بالواضح – الرباط
لم تعد العلاقات بين الدول تُصنع فقط داخل قاعات المفاوضات الرسمية أو عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية. فالعالم الذي تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والثقافية والتعليمية بات يفتح أمام الدول مساحات جديدة لبناء النفوذ، تبدأ أحياناً من جامعة، أو جمعية، أو مبادرة ثقافية، وقد تنتهي إلى شراكة اقتصادية أو تقارب سياسي.
في هذا التحول، يبرز تنامي الحضور المغربي في عدد من الفضاءات الآسيوية، ليس باعتباره بديلاً عن الدبلوماسية الرسمية، وإنما كامتداد لها في مجالات يصعب على القنوات الحكومية وحدها تغطيتها. وتقدم أنشطة الجمعية المغربية للتعاون والصداقة بين الشعوب، التي يرأسها حسن العماري، مثالاً على هذا النوع من الحضور الذي يتقاطع فيه الثقافي بالأكاديمي والإنساني والاقتصادي.
من العلاقات الثنائية إلى بناء شبكة
تكمن أهمية هذا المسار في أنه لا يتعامل مع آسيا باعتبارها فضاءً واحداً، وإنما يسعى إلى بناء علاقات متعددة المداخل.
فماليزيا شكلت محطة بارزة في التجربة، قبل أن تمتد التحركات إلى دول أخرى مثل كازاخستان وأذربيجان والصين. وتظهر أنشطة الجمعية في السنوات الأخيرة انتقالاً تدريجياً من التواصل الثقافي التقليدي إلى البحث عن مجالات تعاون أكثر تنوعاً، تشمل التعليم والجامعات والثقافة والاقتصاد.
وفي الصين، برز خلال سنة 2026 مسار تعاون بين الجمعية المغربية للتعاون والصداقة بين الشعوب وجمعية صينية، كما أُعلن عن مذكرة تفاهم مرتبطة بالابتكار التعليمي والتبادل الثقافي.
أما كازاخستان، فقد اتخذ الحضور بعداً أكاديمياً وثقافياً واضحاً، من خلال المشاركة في ندوات وفعاليات تتصل بالتاريخ والتراث والعلاقات الحضارية بين المغرب وآسيا الوسطى.
وهنا تبرز نقطة أساسية: القوة الحقيقية لهذه المبادرات لا تقاس بعدد اللقاءات، وإنما بقدرتها على تحويل اللقاء إلى علاقة مستمرة، والعلاقة إلى تعاون، والتعاون إلى مصالح مشتركة.
الثقافة ليست هامشاً في العلاقات الدولية
لسنوات طويلة، جرى التعامل مع الثقافة باعتبارها عنصراً مكملاً للدبلوماسية، بينما تكشف التجارب الدولية الحديثة أنها قد تكون إحدى أكثر أدواتها فعالية.
فحين يتعرف الطالب الآسيوي على المغرب من خلال جامعة مغربية، أو يكتشف الباحث تاريخ المملكة من خلال مؤتمر علمي، أو يتعرف المستثمر على منتجات مغربية عبر فعالية ثقافية، فإن صورة البلد تتشكل خارج الخطاب السياسي المباشر.
وهذا بالضبط ما يجعل الدبلوماسية الثقافية ذات قيمة استراتيجية.
وفي الحالة المغربية، تصبح هذه المسألة أكثر أهمية بالنظر إلى تنوع عناصر القوة الناعمة التي يمكن توظيفها في آسيا: التاريخ، الدين المعتدل، الثقافة، الجامعات، السياحة، الصناعات التقليدية، الفنون، الرياضة، والموقع الجغرافي الذي يجعل المملكة نقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المبادرات الثقافية والأكاديمية مجرد أنشطة موازية، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات لبناء معرفة متبادلة أكثر عمقاً.
لماذا آسيا؟
السؤال لا يتعلق فقط بكيفية حضور المغرب في آسيا، وإنما أيضاً بسبب أهمية آسيا بالنسبة للمغرب.
فالقارة تضم قوى اقتصادية وسياسية وثقافية صاعدة، وتمتلك أسواقاً واسعة وقدرات استثمارية وتكنولوجية متقدمة. ولذلك فإن بناء شبكة علاقات واسعة معها لم يعد خياراً ثانوياً.
واللافت أن التجربة المغربية لا تتحرك في اتجاه واحد. فالعلاقة مع ماليزيا تختلف في طبيعتها عن العلاقة مع الصين، كما تختلف عن العلاقة مع دول آسيا الوسطى. لكن القاسم المشترك بينها هو البحث عن مساحات تتجاوز العلاقات الحكومية المباشرة.
وهنا يمكن للدبلوماسية الموازية أن تؤدي وظيفة مهمة: فتح الأبواب التي قد تحتاج الدبلوماسية الرسمية إلى وقت أطول لفتحها، ثم إحالة ما ينضج فيها إلى المؤسسات المختصة.
حسن العماري.. تجربة مغربية في بناء الجسور الآسيوية
ضمن هذا المشهد، يمكن النظر إلى حسن العماري باعتباره أحد النماذج المغربية التي اختارت الاشتغال في هذه المنطقة الرمادية بين الرسمي وغير الرسمي.
لكن الأهم ألا تتحول التجربة إلى قصة شخص، لأن قيمتها الحقيقية تتجاوز الشخص نفسه.
فالمسألة ترتبط بسؤال أكبر: هل يستطيع المغرب أن يبني، إلى جانب علاقاته الرسمية، شبكة مستدامة من الجامعات والجمعيات والمراكز الثقافية والفاعلين الاقتصاديين والمهنيين القادرة على حمل صورة المملكة إلى مجتمعات بعيدة جغرافياً عنها؟
إذا كان الجواب بالإيجاب، فإن الدبلوماسية الموازية تصبح جزءاً من منظومة القوة الناعمة، وليس مجرد نشاط جمعوي ظرفي.
وتشير التجربة الممتدة للجمعية التي يقودها العماري إلى محاولة بناء هذا النوع من الشبكات، خصوصاً من خلال الحضور في فضاءات آسيوية مختلفة وربط العلاقات الثقافية والأكاديمية بمبادرات اقتصادية وإنسانية.
من التعارف إلى المصالح
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد مرحلة التعارف.
فالصور واللقاءات والندوات والزيارات يمكن أن تصنع انطباعاً إيجابياً، لكنها لا تكفي وحدها لبناء علاقات استراتيجية.
المطلوب هو الانتقال من دبلوماسية التعارف إلى دبلوماسية المصالح: برامج جامعية مشتركة، تبادل للطلبة والباحثين، مشاريع استثمارية، تعاون تكنولوجي، شراكات في الصناعات الثقافية، وترويج للمنتجات المغربية في الأسواق الآسيوية.
وحين تصبح هذه النتائج قابلة للقياس، يمكن الحديث فعلاً عن قوة ناعمة مغربية تتشكل خارج الأدوات التقليدية.
المغرب أمام فرصة آسيوية
المغرب لا يبدأ من الصفر في هذا المجال. فقد راكم خلال السنوات الماضية رصيداً مهماً من العلاقات السياسية والاقتصادية مع عدد من الدول الآسيوية، كما راكمت المملكة تجربة واسعة في توظيف الثقافة والدين والتعليم والرياضة في تعزيز حضورها الخارجي.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شيء آخر: تنسيق الجهود المتفرقة وتحويلها إلى رؤية متكاملة.
فالجمعيات تستطيع فتح الأبواب، والجامعات تستطيع إنتاج المعرفة، والقطاع الخاص يستطيع تحويل العلاقات إلى استثمارات، والمؤسسات الرسمية تستطيع منح هذه الدينامية الإطار الاستراتيجي الذي تحتاجه.
وعندها فقط تصبح الدبلوماسية الموازية جزءاً من منظومة متكاملة للحضور المغربي في الخارج.
ولعل تجربة حسن العماري، بما راكمته من علاقات مع فضاءات آسيوية مختلفة، تطرح هذا السؤال أكثر مما تقدم جواباً عنه: هل آن الأوان للانتقال من مبادرات متفرقة في الدبلوماسية الموازية إلى استراتيجية مغربية واضحة للقوة الناعمة في آسيا؟
إنها ليست مسألة بروتوكول أو صور لقاءات، بل معركة طويلة لبناء الثقة والمعرفة والمصالح. وفي عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ بالاقتصاد والثقافة والتعليم والصورة، قد يكون بناء الجسور مع الشعوب أحياناً مقدمة لبناء علاقات أقوى بين الدول.