بقلم: عمر المصادي
يعد المغرب من بين الدول التي نجحت في بناء نموذج مجتمعي متوازن، قائم على قيم الإنسانية والخير والتعايش، وهي قيم لم تأت وليدة اللحظة، بل تشكلت عبر قرون من التفاعل الحضاري والتنوع الثقافي، فقد استطاع المجتمع المغربي أن يحول هذا التنوع إلى مصدر قوة وغنى، بدل أن يكون سببا في الإنقسام أو الصراع.
منذ القدم، عرف المغرب بكونه أرضا للتسامح والإنفتاح، حيث تعايشت على أرضه مكونات متعددة، من عربية وأمازيغية وأندلسية وإفريقية، إلى جانب حضور الديانات السماوية المختلفة، هذا التعدد ساهم في ترسيخ ثقافة قبول الآخر، وجعل من التعايش سلوكا يوميا يمارسه المغاربة في مختلف مناحي حياتهم.
وتلعب الأسرة دورا محوريا في غرس هذه القيم، إذ تعتبر الفضاء الأول الذي يتعلم فيه الطفل مبادئ الإحترام والتضامن والتسامح. فمن داخل البيت، يكتسب الأبناء سلوكيات إيجابية، كالتعاون مع الآخرين، ومساعدة المحتاج، واحترام الكبير، وهي قيم تترجم لاحقا في تعاملاتهم داخل المجتمع.
إلى جانب ذلك، تضطلع المدرسة بدور أساسي في تعزيز هذه المبادئ، من خلال إدماج قيم المواطنة وحقوق الإنسان في المناهج الدراسية، وتنظيم أنشطة تربوية وثقافية تنمّي روح العمل الجماعي وتشجع على الحوار ونبذ العنف. وبذلك تسهم المؤسسة التعليمية في إعداد جيل واع بأهمية التعايش السلمي.
ولا يمكن الحديث عن القيم الإنسانية في المغرب دون الإشارة إلى الدور الذي يلعبه الدين الإسلامي، الذي يدعو إلى الرحمة والتسامح والتكافل الإجتماعي. فالنموذج المغربي في التدين يتميز بالإعتدال والوسطية، مما يعزز ثقافة التعايش ويحمي المجتمع من مظاهر التطرف والإنغلاق.
كما يلعب الإعلام دورا محوريا في ترسيخ هذه القيم داخل المجتمع المغربي، باعتباره وسيلة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وتوجيه السلوكيات، فمن خلال البرامج التلفزية والإذاعية والمقالات الصحفية ومنصات التواصل الإجتماعي، يساهم الإعلام في نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، والتعريف بأهمية التضامن والتكافل الإجتماعي. كما يسلّط الضوء على المبادرات الإنسانية والأعمال الخيرية، مما يشجع الأفراد على الإقتداء بها والإنخراط في العمل التطوعي، وفي المقابل، يتحمل الإعلام مسؤولية أخلاقية كبيرة في تجنب نشر خطاب الكراهية أو التمييز، والعمل على تعزيز الحوار البناء والإحترام المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الريادي الذي يقوم به جلالة الملك محمد السادس في ترسيخ قيم الإنسانية والتعايش، حيث ما فتئ يؤكد في خطاباته على أهمية الإعتدال والتسامح والإنفتاح، وقد أطلق جلالته العديد من المبادرات الإجتماعية والإنسانية التي تستهدف دعم الفئات الهشة وتعزيز التضامن الإجتماعي، كما يعمل على ترسيخ نموذج ديني قائم على الوسطية، يحارب التطرف ويشجع على الحوار بين الثقافات والأديان، ويعد الإهتمام الذي يوليه جلالته لإفريقيا والعمل الإنساني خارج حدود الوطن دليلا على التزام المغرب بقيم التعاون والتضامن الإنساني على المستوى الدولي.
كما تعمل الدولة، من خلال سياساتها العمومية، على دعم هذه القيم عبر إطلاق مبادرات اجتماعية وإنسانية تستهدف الفئات الهشة، وتشجيع العمل الجمعوي، وتعزيز مبدأ التضامن بين أفراد المجتمع، وقد تجلت هذه الروح بشكل واضح في العديد من المحطات، حيث أبان المغاربة عن حس تضامني كبير في مواجهة الأزمات.
وتظهر مظاهر التعايش في الحياة اليومية للمغاربة، سواء من خلال العلاقات الإجتماعية القائمة على الإحترام المتبادل، أو من خلال التعايش بين أتباع الديانات المختلفة، أو عبر المشاركة الجماعية في المناسبات الوطنية والدينية.
كما يبرز دور الشباب بشكل متزايد في نشر ثقافة العمل التطوعي والخيري، مما يعكس وعيا متناميا بأهمية القيم الإنسانية.
في ظل عالم يشهد تصاعد التوترات والصراعات، يبرز النموذج المغربي كأحد النماذج الملهمة في ترسيخ ثقافة التعايش والسلام.
فالقيم الإنسانية لم تعد خيارا، بل أصبحت ضرورة لضمان استقرار المجتمعات وتقدمها.
وفي الأخير يجب التأكيد على أن يبقى رهان الحفاظ على هذه القيم مسؤولية جماعية، تتقاسمها الأسرة والمدرسة والإعلام ومختلف مؤسسات المجتمع.
فالمغرب، بما يحمله من رصيد حضاري وثقافي، وبقيادته الرشيدة، قادر على مواصلة هذا المسار، وترسيخ مكانته كنموذج إنساني قائم على التسامح والتعايش.