بالواضح – سعد ناصر
من خلال الحدث البارز المتعلق باعلان بوتفليقة في رسالة الجيش “المنسوبة” إليه والموجهة إلى “الأمة”، والقاضية “بانسحابه” من سباق الرئاسة نحو العهدة الخامسة، فإن الأمر يبدو واضحا أن النظام الجزائري يبحث عن طريقة ما يحفظ له ماء الوجه للخروج من هذا المأزق، بعد تزايد ضغط الحراك الشعبي المطالب بالتنازل عن هذه العهدة المثيرة للجدل.
الكل تابع كيف جيئ ببوتفليقة على وجه السرعة من مستشفى جنيف بسويسرا، للعب دور الرئيس “الصحيح والمتعافى” من المرض، والذي “سيتمكن” أخيرا من استقبال نائب وزير الدفاع للاطلاع على ملفات هامة بالغة الحساسية، كالأوضاع الأمنية بالبلاد لاسيما على مستوى الحدود، كل هذا تزامن مع إعلان رسالة “الوداع” المكتوبة التي أنهت مسار ترشحه للرئاسيات، لإعطاء صورة إلى الراي العام الجزائري بأن بوتفليقة قادر على توجيه خطاب مكتوب إلى الأمة.
لكن عند التأمل قليلا لواقع الظروف الصحية لبوتفليقة وبالنظر إلى تطورات الحراك الجزائري، وبالنظر أيضا إلى الصيغة التي حيك بها “خطاب الوداع”، فإنه يكاد يكون من رابع المستحيلات أن يكون عبدالعزيز صاحب هذه المعزوفة متناسقة المقامات، إذ كيف برجل مصاب بجلطة دماغية ولا يكاد يقوى على تحريك جفن، أن ينسج بين الحروف والكلمات في تناسق متين بين الفقرات لهذا الخطاب الذي ينم عن متابعة دقيقة لما يجري بالبلاد.
ولعل أبرز ما ورد في الخطاب العسكري ذي نبرة الاستعطاف والوداع، هو “إقرار” بوتفليقة بأنه لم يكُ ينوِ قط الترشح لعهدة خامسة وأنه حالته الصحية وسنه لا يتيحان له ذلك، كل هذا من أجل بعثرة الأوراق وبعث رسالة واضحة إلى الشعب بأن هناك “كيانا” وجسدا وعقلا لازال يشتغل ويتحرك لشخص اسمه بوتفليقة، من خلال لعب أدوار تبادلية أو ثنائية، مع رجل لا حول له وقوة، أو كما قال أحد المرشحين عندما شكك بأن بوتفليقة على علم أصلا بترشحه للرئاسيات من عدمها، كل هذا العمل التمثيلي والدرامي من أجل الالتفاف على مطالب الحراك، من خلال بث عوامل الانقسام بين صفوف الشعب الجزائري التواق لغد مشرق بعيد عن القمع العسكري، والإبقاء لأطول أمد ممكن لإدامة هذا “السجل التجاري” المسمى بوتفليقة، الذي جعل من هذا النظام يفعل ما يشاء في بلاد المليون شهيد، ولعل في اتخاذ القرارات الاطفائية التي تتجلى في تعيين رئيس وزراء جديد وطرح دستور جديد للاستفتاء، فضلا عن تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى ليدل دلالة واضحة على نوايا هذا التوجه العسكري المكشوف.