بقلم: عبدالكريم زكطة (*)
يعرف العالم العربي اليوم والمغرب خصوصا، تحولات جذرية عرت الغطاء الاجتماعي والسياسي السائد، الشيء الذي أعاد بالضرورة سؤال الديمقراطية للواجهة خاصة مع ما عرف”بالربيع العربي” الذي شكلت حركة 20 فبراير أقوى تجل له في المغرب، بالنظر إلى أثرها من جهة ما أحدثته من أحداث سياسية أساسية في المغرب المعاصر: دستور 2011، ووصول الإسلاميين للحكم، وما صاحب ذلك من إشكالات سياسية واجتماعية وغيرها. ومع جائحة كورونا عاد سؤال الديموقراطية من جديد ليؤكد نفسه كسؤال دائم في الساحة السياسية العربية والمغربية.
لقد منحت جائحة كرونا إمكانات وافرة لتقارب السلطة والمجتمع، ومع ذلك فقد تشكل بالموازاة مع ذلك إحباط وقلق وتشاؤم لدى الجماهير بالمغرب، خاصة في علاقة المجتمع بالسياسة. طبعا، قد نجانب الصواب إذا انطلقنا من منظور يغلب عليه التشاؤم، أو التفاؤل، فقد يمنع ذلك “من بناء مواقف نقدية من مختلف التصورات السائدة في مجال العمل السياسي، من قبيل تلك الموصولة بمنطق اليوتوبيا، ثم التصورات السياسية الملغومة” مثلما يقول كمال عبداللطيف، لذلك فلابد من التأكيد أن هذه الإشكالات التي يتخبط فيها المغرب من حيث التباس مسألة الديموقراطية فيه، تحتاج إلى التخلي عن منطق التفاؤل والتشاؤم وإخضاعها للتحليل العلمي الدقيق.
أفصح التصنيف الأخير لمجلة “الإكونوميست البريطانية” حول مؤشر الديمقراطية بالعالم إلى تصنيف الديمقراطية إلى ديمقراطيات كاملة نموذج: فنلندا، النرويج، وديمقراطيات ناقصة نموذج: البرتغال، البرازيل، وأنظمة استبدادية: نموذج فنزويلا، السعودية ثم ديمقراطيات هجينة أومعطوبة، نموذج: تونس، لبنان، المغرب، وقد أشار بيان هذه الوحدة الاقتصادية أنه تم قياس الديمقراطية بناء على مدى التزام المعنيين بها بمعايير أساسية أهمها: العملية الانتخابية، التعددية، أداء الحكومة، المشاركة السياسية، الحريات المدنية. لنتساءل وبقدر من الموضوعية والوطنية،ماهي أهم معيقات الديمقراطية بالمغرب؟ ما هي الآليات الأساسية لإمكان بناء ديمقراطية حقيقية بالمغرب، بعيدا عن هذه الديمقراطية المعطوبة التي تستهلك يوميا؟ ثم هل استنفذ الانتقال الديمقراطي بالمغرب كل ما في جعبته؟ وإلا فما الحاجة إلى نموذج تنموي جديد الذي دعا إليه ملك البلاد؟
“إن الخاصية الأساسية للديمقراطية تكمن في استجابة نظام الحكم بكيفية مستمرة لخيارات المواطنين، باعتبارهم متساوين سياسيا، وبناء الحكم الديمقراطي يقوم على مبدأي المنافسة العامة والحق في المشاركة، وهذان المبدآن أساسيات لقياس دمقرطة المجتمعات…”
إن روبرت دال بهذه المقولة الأخيرة يبدو غير متفائل بالوصول إلى الديمقراطية المثالية، وهو الذي يعيش في مجتمع عصري تعود على الحد الأدنى من الديمقراطية لقرون، “شأنه شأن فرنسا قبل وبعد الثورة الفرنسية، معاناة الإسبان مع حكم فرانكو لسنين والنماذج كثيرة… فكيف لبلد مثل المغرب استقل عن الاستعمار قبل ستين سنة ونيف؟ وكيف ضيع على نفسه منذ الستينات ركوب قاطرة الديمقراطية الناشئة مثلما فعلت تركيا، وكوريا الجنوبية…وغيرها من الدول التي لم تكن أفضل حالا من المغرب آنذاك. ربما نسيت الدولة الاستثمار في جوهر الديمقراطية وهو الإنسان المغربي “المواطن”، مما جعلنا أمام “مغرب الفرص الضائعة”أو ما اصطلح عليه المفكر أفاية بمغرب “الزمن المنفلت”، ولذلك صلة بعطب “الهشاشة السياسية” حسب أحد الباحثين، إذ تؤثر بحسبه هذه الهشاشة “في كل محاولة قيام نهضة ديمقراطية، رغم ما عرفه المغرب في العهد الجديد من تطورات إيجابية؛إدخال مصطلحات حديثة إلى القاموس السياسي؛ كالمفهوم الجديد للسلطة، الجهوية الموسعة، الملكية المواطنة، دستور جديد 2011، في الاقتصاد، ارتفاع الناتج الداخلي الخام، الأوراش الكبرى المهيكلة، البنية التحتية، الطرق السيار، قطار فائق السرعة،” الطرمواي”… و الاجتماع :المبادرة الوطنية للتنمية البشرية،دعم المقاولات الصغرى و المتوسطة…”، و مع ذلك فإن هذه المجهودات لم تكن كافية للإقلاع الحقيقي ودمقرطة البلاد، إذ ثمة وجود معيقات بنيوية تفرمل هذا الإقلاع من قبيل: ضعف التعليم، الهدر المدرسي، الأمية، توسع الفوارق الاجتماعية والهشاشة الاقتصاد الغير المهيكل … ثم التبرم من جعل الثقافة جزء محوريا من التنمية.
إن السياسة والبناء الديمقراطي صيرورة وعملية ممتدة في الزمن السياسي للبلاد، وليست متوقفة على غايات ذاتية أو أجندة إيديولوجية، أو دورات انتخابية، إن المفهوم الشامل للبناء الديمقراطي يجب أن يمس كل أطياف المجتمع، بتعدد وتنوع مجالاته الديمغرافية والاجتماعية والثقافية والقيمية، ولا مراء أن الإصلاح السياسي الذي بدأ منذ التناوب التوافقي الذي قاده اليوسفي رحمه الله، شكل لحظة مفصلية في هذه الصيرورة، بدءا بمحاربة ما سماه اليوسفي ب “جيوب المقاومة”، وانتهاء بإخراج المغرب من “السكتة الدماغية” التي كان على مشارفها. بالمقابل إن قلق الانتقال الديمقراطي بتعبير صلاح الوديع “تجري فصوله في زمن سياسي مطبوع بمختلف التجاذبات داخل بنية عصية عن التحديث، وعادة ما تصطدم هذه البنية بمقاومات شديدة بل وبكوابح ذاتية تجترها حتى النخب والقوى الديمقراطية.”
إن المخاضات التي يعرفها المجتمع المغربي أدت إلى إعادة تعريف السياسة، مع بروز خصوصية اللحظة التاريخية، وظهور شعارات وأصوات سياسية تتجاوز حدود اللحظة الانتخابية وتجاذباتها، لكن الحاجة قائمة أيضا إلى إعادة تعريف السلطة في المغرب، في مجموعها: الظاهر منها والخفي؛ إذ وجب التمييز بحذر شديد بين “السلطة” أي السياسة و”السيادة” أي الدولة، وقراءة مسارات الديموقراطية في الحالة المغربية بناء على هذا التمييز ومقتضياته.
إن التمييز بين مجالي السياسة و السيادة، لم يكن واضحا دائما بالشكل المطلوب، بل إن السياسة عندنا تقتحم مجال السيادة، و العكس صحيح، الشيء الذي يجعل المغرب يضيع بعضا من مميزات السياسة ” السلطة” و مميزات السيادة،”مجال الدولة…؟
زيادة على كل ذلك، وإن نحن استحضرنا مفكرا مثل عبد الله العروي، فإننا نجده يرد أهم معيقات الديمقراطية إلى شبكة من الأعطاب البنيوية، يقول في هذا الشأن: “إن إقامة نظام ديمقراطي تقف دونه معيقات اجتماعية واقتصادية ونفسية وثقافية وعائلية كثيرة جدا”،مما أفضى بالعروي، إلى رفض تبيئة نظام ديمقراطي بالمغرب، باعتبار أن الشروط الموضوعية غير كافية لذلك.
بناء عليه، يمكن أن نبسط فيما يلي أهم المداخل التي وجدناها ضرورية من أجل مد الجسور نحو الديمقراطية الفاعلة، وهي مداخل تتصل بالدولة ومؤسساتها حينا، وبالمجتمع ووسائطه أحيانا:
- ضرورة الرفع من مستوى التواصل للدولة ومؤسساتها كدعامة للديمقراطية
- تجديد المشهد السياسي
– انتقاء النخب المحلية والوطنية
-مقاومة الانتهازية والوصولية، وتجنب منطق القبيلة والعشيرة، والقرابة.
- إبعاد النخب ذات التوجه البيروقراطي اقتصاديا وإداريا عن السياسة.
- فصل الدين عن الممارسة السياسية.
- تشكيل تحالفات حزبية قوية، مع برامج انتخابية منسجمة مع التحالف.
- مبدأ سيادة القانون وصرامة المسؤولية والمحاسبة.
- الحكامة نموذج (تطعيم المغاربة بالتلقيح) كمثال متميز للحكامة، نستطيع استثمارها في مجالات أخرى…
- ترسيخ قيم الاستحقاق والإبداع عوض قيم الغش والاتكال.
- توازن الجهات.
- غرس بذور مجتمع المعرفة وجعل الثقافة جزء محوري من السياسة.
- ترسيخ العدالة الاجتماعية وحل مشكلة البطالة، الهشاشة، التفاوت الطبقي.
- دور حيوي وفعال للإعلام.
- احترام حق التعبير والاحتجاج وحقوق الأقليات.
- زرع ثقافة الاعتراف
- تبرم الأحزاب السياسية من المصالح الذاتية الضيقة وتفضيل المصلحة العامة للبلاد .
- استثمار ظروف جائحة كورونا، وتجريب ما يسمى بالديمقراطية الرقمية، والتصويت عن طريق المواقع الالكترونية والبطائق الذكية.
- انفتاح مرن وفعال على وسائل التواصل الاجتماعية، خاصة الشباب الفاعل بقوة.
- خلق حيوية سياسية عن طريق تقديم نخب جديدة وأطر شابة، ومنح دور أكبر للمرأة في المجال العام.
- تكوين وتأطير مواطنين لهم القدرة على البحث بأنفسهم عن حلول لقضاياهم “نموذج المجتمع المدني الفعال”.
- ومن هذا المنطلق و في انتظار ما سيسفر عنه مشروع النموذج التنموي الجديد، فإنه لابد من التأكيد على الحاجة إلى الانخراط المبدئي والصادق في عملية دمقرطة حقيقية لمؤسسات الدولة وبنيات المجتمع، مثلما ينبغي التأكيد على ضرورة إبداع حلول سياسية واقتصادية للأزمات الاجتماعية المتفاقمة، وفي هذا الصدد يتوجب التأكيد على أهمية مشروع التغطية الصحية والاجتماعية التي دعا إليها ملك البلاد بكل حزم، وفي حالة نجاح المشروع مستقبلا فقد يكون أشبه بالثورة الاجتماعية،أو مغرب جديد ما بعد كورونا، الشيء الذي نتمناه حقيقة مع تفاؤل حذر، نظرا لأن الكثير من المشاريع المغربية تبدأ واعدة وتنتهي بدون ثمار…
أخيرا لا يمثل كل ما قدمناه فرصة لجلد الذات أونكء الجراح، ولا هو عبارة عن خلاصات غائية ومطلقة لتجاوز الأزمة، وإنما هو مجرد مقترحات وإشارات قد تبدو غير متماسكة أحيانا، لكن الذي حركها أساسا شعورنا الوطني بالحاجة إلى الموضوعية والوطنية الإيجابية الفاعلة، ونأمل أن تشكل هذه الإشارات آذانا صاغية لترصيص أرضية صلبة وواقعية، يمكن الانطلاق منها نحو أفق المعاصرة السياسية والاجتماعية، وهو الأفق الذي يتميز بالتأكيد على حقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية مثلما أشرنا سابقا.
(*) أستاذ باحث