يبدو أن ألمانيا فهمت الدرس الذي لقنها المغرب من خلال قطع جميع الاتصالات المؤسساتية معها والذي عزاه حينها “ناصر بوريطة” وزير الخارجية المغربي إلى سوء التفاهم العميق مع ألمانيا في قضايا أساسية تهم المملكة.. ولو أنه كان من الواضح أن من بين أسباب اتخاذ هكذا قرار هو رد الفعل الألماني مباشرة بعد اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، مما حذا حينها بألمانيا إلى دعوة مجلس الأمن الدولي إلى الاجتماع لمناقشة الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه، ناهيك عما قامت به ألمانيا وساهم في تعميق الهوة بين المملكة المغربية وألمانيا هو ما قامت به هذه الأخيرة في الوقت الذي كان فيه المغرب يبذل قصارى جهوده من أجل استئناف المفاوضات الليبية الليبية على أرضه، احتضنت ألمانيا مؤتمرا خاصا بليبيا على أرضها دون توجيه الدعوة إلى الرباط لحضوره ولو أنها تداركت خطأها بعد ذلك ووجهت الدعوة إلى المغرب للحضور، إلا أن رد الرباط كان حاسما تمثل في رفض الدعوة وترك مكانه بمؤتمر برلين شاغرا مع قيام المغرب بالموازاة مع ذلك باستضافة محادثات بين الفرقاء الليبيين بالصخيرات..
وبعد أشهر من قطع الاتصالات مع ألمانيا، ظهر مؤخرا ما يؤشر ربما على أن ألمانيا استوعبت الدرس المغربي من خلال الإشارات التي أعطتها ألمانيا للمغرب مباشرة بعد تنصيب مستشارها الاتحادي الجديد “أولاف شولتس”، والتي اعتبرها الملاحظون إيجابية وتعبر عن رغبة ألمانيا في طي صفحة الماضي ومحاولة إعادة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها في مناخ من الوضوح والشفافية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وهي الرغبة التي يمكن استقراؤها مما جاء في بيان لسفارة برلين في الرباط تم نشره على الفيسبوك، وهو البيان الذي كذب التقارير التي تطرقت إلى دور الاستخبارات الألمانية في الإساءة للمغرب واستهداف النهضة التنموية للمملكة ودورها القيادي في القارة الإفريقية.
يشار إلى أن بيان السفارة الألمانية في الرباط لم يكتف بالتكذيب بل لمح إلى الرغبة في عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ورحب بالتطبيع المغربي الإسرائيلي.
بل لم تقف ألمانيا عبر بيان سفارتها في الرباط عند تكذيب التقرير المخابراتي لصاحبته السويسرية “إيزابيل فيرينفيلس” بل تنكرت لها ونفت أي علاقة لها بجهاز الاستخبارات الألماني الفدرالي، وبأنها خبيرة سويسرية مختصة في شؤون افريقيا الشمالية، وتشتغل في مركز أبحاث مستقل متخصص في العلوم والسياسة ولا علاقة له بالجهات الرسمية للدولة الألمانية.
وجدير بالذكر أن السفارة الألمانية بالرباط وعبر بيانها أكدت على أن المملكة المغربية شريك محوري لألمانيا ومن مصلحة كلا البلدين العودة إلى العلاقات الدبلوماسية الجيدة.
ولتسليط المزيد من الضوء على ما جاء في بيان سفارة ألمانيا بالرباط ، سألنا الأكاديمي والمحلل السياسي والاستراتيجي “محمد بودن” رئيس “مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية”، الذي يرى أن العلاقات المغربية الألمانية تمر بتقلبات عميقة، وأن ألمانيا مطالبة بتقديم أجندة إيجابية من أجل ضمان المصالح المشتركة وحماية الرصيد التاريخي بين البلدين. وأوضح أن الإشارات الواردة في بيان السفارة الألمانية في الرباط تعطي الانطباع بأن العلاقات بين البلدين لم تنهر بعد، معتقدا أنه في ظل التحولات الجديدة التي تشهدها على مستوى السلطة السياسية بعد انتخاب مستشار جديد هو “أولافا شولتس”، يجب طي الصفحة التي طبعت العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة. كما يجب، وفق المتحدث، البحث في القضايا الناشئة التي عكرت صفو تلك العلاقات، مؤكدا على أنه يتعين على ألمانيا كذلك القيام بالخطوات اللازمة للتعبير للمغرب عن رغبتها في بناء علاقات مبنية على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة بما ينعكس إيجاباً على البلدين.
وشدد الأكاديمي” محمد بودن” على أن انتخاب “أولاف شولتس” مستشاراً اتحادياً جديداً لألمانيا قد يشكل صفحة جديدة في علاقتها بعدد من البلدان. متصورا أنه قد يعطي زخماً جديداً لمسار العلاقات مع المغرب، لأن المسؤول المذكور يعد زعيماً اشتراكياً قادراً على مجابهة الأزمات والتحديات وبناء مستقبل لعلاقات ألمانيا مع المغرب تقوم على أسس سياسية واقتصادية وطيدة؛ فضلاً عن العلاقة مع الاتحاد الأوربي، إذ ظلت ألمانيا تتمتع بمكانة خاصة لدى المغرب، إلا أن مواقفها الأخيرة تجاه الوحدة الترابية المغربية وجملة من القضايا المصيرية جعلت المعايير تتغير..
وأشار إلى أن العلاقات المغربية الألمانية كانت قوية تاريخياً منذ إحداث ألمانيا لتمثيلية دبلوماسية في المغرب سنة 1872 وأيضاً زيارة الإمبراطور غيوم الثاني لمدينة طنجة سنة 1905، واعتبر بودن أن هذا المسار يمكن استرجاعه من خلال توضيح ألمانيا لمواقفها بخصوص الوحدة الترابية للمغرب.
كما أنه واعتبارا لمواقف “أولاف شولس” المعتدلة بخصوص ملف الهجرة، يمكن بناء توافقات بينه وبين المغرب والدول التي تتطابق مواقفها مع هذا البلد بخصوص ملف الهجرة واللجوء ومكافحة الإرهاب.