بالواضح
منذ أن قاد وليد الركراكي المنتخب الوطني المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 بقطر، تحوّل الرجل إلى أيقونة في المشهد الرياضي الوطني والدولي. غير أن اللافت هو أن هذا الإنجاز التاريخي، الذي دوّن اسم المغرب كأول بلد إفريقي وعربي يبلغ هذا الدور، لم يترسخ بالقدر الكافي في وعي فئة من الجماهير، وكأن الأمر أصبح حدثًا عابرًا مع مرور الوقت. فما زالت بعض الأصوات تتعامل مع الركراكي وكأنه لم يحقق ما لم يسبقه إليه أحد، متناسية أن الوصول إلى قمة هرم كرة القدم العالمية ليس منجزًا يتكرر بسهولة.
اليوم، ونحن أمام سلسلة من النتائج الإيجابية غير المسبوقة، حيث واصل الأسود تحت قيادة الركراكي تحقيق الانتصارات للمرة الخامسة عشرة على التوالي دون أن يعرفوا طعم الهزيمة أو حتى التعادل، يزداد الإحساس لدى البعض بأن هذا النجاح أمر عادي، وأن الطبيعي أن يظل المنتخب على هذه الوتيرة من التفوق. والحال أن كرة القدم لا تخضع لمعادلة خطية، بل هي مسار متقلب يمر بمراحل صعود وانكسار، وقمم ووديان، وهو ما يجعل الإنجازات الكبرى استثناءً لا قاعدة.
ولعل المثير هنا يكمن في أن فئة او فئات من الجمهور المغربي، الذي عاش لحظة فرح غير مسبوقة في شتاء قطر، لم يستوعب بعد أن الإنجاز قد لا يتكرر بالسهولة ذاتها. فإذا استطاع الركراكي أن يقود الأسود في المونديال المقبل إلى أدوار متقدمة، فسيكون ذلك بمثابة تأكيد للفترة الذهبية. أما إذا عرف المنتخب مرحلة تراجع ـ وهو احتمال وارد وطبيعي في منطق الرياضة ـ فحينها سيدرك الجمهور حجم ما تحقق، ويعي قيمة تلك الفترة الزاهية التي رفعت اسم المغرب عاليًا في سماء الكرة العالمية.
الرياضة في جوهرها ليست فقط مسألة نتائج، بل أيضًا وعي جماعي بقيمة الإنجاز في لحظته. هنا يظهر البون الشاسع بين جماهير تدرك أن بلوغ نصف نهائي كأس العالم هو لحظة استثنائية تستحق أن تُخلّد في الذاكرة، وبين من يعتبرها مجرد محطة في انتظار المزيد دون أن يعترف بما تحقق بالفعل. ومن المفارقات أن المنتخبات العالمية الكبرى نفسها ـ من البرازيل إلى ألمانيا ـ عرفت دورات متتالية من الانكسار، ومع ذلك ظل جمهورها يستحضر الأمجاد السابقة باعتبارها مصدر فخر دائم.
قد يكون التحدي الأكبر أمام وليد الركراكي ليس فقط الحفاظ على نسق الانتصارات، بل إدارة انتظارات جماهير أصبحت ترى في الفوز أمرًا مسلمًا به. وهو تحدٍّ نفسي وثقافي لا يقل أهمية عن التحديات التكتيكية فوق المستطيل الأخضر. ففي نهاية المطاف، الإنجازات لا تُقاس فقط بالنتيجة النهائية، وإنما بالقدرة على جعل الأجيال المتعاقبة تدرك قيمتها وتستلهم منها الثقة في المستقبل.
إن لحظة قطر 2022 لم تكن مجرد صفحة عابرة في تاريخ الكرة المغربية، بل علامة فارقة صنعت هوية جديدة للمنتخب وغيّرت نظرة العالم إليه. وإذا لم يُدرك الجمهور هذه الحقيقة في وقتها، فسيأتي يوم تغيب فيه شمس النتائج، وعندها سيستعيد المغاربة تلك الذكريات بفيض من الحنين، مدركين أنهم عاشوا عصرًا ذهبيًا لم يقدروه كما ينبغي في لحظته.