بعد سنوات من العناد الدبلوماسي ورفع شعار “لسنا طرفاً”، انكسر الموقف الجزائري أخيراً، واضطر النظام في الجزائر إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات حول قضية الصحراء، تحت ضغط مباشر من واشنطن ومجلس الأمن. خطوة لا يمكن قراءتها إلا كتراجع سياسي صريح، يكشف فشل استراتيجية قائمة على المناورة الخطابية بدل التأثير الفعلي.
تشكل اجتماعات مدريد، المرتقبة اليوم الأحد، لحظة فاصلة في مسار نزاع طال أمده بسبب التعطيل أكثر من التعقيد. فبعد أن رفضت الجزائر لسنوات أي مشاركة في المفاوضات متعددة الأطراف، تجد نفسها اليوم مجبرة على الحضور، في اعتراف عملي بأنها طرف رئيسي في النزاع، مهما حاولت إنكار ذلك.
وتُعقد المباحثات داخل السفارة الأمريكية بالعاصمة الإسبانية، في إطار من السرية وتحت إشراف مباشر لمبعوثين عن الإدارة الأمريكية، وبحضور الأمم المتحدة. هذا الإشراف الأمريكي المكثف ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة واضحة: زمن المواقف الاستعراضية انتهى، وحان وقت الانضباط لموازين القوة الدولية.
وتأتي هذه الجولة بعد لقاء تمهيدي في واشنطن دام 48 ساعة، جرى بعيداً عن الأضواء، ما يؤكد أن مسار مدريد لم يكن مبادرة جزائرية ولا خياراً طوعياً، بل نتيجة مسار ضغط متدرج قادته الولايات المتحدة، ووجد فيه مجلس الأمن سنداً سياسياً وقانونياً عبر القرار 2797.
ذلك القرار، الصادر في أكتوبر 2025، لم يترك هامشاً كبيراً للمناورة، إذ أعاد تثبيت الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي وجاد وذي مصداقية، ودعا صراحة الجزائر إلى الانخراط في العملية السياسية. ومع حضورها اليوم، تكون الجزائر قد قبلت عملياً بما ظلت ترفضه نظرياً.
انصياع تحت الضغط
ليست مشاركة الجزائر ثمرة مراجعة ذاتية ولا قناعة سياسية، بل استجابة لضغط مباشر. فقبل أسابيع، انتقل وفد من جبهة البوليساريو إلى واشنطن بطائرة وفرتها الرئاسة الجزائرية، في تأكيد إضافي على حقيقة الدور الذي تحاول الجزائر إنكاره منذ عقود. وهناك، كان الخطاب الأمريكي واضحاً: لا حل خارج إطار الحكم الذاتي المغربي.
بعدها بأيام، حلّ المبعوث الأمريكي مسعد بولس بالجزائر، حيث نقل الرسالة نفسها بلهجة أكثر صرامة. ورغم البيانات الدبلوماسية الناعمة، فإن مضمون الزيارة كان مباشراً: المشاركة أو العزلة.
سقوط سردية “المراقب”
لأعوام، بنت الجزائر خطابها الخارجي على فكرة أنها ليست طرفاً في النزاع، وأن دورها يقتصر على “دعم تقرير المصير”. غير أن جلوس وزير خارجيتها إلى طاولة مفاوضات تضم المغرب والبوليساريو ينسف هذه السردية بالكامل، ويحوّلها إلى مجرد غطاء سياسي سقط تحت أول اختبار جدي.
وتكشف هذه العودة القسرية إلى المفاوضات نمطاً متكرراً في سلوك النظام الجزائري: تصعيد لفظي، رفض قاطع، ثم تراجع صامت حين تشتد الضغوط. وهو نمط لم يعد يقنع شركاء دوليين باتوا يبحثون عن حلول لا عن خطابات.
في المحصلة، لا تمثل مفاوضات مدريد اختراقاً دبلوماسياً جزائرياً، بل إعلان فشل سياسة التعطيل، وبداية مرحلة تُفرض فيها الوقائع بدل الشعارات. مرحلة يعود فيها النظام الجزائري إلى طاولة لم يغادرها بإرادته، بل دُفع إليها دفعاً.