المغرب بسرعتين.. بين الحقيقة الملكية والصورة المزيفة للحكومة

“لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”. الملك محمد السادس

بقلم: عمر المصادي

“لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”. الملك محمد السادس

في خضم الظرفية الإجتماعية والإقتصادية الدقيقة التي تعيشها بلادنا، جاء خطاب العرش الأخير لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، ليضع اليد على مكامن الخلل بوضوح غير مسبوق، مشيرا إلى واقع “مغرب يسير بسرعتين”: مغرب يستفيد من ثمار النمو والإستثمارات، وآخر يعاني من الإقصاء، التهميش، ونقص الخدمات الأساسية. خطاب ملكي قوي، صريح، وموجه بالأساس إلى من يتحملون مسؤولية القرار العمومي، وعلى رأسهم الحكومة.
لكن، وبعد أيام قليلة فقط، خرج رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش في حوار عبر قنوات الإعلام العمومي، ليقدم صورة وردية عن الواقع الوطني، محاولا إقناع المغاربة أن كل شيء على ما يرام، وأن الحكومة تسير بخطى ثابتة نحو “الإصلاح والتنمية”، وهنا يطرح السؤال نفسه، وبقوة: هل رئيس الحكومة يتحدث فعلا عن نفس المغرب الذي تحدث عنه جلالة الملك؟ أم أن هناك قطيعة حقيقية بين ما يراه المسؤولون من مكاتبهم، وما يعيشه المواطن في أعالي الجبال، وسهول المغرب العميق، وهوامش المدن؟

لقد دعا الملك إلى تعزيز العدالة المجالية كشرط ضروري للعدالة الإجتماعية، لم يأت رئيس الحكومة بأي تعهد واضح لتصحيح هذا الخلل البنيوي، لم نسمع منه خطة واقعية لتنمية المناطق المهمشة، ولا اعترافا صريحا بحجم الفوارق المجالية التي تهدد تماسك النموذج التنموي الوطني، بل اكتفى بلغة الأرقام والنسب المئوية، وكأن الوطن يدار عبر الجداول البيانية، لا عبر الإنصات الحقيقي لمشاكل الناس.

لقد تحدث الملك عن الفجوة الصارخة بين مناطق تزدهر بفعل الدينامية الإقتصادية، وأخرى تعيش خارج الزمن التنموي، لكن رئيس الحكومة تجاهل هذا النداء الملكي، واستمر في الحديث عن “منجزات حكومته”، بينما لا يزال سكان عشرات الجماعات القروية يعانون من العطش، وانقطاع الطرق، وغياب التطبيب، وهدر مدرسي مقلق.
كيف يمكن لحكومة تقول إنها “اجتماعية” أن تصم آذانها عن رسائل العرش، وأن تتصرف وكأن المغرب موحد في الفرص والبنيات والخدمات؟

الأخطر من كل ذلك أن تصريحات السيد رئيس الحكومة تزيد من أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، حين يرى المواطن أن الخطاب الملكي يعكس معاناته بدقة وصدق، ثم يسمع من رئيس الحكومة كلاما مخالفا، يتولد لديه شعور بالإحباط، وحتى بالسخرية، فكيف يعقل أن يكون رأس الدولة أقرب لنبض الشعب من من يفترض أنهم يمارسون الحكم التنفيذي اليومي؟

ما تحتاجه الحكومة اليوم ليس حوارات تجميلية ولا خطابات مطمئنة، بل تحتاج إلى حكومة مسؤولة تتحلى بالشجاعة السياسية للإعتراف بالإختلالات، وامتلاك الجرأة لتغيير السياسات، وتسريع الإصلاحات الحقيقية، حكومة تعيد الثقة للمواطن، وتترجم التوجيهات الملكية إلى خطط ملموسة.
إن خطاب العرش ليس مجرد مناسبة سنوية، بل خارطة طريق واضحة، وأي تجاهل لمضامينه هو تجاهل لإرادة الأمة، واستخفاف بطموحات ملايين المغاربة الذين ما زالوا ينتظرون عدالة مجالية حقيقية، وكرامة كاملة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق