من واحات درعة في زاكورة، حيث تتقاطع صعوبات العيش مع تطلعات السكان إلى التنمية والإنصاف، إلى رئاسة الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، وصولا إلى وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي، قطع عبد الرحيم شهيد مسارا سياسيا ومؤسساتيا جعل قضايا الشغل والعدالة الاجتماعية والتنمية المجالية حاضرة في تجربته، قبل أن يجد نفسه أمام مسؤولية جديدة تقتضي الانتقال من مساءلة السياسات العمومية إلى المشاركة في تدبيرها.
وبتعيينه وزيرا للتشغيل والحوار الاجتماعي في الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم 16 أكتوبر 2026، يفتح القيادي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية صفحة مختلفة من مساره؛ صفحة سيكون عنوانها الأساسي تدبير العلاقة بين الحكومة والنقابات والمشغلين، في مرحلة تتزايد فيها انتظارات الأجراء والباحثين عن الشغل، وتتعاظم فيها الحاجة إلى حوار اجتماعي قادر على تحويل المطالب إلى التزامات قابلة للتنفيذ.
من المغرب العميق إلى واجهة القرار
ينحدر عبد الرحيم شهيد من إقليم زاكورة، في الجنوب الشرقي للمملكة، وهي منطقة ظلت حاضرة في مساره السياسي والحقوقي والأكاديمي، ولم تكن بالنسبة إليه مجرد دائرة انتخابية أو مجال للتمثيل المؤسساتي، بل فضاء تشكلت فيه اهتماماته الأولى بقضايا التنمية والعدالة المجالية وأوضاع الفئات التي تعيش على هامش الدينامية الاقتصادية.
ومن هذا المجال الذي كثيرا ما واجه تحديات مرتبطة بندرة المياه وضعف فرص الشغل وتفاوت الولوج إلى الخدمات الأساسية، انطلق شهيد في مسار جمع بين العمل النقابي والحقوقي والجمعوي والسياسي، قبل أن ينتقل إلى تدبير الشأن المحلي ثم إلى المؤسسة التشريعية.
وتكتسب هذه الخلفية أهميتها في قراءة تجربته الجديدة، لأن الحوار الاجتماعي لا ينحصر في المفاوضات المتعلقة بالأجور وظروف العمل داخل القطاعات المنظمة، بل يرتبط أيضا بالسؤال الأوسع حول توزيع فرص التنمية، والحد من الفوارق المجالية، وتوفير شروط الاندماج الاقتصادي للشباب، خصوصا في المناطق التي لا تزال تعاني محدودية النسيج الإنتاجي.
وقد ارتبط حضور شهيد في زاكورة بالترافع عن قضايا الواحات والماء والتنمية المحلية، كما جعل من العدالة المجالية أحد محاور خطابه السياسي، انطلاقا من قناعة مفادها أن الإنصاف الاجتماعي لا يتحقق من دون توزيع أكثر توازنا للفرص والاستثمارات والخدمات بين مختلف مناطق البلاد.
من المعارضة إلى مسؤولية الحوار
داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، راكم عبد الرحيم شهيد تجربة تنظيمية وبرلمانية انتهت به إلى رئاسة الفريق الاشتراكي بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026، حيث تولى تنسيق عمل فريق المعارضة الاتحادية، ومتابعة عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية.
وخلال هذه المرحلة، كان التشغيل والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية من بين القضايا التي تناولها الفريق في مساءلة الحكومة السابقة وانتقاد اختياراتها، وهو ما يضع الوزير الجديد اليوم أمام اختبار مختلف: كيف يمكن الانتقال من تشخيص الاختلالات وانتقاد التدبير الحكومي إلى بلورة حلول عملية والتفاوض بشأنها مع الشركاء الاجتماعيين؟
فالحوار الاجتماعي ليس مجرد لقاءات دورية أو محاضر اتفاق، وإنما آلية لتدبير الاختلاف بين مصالح الأجراء والمشغلين والدولة، بما يتطلبه ذلك من قدرة على الإصغاء والتفاوض، واستيعاب الإكراهات الاقتصادية، وصياغة التزامات واضحة تحظى بالثقة وتخضع للتتبع.
ومن هنا، فإن التجربة البرلمانية التي راكمها شهيد تمنحه معرفة بآليات الرقابة والتشريع والنقاش العمومي، لكنها تضعه أيضا أمام مسؤولية تحويل المواقف التي دافع عنها من موقع المعارضة إلى اختيارات قابلة للتطبيق من موقع المسؤولية الحكومية.
وتتسع التحديات لتشمل تحسين فرص الولوج إلى سوق الشغل، ومواكبة التحولات التي يعرفها عالم العمل، وتطوير العلاقات المهنية، وتعزيز الثقة بين الحكومة والمركزيات النقابية وممثلي المشغلين. وهي ملفات لن تقاس فيها النتائج بعدد الاجتماعات المنعقدة، بل بمدى انعكاس الاتفاقات على الأجور وظروف العمل والاستقرار المهني وفرص التشغيل.
الوحدة الترابية.. مرافعة من موقع المسؤولية الوطنية
إلى جانب اهتمامه بالقضايا الاجتماعية والتنموية، برز عبدالرحيم شهيد في مواقف ومداخلات مرتبطة بالدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وهي قضية احتلت مكانة ضمن خطاب الفريق الاشتراكي ومبادراته المرتبطة بالدبلوماسية الموازية.
وفي هذا الصدد، شارك شهيد، بصفته رئيسا للفريق الاشتراكي بمجلس النواب، في يوم دراسي نظمه الفريق حول تطورات قضية الصحراء المغربية وجهود الدبلوماسية الموازية، حيث شدد على أهمية ترصيد المكتسبات التي حققتها الدبلوماسية الرسمية، وتعزيز حضور الفاعلين الحزبيين والمدنيين والنقابيين في الدفاع عن القضية الوطنية.
وأكد في مداخلته أن الفريق الاشتراكي دافع عن مغربية الصحراء، معتبرا أن هذا الموقف امتداد لتاريخ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الدفاع عن الوحدة الترابية. كما ربط بين تثبيت السيادة الوطنية على الأقاليم الجنوبية ومواصلة التنمية بها، من خلال المشاريع المهيكلة والاستثمارات التي تعزز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي لهذه الأقاليم.
ولم يقف هذا التصور عند حدود المرافعة السياسية، بل أبرز أهمية التكامل بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الموازية، بما يسمح للأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالمساهمة في التعريف بموقف المغرب وتوسيع دوائر التواصل بشأن قضيته الوطنية الأولى.
وتكشف هذه المواقف عن اهتمام شهيد بربط الدفاع عن الوحدة الترابية بأبعادها السياسية والتنموية، باعتبار أن ترسيخ الارتباط بالأقاليم الجنوبية يتعزز أيضا بتوفير شروط التنمية والعيش الكريم لسكانها.
كما أن هذا التوجه ينسجم مع ما دافع عنه في ملفات التنمية المجالية، من ضرورة جعل الاستثمار في البنيات التحتية والخدمات وفرص الشغل مدخلا لتقوية الاندماج الوطني وتقليص الفوارق بين الجهات.
وهكذا، فإن مرافعاته في قضية الصحراء المغربية لا تنفصل عن تصوره الأوسع لدور الأحزاب الوطنية في الدفاع عن القضايا الاستراتيجية للمملكة، مع الحفاظ على قنوات التواصل والعمل المشترك داخل المؤسسات والفضاءات الحزبية والمدنية.
زاكورة.. أكثر من مجرد انتماء انتخابي
خلف المسؤول السياسي والبرلماني، تحضر صورة ابن زاكورة الذي ظل مرتبطا بمحيطه المحلي، وبشبكة العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تشكلت عبر سنوات من العمل السياسي والجمعوي.
وفي الصورة المتداولة عنه لدى محيطه المحلي، لا يقتصر هذا الارتباط على الحضور في المناسبات الحزبية واللقاءات الانتخابية، بل يمتد إلى علاقة اجتماعية قوامها استقبال الزوار والإنصات إلى أصحاب الحاجات والسعي إلى مساعدتهم، في حدود ما تتيحه الإمكانات والعلاقات المتاحة.
وتتحدث هذه الصورة عن بيت اعتاد استقبال من يقصدونه طلبا للمساعدة أو بحثا عن وساطة أو إرشاد، حتى غدا، في نظر من يعرفون صاحبه، فضاء للكرم والتواصل وقضاء الحاجات. وهي سمة تستحضر تقاليد التضامن المتجذرة في المجتمع المغربي، حيث لا تنفصل المكانة الاجتماعية عن القدرة على استقبال الناس ومشاركتهم انشغالاتهم.
ولا يتعلق الأمر هنا بمسؤولية رسمية أو اختصاص مؤسساتي، بل بوجه إنساني من وجوه العلاقة بين السياسي ومحيطه، وبما يمكن أن يتركه الإنصات إلى مطالب الناس من أثر في فهم قضاياهم وانتظاراتهم.
غير أن قيمة هذه الصورة، مهما كانت دلالتها الاجتماعية، تظل مختلفة عن معيار المسؤولية الحكومية؛ فالكرم الشخصي والتواصل مع المواطنين لا يعوضان السياسات العمومية، وإن كانا قادرين على تعزيز القرب من الناس وفهم حاجاتهم.
وبالنسبة إلى شهيد، الذي ظل اسمه مرتبطا بزاكورة في مساره الانتخابي والسياسي، فإن هذا الارتباط المحلي يشكل أحد مفاتيح فهم شخصيته العامة، إلى جانب انتمائه الحزبي وتجربته البرلمانية ومواقفه من القضايا الوطنية.
رهان الانتقال من الترافع إلى الإنجاز
إن وصول عبدالرحيم شهيد إلى وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي يضعه أمام مسؤولية تتجاوز تدبير قطاع حكومي إلى الإسهام في بناء الثقة بين أطراف العلاقة المهنية، في سياق يحتاج إلى التوفيق بين المطالب الاجتماعية المشروعة وإكراهات الاقتصاد الوطني.
فالرجل الذي راكم تجربة في المعارضة، ودافع عن تحسين الأوضاع الاجتماعية والتنمية المجالية، مطالب اليوم بإظهار قدرة على التفاوض وصناعة التوافقات، وتدبير الاختلاف بين شركاء لا تتطابق مصالحهم دائما، مع الحرص على أن تظل الاتفاقات الاجتماعية قابلة للتنفيذ ولا تتحول إلى التزامات مؤجلة.
كما أن تجربته المرتبطة بقضايا المغرب العميق تضع أمامه سؤالا لا يقل أهمية: كيف يمكن أن تنعكس السياسات الوطنية للتشغيل على المناطق البعيدة عن المراكز الاقتصادية الكبرى، وكيف يمكن توسيع فرص العمل أمام الشباب في الأقاليم التي تعاني محدودية الاستثمارات والنسيج المقاولاتي؟
بين زاكورة والرباط، وبين المرافعة البرلمانية والتدبير الحكومي، يبدأ عبدالرحيم شهيد مرحلة جديدة من مساره. وهي مرحلة ستمنحه فرصة نقل اهتماماته الاجتماعية والتنموية إلى مجال القرار التنفيذي، لكنها ستضعه، في المقابل، أمام محك النتائج التي ينتظرها الأجراء والنقابات والمشغلون والباحثون عن العمل.
ففي وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي، لن يكون الرهان في إثبات القدرة على الدفاع عن المطالب فحسب، بل في بناء التوافقات التي تجعل الحوار منتجا، وتمنح الالتزامات الاجتماعية معنى ملموسا في حياة المواطنين.