بقلم: ذ. احماد وفروخ
تناولنا في مقالنا هذا ملفا شائكا يُعبر عن خلل منهجي عميق في آليات تدبير وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة لمواردها البشرية، ويتعلق الأمر بتطبيق المادة 76 من المرسوم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024 في شأن النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة. وقد سبق لنا أن نشرنا مقالا في نفس الموضوع وسميناه ب “المادة 76 شمس الإنصاف تبدد غيوم الادعاءات في سماء الإصلاح التربوي، نشر في يناير 2024.
تضم المادة 76 فئة من الموظفين تُعدّ قليلة عددا، غير أن ملفها يكشف عن بؤس حقيقي في سلوك الإدارة الوصية إزاء موظفيها حين يتعلق الأمر بتكريس الحقوق القانونية المكتسبة. ولهذا ذكرنابالتحليل والنقد المراحل المتعاقبة التي قطعها المعنيون –من التكوين واستيفاء مجزوءاته الثمانية، مرورا بمناقشة التقرير،وانتهاء بنشر اللوائح واستلام الشهادات، لنصل إلى السؤال الجوهري: لماذا تتماطل الوزارة في تسوية وضعية موظفين أثبتوا استيفاء كل شروط الإدماج؟ ونختم بتوصيات موجهة للوزارة ومحرضي الملف ولأصحاب الحق أنفسهم.
لا يُفهم تماطل الوزارة في تطبيق المادة 76 دون استحضار الإطار القانوني الذي نشأت في سياقه. فالنظام الأساسي لعام 2024 جاء في سياق مراجعة شاملة لأوضاع الموارد البشرية بقطاع التربية الوطنية، وقد خصّص بنص صريح آلية استثنائية تُتيح إدماج المستشارين في التوجيه والتخطيط التربوي والممونين في هيئة التفتيش. فقد نصّت المادة صراحة على أنه “يدمج سنويا، ابتداء من فاتح يناير 2024 ولمدة ست (6) سنوات، بناء على طلبهم، المستشارون في التوجيه والمستشارون في التخطيط والممونون المرتبون جميعهم في الدرجة الأولى على الأقل، في تاريخ تقديم الطلب، وذلك في الدرجة المطابقة لدرجتهم الأصلية بهيئة التفتيش والتأطير والمراقبة والتقييم“.
والقراءة المتأنية للنص تُفيد بوضوح أن المشرّع أرد أن يمنح هذه الفئة -التي أمضت سنوات في رصيدها التجريبي الميداني وتراكمت لديها كفايات مهنية موثّقة- حقا مشروعا في الارتقاء إلى هيئة التفتيش بعد استيفاء شروط التكوين الخاص. والحق هنا ليس منّةَ إدارية ولا هبةَ تقديرية، بل التزام دستوري يُقيّد الوزارة بموجب مبدأ المشروعية. فالفصل السادس من دستور 2011 يُقرّ أن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له”. ومعنى ذلك أن التزام الوزارة بتطبيق المادة 76 ليس اختيارا، بل فريضة دستورية تخضع لرقابة القضاء الإداري.
ولاستيعاب عمق الإشكال ينبغي الإشارة إلى أن الوزارة أصدرت بعد شهر من المرسوم مرسوم إعادة تنظيم مركز التوجيه والتخطيط التربوي في يونيو 2024 ، كما أن مركز تكوين مفتشي التعليم قائم بنصوصه التنظيمية، وهو ما يعني أن البنية المؤسسية التي استدعتها المادة وُفرت من الناحية القانونية والمادية.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى ان هذه الفئة ليست نزاعا بين الوزارة وموظفين متمردين، بل هي فئة مهنية نظيفة الملف، استوفت الشروط القانونية التي صرحت بها المادة 76 وهي كونهم مرتبين في الدرجة الأولى على الأقل، وقدموا طلباتهم، واستفادوا من التكوين، وناقشوا تقاريرهم العلمية بنجاح، وتوصلوا بشهاداتهم. غير أن الوزارة التي أبدعت في صياغة النصوص عاجزة -أو ربما متعمدة الإحجام- عن إخراج الإدماج من عالم الورق إلى عالم الواقع.
نصت المادة الثانية من القرار على أن التكوين الخاص ينظم كل سنة ولمدة ست سنوات ابتداء عن 2024، بمركز التوجيه والتخطيط التربوي بالنسبة للمستشارين في التوجيه والتخطيط التربوي بالنسبة للمستشارين في التوجيه والتخطيط التربوي، وبمركز مفتشي التعليم بالنسبة للممونين. وهو نص واضح لا لبس فيه في تحديد الإطار الزمني والمؤسسي.
تشمل البنية التكوينية المقررة -وفق المادة الرابعة- أنشطة نظرية وتطبيقية ومسالك تكوين ذاتي مؤطر، فضلا عن إعداد تقرير تركيبي، وذلك على امتداد ثلاثة أشهر متتالية. وتشمل وحدات البرنامج: سوسيولوجيا التنظيمات، ومشروع المؤسسة المندمج، والتفتيش والافتحاص، والتأطير والمواكبة، والوساطة في الوسط المدرسي…“ فصدر القرار التنظيمي ولوائح المستفيدين.
فهل تدرك الوزارة، في حضور هذا المسار التشريعي والإجرائي المكتمل (نُظّم التكوين فعليا ونوقشت التقارير)، أن كل يوم تأخير في إدماج (تسوية الوضعيتين الإدارية والمالية) المعنيين في إطارهم الجديد هو يوم تُمنح فيه حقوق قانونية مكتسبة لأصحابها؟ وهل تُدرك أن الإشكال ليس تقنيا، بل سياسيا في جوهره؟
استنتاج: “إن الحقيقة التي يُخفيها خطاب الوزارة القانوني لا يعدو أن يكون غطاء لحسابات فئوية“.
نصّت المادة السادسة على أن كل مستفيد من التكوين الخاص ينجز تقريرا تركيبيا يُجسّد حصيلة تكوينه الذاتي مع تحليل لممارسته المهنية ويستثمر فيه تكوينه النظري والتطبيقي. ويُناقش هذا التقرير أمام لجنة تتشكل من الأستاذ المؤطر وأستاذين آخرين على الأكثر.
في مبدئه، اعتبرنا هذا الشرط منطقيا وضروريا ويمنح العملية مصداقية ومهنية. فالتقرير التركيبي أتاح للمستفيدين استحضار مسارهم المهني وتأملوه نقديا، وهو ما شكل في حد ذاته إضافة قيمية لمسارهم، ولمنظومتنا التربوية.
نصت المادة الثامنة على أن مركز التوجيه والتخطيط التربوي ومركز تكوين مفتشي التعليم يُسلمان شهادات تُثبت استيفائهممن جميع الوحدات المقررة، يتم اعتمادها لإدماج المعنيين بالأمر، حسب الحالة، إما في إطار مفتش في التوجيه التربوي أو مفتش في التخطيط التربوي أو مفتش الشؤون المالية.
يبدو النص في ظاهره تلقائيا: شهادة تُسلّم، يتبعها الإدماج. غير أن التجربة البيروقراطية علمتنا أن بين استلام الشهادة والإدماج الفعلي مسافة طويلة تُسميها وزارتنا“إجراءات” ويُسميها أصحابها “تماطلا”. فمن يصدر قرار الإدماج؟ وفي أي أجل؟ وما المسطرة القانونية الدقيقة التي تربط استلام الشهادة بصدور قرار الإدماج؟ هذه التفاصيل غائبة وهو غياب ليس بريئا.
أما التعويض المالي عن التكوين، المنصوص عليه في المادة الرابعة، حين يكون منظما خارج مدينة مقر عمل المستفيد، فهومبدأ قائم على أحكام تنظيمية سارية. بيد أن الإشكال ليس في مبدأ التعويض، بل في آليات صرفه: فالتعويضات تخضع لمسطرة اعتماد وأداء قد تمتد لأشهر، وهو ما يُلقي بأعباء مادية على موظفين شاركوا في التكوين خارج مقر إقامتهم على نفقتهم الخاصة في انتظار التسوية. وهذا الوضع يُضاف إلى الإحساس العام بعدم الاعتراف الذي تراكمه الإدارة في نفوس هؤلاء الموظفين.
يُعدّ هما المحور قلب مقالنا النابض، لأنه سيحاول الإجابة عن السؤال الذي تختبئ وراء كل التفاصيل التقنية: لما تتأخر الوزارة -والتي أصدرت المادة والمرسوم بنفسها- في تطبيق ما أصدرته؟ الإجابة لا توجد فيما سمته بالترخيص الاستثنائي … ولا في الفراغ القانوني، بل في جملة من العوامل المتشابكة التي تكشف عن حوكمة هشّة وإدارة متذبذبة.
العامل الأول هو الضغط الفئوي المنظّم. فالفئات التي تعارض تطبيق المادة 76 -بذريعة لا يعلمها إلا أصحابها– لجأت إلى خطاب يوظّف حججا قانونية انتقائية، كما يبدو جليا في بعض خرجاتهم (تعليقات/ تدوينات/ مقالات) الرائجة على الفضاء الرقمي. هذا الخطاب العدائي المبني على الوصاية الفئوية يستهدف تليين الإرادة السياسية للوزارة وجعل التطبيق مكلفا سياسيا.
العامل الثاني هو ثقافة التسويف البيروقراطي، فكل متتبع للشأن التربوي يعلم أن الفجوة بين إصدار النصوص التطبيقية وتطبيقها تتسع كلما تعلق الأمر بحقوق الموظفين ذوي النفوذ المحدود. والمعنيون بالمادة 76 -على الرغم من كفاءاتهم التي لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد– ليس جسما نقابيا ذا ثقل تفاوضي ضاغط، مما يجعلهم في مرتبة أضعف في موازن استجابة الوزارة.
العامل الثالث هو الخلط الإعلامي المتعمّد بين نقاش المشروعية ونقاش التكوين/الأهلية. فتمت قيادة النقاش -عند أهل البدع (من كان جاهلا أو جاحدا) –نحو مشروعية الإدماج – وهو أمر حُسم بنص مرسوم سامٍ– مما شتّت طاقة المعنيين في معركة المبدأ بدلا من معركة التطبيق.
العامل الرابع هو الإرث البنيوي للتردد في تطبيق التوصيات الإصلاحية. فتقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين بُشير إلى نمط متكرر لا إلى حادثة فردية. فالوزارة تُتقن وتُبدع في إصدار النصوص وتخفق في تنزيلها، وهو ما يجعلها تفقد مصداقيتها،كما تجعل ثقة الموظفين في تراجع مستمر.
أولا: توصيات للوزارة
تنطلق التوصيات الموجهة للوزارة من منطلق الواجب الدستوري قبل منطلق الاقتراح. فالوزارة ملزمة قانونيا بما يلي:
ثانيا: توصيات لمعارضي المادة
إن النقد المشروع لأي سياسة عمومية يستوجب حدا أدنى من الأمانة المنهجية في التحليل. ومن المؤسف أن البعض انزلق إلى مزالق لا تخدم أصحابها. وفيما يلي جملة من التوصيات لهؤلاء إن أرادوا فعلا -وقد نجزم أنه ليس كذلك- أن يسهموا في نقاش بناء حقيقي:
توصيات للمعنيين بالمادة
يدخل المعنيون بالمادة في موقع المستفيد من حماية القانون، غير أن هذا الحق المكتسب لا يعمل من تلقاء نفسه. لهذا، يجب:
في مجمل ما أفصحنا عنه في هذا المقال هو أن المادة 76 ليست مجرد مشكلة إدارية أو تقنية في المسار الوظيفي لفئة عددية محدودة. بل هي اختبار لمصداقية إصلاحنا التربوي ولمدى إخلاص وزارتنا لمبدأ سيادة القانون.
يستحق المعنيون بالمادة 76 -وهم قلة في العدد، لكنهم كثرة في الاستحقاق- أن يُسمعوا، لا لأنهم يملكون قوة الضغط الفئوي، بل لأن القانون في جانبهم. ودستور المملكة واضح في أن السلطات العمومية ملزمة يالامتثال للقانون شأنها شأن الأفراد، وأن إدماج هذه الفئة ليس منحة، بل استحقاق قانوني.
إن المؤسسة التربوية التي تعجز عن الوفاء بالتزاماتها القانونية نحو موظفيها لا يمكنها أن تطالبهم بالالتزام والإخلاص والتجديد. وعدالة الإدارة نحو منتسبيها هي الشرط الأخلاقي الأول لاستعادة الثقة في المنظومة التربوية، ومن ثمة في مستقبل الإصلاح التربوي المنشود.
ويبقى أملنا أن تثبت الوزارة أن نصوصها ليست حبرا على ورق، وأن تنزيل المادة 76 بأمانة وسرعة ووضوح هو الرد الوحيد والجدير على كل الجدل الدائر في الوسط التربوي.
“الحق لا يسقط بالتقادم الإداري”
المصادر والمراجع:
أولاً: النصوص القانونية والتنظيمية
دستور المملكة المغربية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر.
القانون الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.19.113 بتاريخ 25 يوليو 2019، الجريدة الرسمية عدد 6794.
المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 13 من شعبان 1445 (23 فبراير 2024) في شأن النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية، الجريدة الرسمية عدد 7262.
المرسوم رقم 2.24.395 الصادر في 5 ذي الحجة 1445 (12 يونيو 2024) بإعادة تنظيم مركز التوجيه والتخطيط التربوي.
المرسوم رقم 2.08.521 الصادر في 19 من ذي الحجة 1429 (18 ديسمبر 2008) في شأن إعادة تنظيم مركز تكوين مفتشي التعليم، كما وقع تغييره وتتميمه.
المرسوم رقم 2.93.534 الصادر في 20 ربيع الأول 1414 (8 سبتمبر 1993) بتحديد شروط منح تعويض للموظفين الذين يقومون بتأطير وتنشيط تداريب التكوين المستمر.
المرسوم رقم 2.05.1366 الصادر في 29 من شوال 1426 (2 ديسمبر 2005) المتعلق بالتكوين المستمر لفائدة موظفي وأعوان الدولة.
مشروع قرار وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتحديد كيفيات تنظيم التكوين الخاص لفائدة المستشارين في التوجيه التربوي والمستشارين في التخطيط التربوي والممونين، 26 سبتمبر 2024.
القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.91.225 بتاريخ 10 سبتمبر 1993، الجريدة الرسمية عدد 4227.
ثانياً: الدراسات والتقارير
المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2018). ملخص تقرير الارتقاء بمهن التربية والتكوين والبحث والتدبير. الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين.
وفروخ، احماد. (15 يناير 2025). المادة 76 شمس الإنصاف تبدد غيوم الادعاءات في سماء الإصلاح التربوي. [مقال رأي منشور في الفضاء الرقمي].