تتوالى الاحتجاجات في صفوف أسرة التربية الوطنية بمختلف فئاتها وتتنوع أشكالها النضالية من وقفات واعتصامات إلى مسيرات ..احتجاجات اتخذت في الآونة الأخيروتيرة تصاعدية غير مسبوقة احتجاجا ، حسب الشعارات المرفوعة هنا وهناك وبمختلف أقاليم وجهات المملكة ، على التسويف والمماطلة التي تنهجها الحكومة في التعاطي مع قضايا مختلف فئات الموارد البشرية وعدم الالتزام بما اتفق عليه بين القطاعات الحكومية في شخص وزارة التربية الوطنية وبين الشركاء الاجتماعيين من نقابات وجمعيات وتنسيقيات ممثلة للمهنيين ، واستقالتها من البحث وإيجاد الحلول الناجعة للمشاكل المطروحة..
ومن بين الفئات التي استأثرت احتجاجاتها ومطالبها وحظيت باهتمام أكبر لدى العديد من المهتمين بالشأن التربوي فئة ” الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” والذين يطالبون بإنهاء التعاقد كألية للتوظيف مقابل الإدماج في الوظيفة العمومية ..وهو الطلب الذي تقول الحكومة على لسان وزارة التربية الوطنية أنها استجابت له من خلال إدماج هؤلاء الأساتذة كموظفين تابعين للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين الشيء الذي يرفضه هؤلاء جملة وتفصيلا متشبتين بمطلبهم القاضي بإدماجهم كأساتذة تابعين لوزارة التربية الوطنية وليس للأكاديميات إسوة بنظرائهم موظفي الوزارة وبالتالي التمتع بالحقوق والمكاسب ذاتها التي يتمتع بها هؤلاء..
ولتسليط الضوء على هذا الملف ، سألنا الفاعل والباحث التربوي الأستاذ ” محمد الصديقي” حول مدى صحة وملاءمة التعاقد كآلية لتوظيف الأساتذة ومدى أحقية هؤلاء في المطالبة بالتوظيف العمومي بوزارة التربية الوطنية ، الذي أوضح بأن تجربة التعاقد تؤسس للهشاشة بالمدرسة العمومية المغربية ، وهي تجربة تمت فيها مراعاة التزامات الحكومة مع صندوق النقد الدولي أو البنك العالمي ولم تراعى فيها التزامات الاستقرار الوطني والداخلي وهو ما يهمنا كمغاربة ولا يهمنا أن نعطي بطاقة بيضاء لأي أحد خارجي من أجل التحكم فينا ..مستطردا أن مسألة التعاقد في الدول التي تحترم نفسها تكون في المهام المؤقتة ضاربا مثلا بمشغل ما: إدارة أو مؤسسة أو شركة تتوفر على أرشيف غير منظم ، قد يتعاقد مع شخص أو عدة أشخاص أو مكتب أو جهة للقيام بعملية تنظيم هذه الأرشيف في مدة محددة قد لا تتعدى ثلاث سنوات بمعنى أن التعاقد يكون في مدد محددة ومهام مؤقتة ولا يمكن قطعا أن يسن في مهام لمدة ثلاثين أو أربعين سنة أو على مدى الحياة المهنية إلى حد التقاعد ، فلا تعاقد حتى التقاعد..مبرزا أن هناك مسكوت عنه لم يعلن بشكل صريح في هذا الملف في إطار التعاقد المجتمعي بشكل واضح بين الحكومة وبين الجهة التي قررت وبين الجهة التي يمارس عليها القرار ..
وحول ما تروج له وزارة التربية الوطنية من أن هؤلاء الأساتذة لم يجبروا على التوقيع على التزامهم بالتوظيف كمتعاقدين ووقعوا بمحض إرادتهم وبالتالي لا يحق لهم الاحتجاج ، يشرح الخبير التربوي الأستاذ الصديقي على أن أي متعاقد وقع العقد وتبين له فيما بعد أن هناك أمر غير سوي فمن حقه الاحتجاج والمطالبة بالإنصاف ، مستدلا بما فعلته المملكة المغربية سابقا من خلال توقيع عقد الحماية ورغم ذلك قامت بالمطالبة بالاستقلال وناضلت حتى حصلت عليه ولم تقبل أن تبقى تحت الحماية والاستعمار إلى الأبد..مشددا على أن أي عقد أو تعاقد أحس موقعه أنه ينطوي على ظلم من حقه رفضه والاحتجاج عليه من أجل تحسين شروط عمله وهذا يكفله الدستور والمواثيق الدولية..
وفي شأن ما قد يتبادر لذهن الحكومة من أن تصويتنا عليها يعتبر كتوقيع منا لها على شيك على بياض يخول لها اتخاذ القرار دون أن يلقى الرفض أو الاحتجاج ، شدد الأستاذ الصديقي أن تصويتنا على الأحزاب المشكلة للحكومة ليس معناه أن يأخذوا منا تقاعدنا أو يزيدوا في الأسعار أو يحرروا أسعار البنزين أو يقرروا على التعاقد في التعليم ..وبالتالي – يضيف – أنه لما يخرق جوهرالتعاقد التي وضع في الأصل بين الشعب والحكومة فمن حق هذا الشعب أن يحتج وأن يطالب بالإنصاف وإعادة الأمور إلى نصابها ، وإلا فإننا لا نبني لدولة المؤسسات والديمقراطية وحقوق الإنسان بل نبني لتعاقد الإذعان ولدولة الخنوع وهذا مرفوض..مشددا على أن كل إهانة للمدرسة فهي إهانة للوطن ، وعندما يهان الوطن فإننا نساهم في تفكيك بنية الدولة ..
واعتبارا لكون هذه الاحتجاجات والإضرابات قد تضر بمصلحة التلميذ وبالمدرسة العمومية كما جاء على لسان مسؤولين حكوميين ، تساءل المتحدث ذاته ” من المسؤول عن ضياع المتعلم قبل الحديث عن الغياب أو الإضراب أو الاحتجاج ؟ وماذا ندرس لهذا المتعلم ؟ هل ما ندرسه يخلق منه فعلا ذاك المواطن الصالح الذي نريده لوطننا ؟ وإذا كان الذي يحتج يعتبر بفعله هذا ليس مواطنا صالحا ، فهو ليس إلا نتاج المدرسة العمومية ..
وحول المدرسة العمومية المغربية التي نريدها ، يرد الأستاذ الصديقي متسائلا عن أي مدرسة نريد ولأي مجتمع ، هل لمجتمع مغربي يتوق للحرية والتعلم والدخول إلى عالم المعرفة ؟ وهل المدرسة المغربية تؤسس للمعرفة ؟ ليخلص إلى أن من حق الشعب أن يحتج ومن واجب الحكومة أن تقوم بعملية رجع الصدى وتنصت لهؤلاء المحتجين والذين لا يطالبون بأشياء كثيرة تتطلب ميزانيات ضخمة بل يطالبون بحقوق بسيطة ومستحقة سواء منهم المساعدون التقنيون أو المتصوفون أو أطر المراقبة والإدارة التربوية أو أطر التدريس أو ضحايا النظامين أوغيرهم.