الهوية بين العلمانية والعولمة؟ الحلقة الأولى

بقلم: د. محمد وراضي

لزاما على المتفلسفين الذين تناولوا مفاهيم “الهوية” و”العلمانية” و”العولمة”، أن يحددوا مدلول هذا الثلاثي حتى يتمكن القراء من إدراك العلاقة بين كل منها على حدة. وهذا ما لم نقف عليه – للأسف الشديد – في مقالين لكل من: سالم يفوت، وعبد السلام بن عبد العالي، والمنشورين في مجلة “فكر ونقد”. ثم بعد ذلك نشرا في الكتاب المدرسي: “الرائد قي اللغة العربية” لطلاب السنة الثانية في سلك الباكالوريا، بالرغم من كونهما نصين فلسفيين.. لكن الهدف من ورائهما كنصين أدبيين هو ضرب “الهوية” المغربية تحديدا في الصميم. جنبا إلى جنب مع ضرب نفس الهوية في كافة الدول العربية والإسلامية. يعني بكل وضوح تجاوز هوية شعوب هذه الدول. واستبدالها بهوية الدول الغربية بمفهومها الواسع العريض؟
قبل كل شيء، مبدأ الهوية هو القول: “ما هو هو، ويعبر عنه بالجملة: ب = ب، أو (ب )هي (ب).
ومن مشتقات مبدأ الهوية مبدأ التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع. فمبدأ التناقض هو القول بأن الشيء الواحد لا يكون موجودا أو معدوما في آن واحد. ومبدأ الثالث المرفوع الذي هو القول بأن القضيتين المتناقضتين لا تصدقان معا ولا تكذبان معا.
والهو هو أحد تصورات الفكر الأساسية، ويطلق على مطابقة الشيء للشيء في كل وجه. وإن تميز عنه، أو على الشيء الذي يبقى واحدا، وإن طرأ عليه التغيير. والهو هو عند ابن سينا في “النجاة” اتحاد بين اثنين في الوضع، فيصير بينهما اتحاد بنوع من الاتحادات الواقعة بين اثنين”. وعند ابن رشد أن الهو هو يقال على جهات معادلة للجهات التي يقال عليها الواحد. فمنه ما هو في العدد، وذلك فيما كان له اسمان كقولنا: إن محمدا هو ابن عبد الله. ومنه ما هو في النوع كقولك: إنك أنت وأنا في الإنسانية. مما يدل على أن للهو هو عدة معان. منها ما يدل عليه الواحد وما يدل عليه الشخص. فالجوهر هو هو وإن تغيرت أعراضه. والأنا هو هو وإن تغيرت أحواله.
مع التأكيد على أن اسم الهوية (identité) ليس عربيا في أصله “وإنما اضطر إليه بعض المترجمين، فاشتق هذا الإسم من حرف الرباط. يعني الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره. وهو هو في قولهم: “زيد هو حيوان أو إنسان” كما ورد عند ابن رشد في تفسيره لما بعد الطبيعة. ثم إن اسم الهوية مرادف لاسم الوحدة والوجود. ثم إنه يدل على ذات الشيء.. وقال الفارابي: “الهوية هي الشيء عينه. وتشخصه، وخصوصيته ووجوده المنفرد له كل واحد. وقولنا إنه هو إشارة إلى هويته وخصوصيته، ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشتراك”.
وللهوية عند القدماء عدة معان، وهي التشخصن، والشخص نفسه، والوجود الخارجي، قالوا: “ما به الشيء هو هو باعتبار تحققه يسمى حقيقة وذاتا. وباعتبار تشخصه يسمى هوية. وإذا أخذ أعم من هذا الاعتبار يسمى ماهية. وقد يسمى ما به الشيء هو هو ماهية إذا كان كليا كماهية الإنسان، وهوية إذا كان جزئيا كحقيقة زيد أو سعيد، وحقيقة إذا لم يعتبر كلية وجزئية.
إلى ما هنالك من تعاريف مختلفة للهوية، كالهوية الجزئية والهوية الكلية. مما يقتضي حين الحديث عن هذه الأخيرة أن نتحدث عن هوية مجموعات بشرية في وطن واحد، كهوية مواطن في قبيلة “س” وهوية مواطن في قبيلة “ص” كمجرد مثال، وإلا ما احتجنا إلى الكلام عن العاصمة العلمية والإدارية والاقتصادية في بلد بعينه، مما يدفع بنا إلى معرفة التفاصيل على قدر الإمكان. فضلا عن كون تعرض هوية ما للتحريف، كالهوية الدينية التي لم تثبت بالفعل على حال. وهذا لا يعني أننا نعمل، أو نحاول العمل على إقبار مميزات بعينها كعناصر من هوية هذه المنطقة أو تلك، دون أن نجزم بأن الهويات يتم تعديلها أو إلغاؤها بإجماع سياسي أو ديني في مرحلة تاريخية محددة، ولم توجد بالفعل هويات جامدة على مدى التاريخ، فهويتنا التي تلت في صورتها الجديدة بعد استعمارنا من طرف القادمين من الغرب كالرومان والبيزنطيين ، غلبت عليها هويتنا بعد أن أصبحنا مسلمين، لكن هوية أخرى دينية أو علمانية، لم نستطع محوها بالكلية حتى الآن، وإن حاول المتفلسفون بالمكر والخداع، فرض هوية أجنبية عنها بغية السخرية منها أولا كماض مظلم ولى، بدلا من محاولات صادقة لإزالة الضباب الذي ألقاه عليها الظلاميون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، بينما الظلاميون العلمانيون يعتقدون أن لب حضارة الإنسان هو الانتصار للمادة كحال حضارة الغرب المعاصر الذي يحمل هما ثقيلا لحضارة ماكرة طاغية خلفها في الماضي القريب ملايين النفوس البشرية الفانية، وملايين النفوس البشرية المتشردة التي تموت جوعا وبردا وحرارة، جنبا إلى جنب مع تفاصيل تبين الهمجية والجاهلية أكثر مما تبين العقل والتعقل والتمدن الذي يجدر بالإنسان الواعي أن يفتخر به، بدلا من المضي في الظلام الموصوف بالحضارة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق