البيئة الأسرية ودورها في نفسية الأبناء

بقلم: نجية الشياظمي

كانت الأسرة وستبقى هي النخاع الشوكي للمجتمعات، وبدونها لا يمكن لها أن تستقيم أو تتقدم أو تقوى أو تتغير، كلها أمور تعتبر الأسرة هي الفاعل الأساسي فيها، تقدم المجتمع من تقدم الأسرة، وعي المجتمع من وعي الأسرة، عنف المجتمع من عنف الأسرة، وانحطاط المجتمع من انحطاط الأسرة، كل سيء و كل جيد منها و إليها ، لذلك وجب الوعي بهذا الأمر ، خصوصا و أننا كلنا نشتكي من المشاكل الاجتماعية و الأخلاقية و النفسية التي تعاني منها مجتمعاتنا ، و علاج كل الأعطاب و العاهات يعتمد على دور الأسر في ذلك ، و علاج أي علة ، يجب أن يكون عن طريق علاج الأوضاع التي تتسبب فيها ، أي في الوقاية منها قبل الوقوع فيها ، فالمحافظة على الجسد سليما خير من معالجته بعد إصابته بمختلف الأمراض و الأسقام .
و لن نستطيع أن نغالط أنفسنا و ندعي أننا على أحسن ما يرام ، فكثيرا ما تغلب أنانية أحد الطرفين أو كلاهما( الزوج و الزوجة) فتشب حروب شعواء بين الطرفين يحترق بلهيبها الأطفال الأبرياء ، لأنهم لم يختاروا هذا الأب و لا هذه الأم ، و لا حتى اختاروا المجيء إلى هذه الحياة، و بذلك فهم مجرد ضحايا ، يتفرجون و يرتعبون مما يجري أمام أعينهم ، حتى أنهم في أغلب الأحيان يحسون و يعتبرون أنفسهم هم سبب ما يجري بين الوالدين من مشاكل لأنهم لا يفهمون ما يحصل في الوقت الذي نجد فيه أن ذلك حقهم كأفراد من الأسرة و جزء منها ، و بذلك تحصل عندهم عقدة الذنب ، فينطوون على أنفسهم ، و ينطفئون ، و نكون بذلك قد خسرنا أناسا مبدعين كان بإمكانهم أن يكونوا أناسا ناجحين فاعلين و مساهمين في تقدم بيئتهم و مجتمعهم . لكننا للأسف نكون قد كسرنا فيهم تلك الروح و الطاقة الإيجابية ، فيصبحون مجرد أناس فاشلين و ربما مدمنين و مجرمين ، فكيف نسمح لأنفسنا فعل ذلك بهم سيبرر الكثير من الآباء بصعوبة الظروف و بالضغوط التي يتعرضون لها و أنهم يعملون كل ما بوسعهم لأجل إسعاد الأبناء و هم يقصدون بذلك ما يوفرون لهم من أكل و شرب و لعب و هدايا. و أنا أرد و أقول أن عليهم ألا يعتبروا أنفسهم يقومون بواجب التربية لمجرد توفير الأكل و الشرب و المسكن فهذه مجرد رعاية فقط . في الوقت الذي نجد في التربية هي صناعة و فن و إبداع إنسان قوي و سليم على كل الأصعدة ، فيكون بذلك قد أسدى خدمة يكتبها التاريخ و يسجلها بمداد من ذهب كما حصل مع مختلف المشاهير في جميع المجالات ، العلمية و الفنية و الأدبية و غيرها .
فالتربية هي أن تقعد مع أبنائك تلاعبهم ، تسابقهم ، تنصت لمشاكلهم بل و تجس النبض لأجل ذلك ، تنظر في أعينهم فتقرأ كل الهموم و الصعوبات ، تسمع صوتهم فتدرك الحزن أو الغصة التي تخنقهم ، تمد يدك لهم حينما يحتاجونها ، و تبتعد عنهم حينما تراهم قد اشتد عودهم و أصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم . و حينما يفتقدون هذا الاهتمام و لا يودونه فإنهم كثيرا ما ينطوون على أنفسهم و يفقدون قدرة التعبير على ما يعانون منه ، فيضيعون و تضيع حياتهم .
لذلك على الأم أن تضع في أولوياتها إشباع أبنائها حبا و حنانا قبل أن تملأ معدتهم أكلا و طعاما . فهذه الأمور هي ما يبني شخصية الأبناء ، لا المال و لا الهدايا ، لأننا إذا لم نفعل ذلك فسيبحثون في الخارج عما يفتقدونه في البيت من مشاعر تضمن لهم الطمأنينة و الأمان و الصحة و العافية النفسية .
و لطالما كانت المشاكل الأسرية بين الأب و الأم سبب تعاسة و شقاء الأبناء و أحيانا اضطراباتهم و عقدهم النفسية . كما أن الهدوء و الأمان الأسري هو ما يزرع الثقة في نفوس الأبناء و يجعلهم يجابهون كل الصعوبات دون خوف أو تردد .
المشاكل الأسرية ظاهرة صحية كما يمكنها أن تكون ظاهرة خطيرة و هدامة .
*المشاكل الأسرية ظاهرة صحية : فالأسر التي تعيش صمتا مطبقا و عدم تواصل و عدم تفاعل ليست أكثر سعادة من الأخرى التي تعيش تفككا و صعوبات ، بل على العكس ، فالأسر التي تظهر بينها مشادات تستطيع أن تصل إلى بر الأمان بالحوار و تبادل الآراء و الأفكار و الاجتهاد من أجل حل الصعوبات التي
تتعرض لها .
*المشاكل الأسرية ظاهرة خطيرة و هدامة :
*المشاكل الأسرية ظاهرة صحية لكن لا يجب أن تستمر و تطول في كل وقت و حين ، فهي تشبه السيارة التي تجوب الشوارع ، و حينما تجد الإشارة الحمراء تتوقف ، و تهدأ و تستريح من أجل استئناف المسير بطريقة أفضل ، هكذا هي المشاكل ، تمنح فرصة تغيير الإيقاع و تجديد الأفكار .
لكنها حينما تسود طول النهار و الليل فإنها تشكل خطرا على الكبار و الصغار معا و تدمر شخصياتهم و قد تقتلها .
فهي تساهم في زرع الخوف و التردد و الحزن في نفوس الأبناء و خصوصا حينما تستمر دون إيجاد الحلول المناسبة لها فالمشاكل المستمرة تنذر بانقطاع حبل المودة بين الوالدين و بين كل أفراد الأسرة ، فالأجواء المسمومة كالتربة المسمومة لا تسمح بإزهار الورود الجميلة على سطحها ، و كذلك كثرة المشاحنات تدمر الأبناء و تجعل منهم أفرادا مجروحين و معطوبين ينقمون على الجميع من شدة ما قاسوه في أسرهم و بين والديهم .
الحب وحده غير كاف لتأسيس أسرة قوية و ثابتة ، هناك أمور أخرى تكمل الحب كي يتم تأسيس أسر قوية و ثابتة أمام صعوبات الحياة .
أساس الأسرة السليمة و القوية :
فمنذ التفكير في الزواج على الطرفين التفكير مليا قبل الدخول في هذا المشروع الإنساني العظيم و الخطير في نفس الوقت ، فهو عظيم حينما تستطيع الأسرة تحقيق أهدافها بالوصول إلى بر الأمان و النجاح بأفرادها . لكنها تصبح قنبلة موقوتة حينما تفشل في تحقيق ذلك . و تكون سببا في ظهور مجرمين و مدمنين يعيثون في الأرض فسادا .
البيئة الأسرية أثناء استمرار مؤسسة الزواج:

*الاختيار الصحيح : أحد أهم ركائز الأسرة القويمة ، فكل شيء زائل ماعدا الأخلاق الحميدة و القيم العليا ، لذلك فالزوجين مسؤولين كلاهما عن النتائج الكارثية التي تصل إليها العائلة في مرحلة من المراحل حيث تتعثر المسيرة و تتوقف ، و يبدأ تبادل الاتهامات بين الطرفين مع أنهما يتحملان نفس نسبة المسؤولية .
*وضع قواعد و قوانين تمشي عليها الأسرة منذ البداية :
فالأسرة تشبه الدولة و لكل دولة دستور و قوانين تمشي عليها و تنظم بها حياتها . لذلك وجب منذ البداية وضع خارطة للطريق توضح معالم المسالك و المناهج التي ستتبعها الأسرة من أجل تحقيق أهدافها ، لذلك كلما كانت القوانين واضحة سهل العيش تحت سقف واحد يمشي بضوابط مرنة أحيانا و صارمة أحيانا أخرى حسب الظروف و المواقف .
*الإلتزام التام بالواجبات و التشبث بالحقوق :
أمام كل واجب حق و أمام كل حق واجب ، و الاحترام من خلال هذا المبدا يمنح الزوجين تقدير ما يقوم به كل طرف تجاه الطرف الآخر أو تجاه الأسرة بكل أفرادها .
*المرونة في التعامل و التعامل بالحب و المودة ، يمنح جميع الأفراد روح التعاون و التعاطف و التعالي فوق الصعوبات و المشاكل . مع تحمل المسؤولية التامة في كل تصرف أو ردة فعل ، لذلك وجب على طرفي الزواج النظر بحكمة إلى أنهما مختلفين و من بيئتين مختلفتين لذلك فمن المحتمل حدوث صدامات و خلافات بين الفينة و الأخرى فهذا أمر طبيعي
لكن الغير طبيعي هو الانهيار أو الاستسلام أمام اول عقبة تعترض الطريق .
*الحوار و البحث عن الحلول المناسبة هو ما يهزم العقبات و المشاكل ، لذلك فإن نضج الطرفين و وعيهما بهذا يمنحهما القوة و الانسجام لأجل استمرار المسير نحو الأفضل ، نحو السعادة .
*التجديد و الخروج من الرتابة و الروتين:
فالتكرار و العيش بوتيرة واحدة و مستمرة في الحياة بصفة عامة يسبب الملل و النفور ، و كلا الطرفين عليهما الاجتهاد كل من جهته في سبيل منح الحياة الزوجية نفسا جديدا ، و دماء جديدة تمكنها من العيش بحماس و إقبال كبير .
البيئة الأسرية بعد الانفصال :
قد تكون مهام الأسرة المتفككة أصعب و أعقد بكثير من الأسرة المتماسكة و السليمة ، لذلك على الوالدين الوعي بأنهما حينما ينفصلان فهذا لا يعني انتهاء مهمتهما كأبوين و انتهاء كل شيء بل على العكس عليهما الوعي كليا بأن مسؤولية الأبناء أهم ما عليهما الاتفاق عليه رغم اختلافهما على كل شيء ، فالأجواء التي تسود بين المنفصلين تكون أحيانا أشد سمية و عنها كما كانت عليه قبل الانفصال ، و ذلك عن طريق تسويء سمعة كل طرف للطرف الآخر ، فقط لمجرد استمالة الأبناء لجهته كما ان الإهمال الكلي قد يكون أحد السلوكيات التي يلجأ إليها أحد الأبوين ، إما ليأسه من دوره في الأسرة و انتهاء مسؤوليته ، أو لمجرد الانتقام من الطرف الآخر . لذلك فإن الأبناء يبقون دائما هم من يدفعون الثمن غاليا جدا ، نظرا لما ينعكس على شخصياتهم فيما بعد سواء في صغرهم أو حتى و هم بالغين ، فكل الجروح التي تعرضوا لها صغارا تبقى حاضرة و مؤثرة عليهم فيما بعد .
الخاتمة :
قد يستهين الكثير من الرجال وحتى من النساء بمسؤولياتهم في الزواج، ويعتبرونها حرية شخصية، فتطغى عليهم الأنانية ولا يفكرون إلا في أنفسهم، فتضيع الأسرة وتتفكك ويضيع الأبناء و يتشردون أو ينحرفون في المستويات الاقتصادية المتوسطة أو الضعيفة، في الوقت الذي يظن فيه أصحاب المستويات الاقتصادية المرتفعة أو العالية أنهم بالمال يستطيعون شراء سعادة أبنائهم ، لكنهم يكونون مخطئين، حينما يكتشفون المشاكل النفسية لأبنائهم والتي تستمر معهم طيلة حياتهم في حال لم يتعالجوا ، فيصبحون بدورهم أناسا غير فاعلين في المجتمع وأحيانا يكونون عالة عليه أو سبب العديد من المشاكل، لأن سعادة الأبناء وصحتهم النفسية لا تكون إلا في أسرة يدفئها الحب ويزرع فيها القوة والشجاعة لمجابهة الحياة بشجاعة وتوازن ونجاح .

تعليقات (0)
اضافة تعليق