شاهد و مشاهد… عتمة ليل فوق ارض الشمس الظلام الذي قرر له ان لا ينجلي فوق ارض الشمس “الجنوب الشرقي”

بقلم: يونس حسنائي
يحكى انه خلف جبال الاطلس الشامخة و بارض المغرب المنسي كانت تصل اول قبسة نور من شمس الصباح قبل ان تطل على باقي اراضيه ، خلف هذه الجبال هناك وطن اخر له طباعه الفريدة و لونه الخاص ، سكانه ليسوا كالاخرين و معاناتهم ليست حديث مكاتب القرار …
قبل سنين خلت جعلوا من هذه المدن ثكنات للعساكر و نقاط حدود للدفاع عن وطن باكمله فكان لنا شرف البطولة و حماية ارض العزة، انتظرنا ان تبنى بجانب الثكنات مدارس و على حدودها مستشفيات و في ارض الخلاء مصانع و على جبالها طرق و برمالها الذهبية نجعل لانفسها نقودا من زجاج و بمائها تسقى التمور و تصنع العطور و يغسل رفاث اناس تحت ارض شهدت معارك و انتصارات على مر العصور، تحولت حقوقنا الى احلام فكان حلمنا ان نكون كباقي بني الانسان ، ليس طمعا او حقدا و لكن هي ضرورة للعيش في كرامة و امان .
انتظرنا لسنين طويلة لعل القلوب تلين و التاريخ يحن و يعرف الاخر ان ما بقية من ارض الشمس هو اخر ما يكون من نهاية ارض تنتحب ، رفعنا الشعارات و صرخنا باعلى اصواتنا ، جلسنا للمؤتمرات و ناقشنا بكل فكرنا ، قطعنا الاف المسافات و تلقينا وعودا من قصص الف ليلة و ليلة و بقية الحال كما عهدناه منذ اول كلمة بالمقالة.
هو الجنوب الشرقي حيث السجن الاداري و عقاب المفسدين ، و مستشفيات هي اشبه بشبابيك تذاكر للسفر لمستشفيات اخر ، هو الجنوب الشرقي حيث المدارس على الارض و فوق الحجر و مدرس يشمئز من الحضور و يهرول للسفر ، هنا الجنوب الشرقي لا مال و لا عمل و لا مصانع و لا امل ، هنا الجنوب الشرقي حيث يتحول الكرم الى سذاجة و الاحترام الى خوف ، هنا الجنوب الشرقي حيث يمنع الحلم.
المشهد الاول :
بالامس ماتت ايديا لانها لم تجد “سكانير” ينقذ روحها الطاهرة ، و قبلها مات “جابا” لكونه لم يجد له مكان بالمستشفى لاصابته بالقصور الكلوي ، و مات اخرون كثر جدا لكونهم لم يجدوا مالا للذهاب الى مستشفيات خاصة او حتى ثمن تذكرة السفر الى مدن اخرى ، فان انا بورزازات او زاكورة فعلي ان اشد الرحال الى مراكش للعلاج، و ان انا بتنغير او الراشيدية فعلي ان اتوجه صوب مكناس او فاس ، بغض النظر عن مصاريف السفر و الاقامة و المبيت ، فعلي ان اقطع اكثر من 500 كلم للعلاج ، فالسؤال هنا لماذا هذه المستشفيات موجودة و لماذا يتم صرف ملايين الدراهم على اطر و اطباء و ممرضين بالجهة لا دور لهم سوى توجيه المواطن الى مستشفيات اخرى خارج الجهة . الا يكفي كل هذا الالم و هاته المعاناة ليحط الطبيب و الممرض بل و حتى حارس المسشتفى من قيمة المواطن ليتعرض هذا الاخير الى جميع الممارسات الا اخلاقية و السلوكات المنحطة و الابتزاز في كثير من الاحيان ، هذا دون ان ذكر الاهمال و التهميش الذي يتعرض له المواطن ليترك يصارع قدره على سرائر متسخة بجانب القطط و الكلاب دون ادنى سؤال او رعاية.
المشهد الثاني:
مدارس متهاوية اكل جدرانها الزمان و شاهدة على عصور من الظلام و طفل يقطع ما بين 5 كلم الى 10 كلم ليجلس على حجر فربما تمكن من اقتباس بضع حروف من مدرسه الذي اشمئز من الوضع هو نفسه و يفكر في الاستقالة و المغادرة كل يوم لولا لعنة الزمان و قهر الرجال، من الاطفال من غادر قبل مدرسه و منهم من سافر لاكثر من 500 كلم ليكمل دراسته لكونه لم يجد ثانويات او جامعات تحقق له حلمه الذي يصبو له ، منهن من تزوجت و دخلت في روتين الاعمال المنزلية و منهم من اختار مهنة ما بعيدا عن الدراسات لكونها مكلفة و تحتاج لمصاريف جمة في مدن اخرى.
المشهد الثالث:
تكاد الوظيفة او ايجاد فرص عمل لدى شباب الجنوب الشرقي تنعدم و اضحت شبه مستحيلة الا من رحمهم من علية القوم و من اصحاب القرارات المنعمين في مكاتبهم الفخمة…، يتم الاعلان عن احدى المباريات بمؤسسة ما او وزارة فيضطر معها ابن الجنوب الشرقي ان يقطع مسافات طويلة جدا من ورزازات او الراشيدية الى مدن كالدارالبيضاء او الرباط لاجتياز تلك المباراة رغم ان حظه في النجاح لا يكاد يتعدى بضع اصفار من وراء الفاصلة ، لانه و لاسباب بسيطة ، الاول هو انه تكبد عناء السفر و مصاريفه من تذكرة الحافلة و الماكل و المشرب و ثمن سيارة اجرة الصغيرة نحو مركز الامتحان و مقهى و غيرها من مصاريف كثير مع العلم انه عاطل عن العمل، ليصل صباح تلك المباراة و قد ارهقه تعب السفر و لم يغمض له جفن طوال الطريق و يطلب منه ان يركز و يحلل و يناقش اسئلة الامتحان؟ ، بينما ابن المدينة المستضيفة قد نام بحظن اسرته و فوق سريره المريح ليستيقض صباحا و هو في احسن احواله و بمزاج رائع ليتناول فطوره الجاهز ،ويركب سيارة اجرة صغيرة فقط نحو مركز الامتحان ليطلب منه الاجابة عن الاسئلة ؟
مع العلم ان الدخل الفردي للمواطن بمدن كبرى هو اضعاف مضاعفة للدخل الفردي لابن الجنوب الشرقي لكون هذه الاخير تنعدم بها المصانع و المعامل و يقل بها الرواج التجاري و فرص الشغل بها ضئيلة جدا ان لم نقل منعدمة، باجرة شهرية هزيلة جدا تتراوح ما بين 400 درهم الى 2000 درهم .
المشهد الرابع :
منطقة الجنوب الشرقي تعتمد بشكلها الرئيسي في اقتصادها على منتجات و مجالات موسمية فاذا قلنا انها تتوفر على مجال للسياحة و السينما و الفلاحة فهي انشطة موسمية تنتهي بانتهاء موسمها فالسياحة اضحت بمهب الريح و بمدينة ورزازات او ارفود و اللذان يعتبران مدينتين سياحيتين فاغلب السياح اللذين يتوافدون عليها هم بقايا مدن سياحية كبرى كمراكش او فاس و هم بضع افواج محسوبين على رؤوس الاصابع و فوق كل هذا لهم مواعدهم المحددة بالسنة ، فاذا قلنا السينما فانها صناعة اضحت منقرضة خصوصا ان ورزازات و التي اطلق عليها لقب هولويود افريقيا لم تعد تمت لهذا الاسم بصلة ، اما الفلاحة فهي مجال يدعو الى السخرية حقا ، فاذا ما اعتبرنا ان تجارة التمور الموسمية و صناعة ماء الورد بالاضافة الى بعض المنتجات كالسواك البلدي يمكن ان تنعش اقتصاد منطقة فاننا نكون انذاك دخلنا في دائرة الهرطقات و التخلف العقلي .
المشهد الخامس
الجنوب الشرقي هو بمثابة منطقة تاديب للمفسدين ، اي انها بمعنى اخر سجن كبير ينقصه سياج حديدي ، اي ان من بداخل هذا الجزء من ساكنته هم مسجونون ايضا ، و لكن السؤال هنا باي ذنب تم سجن هؤلاء ليتم جمعهم مع فاسدين اخرين ، فلم ارى بحياتي مسجونا يدفع الضرائب لسجن لكي يسجن به .
فالفاسد و على ما اعتقد مكانه السجن و ليس نقله الى منطقة ما اخرى ، و هذا اعتراف ضمني من الدولة على ان هذه المنطقة هي فعلا مكان لا يصلح للعيش و مكان مهمش و غير مرغوب فيه ،
انتهى ………………………………………………….
هناك مشاهد عديدة جدا لا يسمح المكان او الزمان لادراجها و نحتاج الى الاف المقالات لجردها ، لكن نكتفي فقط بهذا الكم و قد تم التركيز على اهمها و افظعها،
المشكل الحقيقي في كل ما ذكر و السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه بالحاح هو اين هو التطبيق الفعلي للجهوية الموسعة من كل هذا العبث ، هل هي حبر على ورق ؟ و ما دور هذه المجالس و هذا الكم الهائل من المنتخبين الذين فتحوا دكاكينهم الانتخابية لمدة 15 يوما ؟ اين هو المجلس الجهوي من كل هذا ؟ بل اين هو دور المعارضة في هذا الاستهتار بحق المواطن و الذين اكتفوا بدور المشاهد فقط ، هل حقا نريد جهوية موسعة نبني اقتصادها على بضع تمرات و رؤوس شقراء ، اين هي تلك المناجم الضخمة من الذهب و الفضة و النحاس و تلك الثروات الطبيعية من الرمال الذهبية التي يمكن استغلالها و التي يمكن بعائداتها الضخمة ان نبني مستشفيات جامعية بكل مدينة ، و مدرسة و ثانوية و جامعة بكل قرية و طرقا سيارة بين كل مدنها.
لماذا يجب علي الاختيار بين الحياة و الموت ، و اذا ما كنت اريد فرصتي بالحياة فعلي اجتياز “تيزي تيشكا” او “غار زعبل”،
اليس الجنوب الشرقي جزءا لا يتجزء من هذا الوطن؟ هل نسينا او اخطأنا واجباتنا لنحرم من ابسط حقوقنا ، الم نكن من اوائل السباقين في جيش التحرير و مواجهة الاستعمار الفرنسي و من اوائل من وطأت ارجلهم ارض الصحراء ابان المسيرة الخضراء ؟
هنا الجنوب الشرقي مصنع الرجال و عزيمة قد هدت صلابة الجبال ، فإِذا ما رايتم نيوب الليث بارزة… فَلا تظنوا ان الليث يبتسم

تعليقات (0)
اضافة تعليق