهة دعوات تبني العامية في التعليم لأنها هي و “الفرنكوفونية” و “الأنكلوفونية” و جهان لعملة واحدة ، و غايتهما واحدة ..

 فاللغة العربية هي الوعاء الحاضن للهوية والضامن لاستمرارها، ومع ذلك فاهتمامنا بها لا يزيد عن اهتمامنا باللغة بالصينية،  فأصبح من الوجاهة الإجتماعية أن يضع الوالد ابنه في مدارس أجنبية ليتقن لغة غيره دون أدنى اهتمام بتعليمه العربية، وفي الجامعات يتم التدريس في أغلب التخصصات باللغات الأجنبية كالفرنسية والانجليزية ….، فتدريس مقررا بلغة غير العربية أصبح مؤشرا على  أن هذا التخصص أهم من التخصص الذي يدرس بالعربية ،  ويكون مفخرةً للطلاب انهم يدرسون بلغة غيرهم، مع العلم أن هؤلاء الدارسين يحفظون حفظا وتلقينا ولا يفهمون مجمل ما يعطى في الدرس، فحتى إلمامهم بلغات غيرهم عرضي و غاب عن هؤلاء جميعا مقولة “ابن خلدون” الذي خلص إلى حقيقة لا يطالها الشك :  ” لا يمكن لشعب أن يبدع بلغة ليست لغته وأنه إذا سبقت لغة إلى لسان فتكون قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم بلغة ثانية إلا في حالات نادرة”..

و التجربة اليابانية و الصينية تؤكد حقيقة ما ذهب إليه ابن خلدون و تدحض الحجج و الأدلة التي يسوقها دعاة “الفرنكفونية” و “الأنكلوفونية”، و التي تستند إلى أن اللغة العربية ليست لغة علوم ، و نحن بدورنا نوجههم إلى حالة لا يستطيع أحد إنكارها   لنقول لهم:  كيف استطاعت اسرائيل إحياء لغة بائدة وتجديدها، والتدريس بها مع أنها ليست من اللغات الحية  ونُضيف، كيف إستطاعت الصين تبسيط اللغة الصينية و جَعْلها أداة لتدريس علوم الذرة و الفضاء…؟ و كيف استطاعت اللغة العربية في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية أن تكون لغة للبحوث العلمية الدقيقة و نجحت في نقل علوم وثقافات الغير للعربية دون أدنى صعوبة؟

أولا- العجز في العقول لا في اللغة:

 فالعجز ليس في اللغة العربية و إنما في  الناطقين بالعربية،

الخوارزمي Algorithm

الجبر Algebra

صفر Cipher   هل يستطيع أن ينكر عاقل القيمة العلمية للصفر “0” في مجال الرياضيات ، فالصفر

ثانيا- التجربة اليابانية والصينية تؤكد أن العجز في العقول لا في اللغة:

 تجربة  اليابان و الصين تدحض هذه الإدعاءات، وقد درست شخصيا اللغة الصينية والكورية والإنجليزية وأستطيع الجزم أن اللغة العربية أكثر غنى وأقرب للعلم و للأدب.. وتجربة اليابان والصين، تجارب رائدة في هندسة الإصلاحات التربوية والتعليمية، وفي تحقيق النهضة والنهوض من تخلفها، ونحن عندما نستشهد بهذه التجربة أو غيرها، فلا يعني أنها تجربة أو تجارب مقدسة منزهة عن النقصان، ولكن ما نعنيه بدرجة أولى هو أنها استطاعت إيجاد مواءمة ووصفة علاج لقضايا و إشكالات مشابهة من قبيل المزج بين الأصالة والمعاصرة، التحديث بدل التغريب..

 فالتجربة اليابانية التي انتقلت عدواها إلى بلدان أسيوية أخرى وفي مقدمتها الصين، انطلقت من أربعة محاور رئيسية: الانطلاق من القيم الأصيلة اليابانية، ومحو الأمية والنهوض باللغة اليابانية، ودعم البحث العلمي.

فالاستقلال اللغوي أمر في غاية الأهمية، ففي علم اجتماع اللغة يفترض أن “الناس أحيانا قد تتخذ من لغة أخرى قدوة لها، و تتشبه بأهلها و تدافع  عن قوتها للشعور بلذة وطمأنينة كمريض اصيب بعصاب ستوكهولم..”

وحاليا قدوتنا في العالم العربي اللغة الإنجليزية وفي البلدان المغاربية اللغة الفرنسية، وإذا كانت الإنجليزية هي الاولى في العالم ويتكلم بها مغتصبنا ولهذا نتشبه بها لغويا، من منطلق أن :”المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال”..

والمشكلة أن المغلوب لا يتقن لغة الغالب، فلا كسبنا لغتنا ولا كسبنا لغتهم، أضف إلى ذلك أن إقتداء المغاربة بالفرنسية وتقديسها يعمق من حجم المأساة، ففرنسا مغلوبة  بدورها، فاللغة الإنجليزية لغة الأغنياء في فرنسا ولغة العلوم البحثة، ولغة النخبة السياسية والاقتصادية والمثقفة، بينما الفرنسية في فرنسا لغة الفقراء..

 ويبدو أمر اللغة  بسيط لكن مخرجاته مأساوية وكبيرة، فعدم معرفة لغتنا يقود إلى التبعية العمياء، وإلى الفهم الخاطئ لنصوصنا التراثية ولمفهومنا لآيات كثيرة من القرآن الكريم ، ولهذا لا نستغرب من إنتشار بعض الأفكار الهدامة والمنتقدة لروح الإسلام من منطلق أن القران متخلف ولا يواكب لغة العصر، ومن العبث قول ذلك، فالعجز في عقولنا  العاجزة عن فهم معاني القران ومقاصده نتيجة لضعف تكويننا وإلمامنا بلغة القران، وهذا هو الغرض الأساسي من دعوات إحلال اللغات الأجنبية أو العامية محل اللغة العربية ،فالغاية كسر شوكة الإسلام وجعل العقول المسلمة شبه المتعلمة، عاجزة عن فهم القران ومقاصده، وبالتالي خلق جيل من العبيد وظيفته ضمان استمرار هيمنة المستعمر على العقول والموارد..

وختاما، فاليابانيون والصينيون، يَدرُسُونْ ويفتخرون بلغاتهم الأم، فثورة “الميجي” رفعت شعار “الروح اليابانية والتقنية الغربية” وهو ذات الشعار الذي رفعته الصين منذ قيام جمهورية الصين الشعبية وتعمق مع سياسة الإنفتاح سنة 1978، وبدورنا ندعو الشعوب العربية إلى تبني ذات المنهجية أي التمسك بالروح العربية والإسلامية وتبني التقنية الغربية، واللغة العربية مكون رئيس ضمن هذه الروح…والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة..

تعليقات (0)
اضافة تعليق