"في إنتظار غودو"

بقلم: يوسف عاصم

مازال الأساتذة المتدربون بالمغرب يضربون و يسحلون في مراكز التربية والتكوين و يمنعون من السفر لإقامة المعتصمات على مستوى الأقطاب و الجهات، و يهدد و يحاسب كل من يتعاطف معهم و يساندهم كما حدث مؤخرا مع الأساتذة  المكونين:  الأستاذ مصطفى الريف و الأستاذ أحمد بلاطي و الأستاذ سالم تالحوت ، وكذلك والي الأمن بمدينة مراكش الذي رفض التدخل لفض معتصم الأساتذة المتدربين.

لقد قال “صامويل بيكيت” كل شيء في مشهد درامي واحد عندما دخل ” لاكي” يمشي فوق خشبة المسرح على أربع،  على كلتا يديه و كلتا رجليه، كجرو أو كلب، مشدودا بحبل حول عنقه بيد “بوزو” الذي يجره و الذي بدا منفوخا و مكرشا و قاسيا و فاقدا للبصر، و يركل ” لاكي” ويزيد من ضربه و الإساءة إليه كلما صرخ. كان ” لاكي” الرجل الضعيف و البئيس تحت رحمة ” بوزو” الذي جوعه و فقره و أخضعه بكل سادية و حيوانية لأهوائه ونزواته التي عكست ضبابية كبرى في الرؤيا و قراءة سطحية للمستقبل القريب لأن “بوزو” سيسقط فوق الخشبة بعد حين.

بهذا المشهد الحزين اختزل ” صامويل بيكيت” كل شيء و جسد العلاقة التي توجد بين الحاكم والمحكوم و بين القادة و شعوبها و كيف أن هذه العلاقة هي  علاقة السيد  مع العبد.

في الوقت الذي ينمي الحكام العرب أموالهم و يهربونها و يكدسونها في  الملا ذات الضريبة  والأبناك الخارجية، تعيش الشعوب العربية الفقر والحرمان وتضرب وتحارب ويضيق عليها كلما صرخت واحتجت. وكلما زادت معاناتها وأنينها، يزداد الضغط عليها بالتدخل بكل المقاربات الأمنية والعسكرية حتى تدعن لكل شيء يفرض عليها. وعوض أن يستجيب  الحكام وحكوماتهم لمطالب شعوبهم ويتم إنهاء ألامهم وماسيهم، فإنهم يستلذون بتعميق جراح شعوبهم المقهورة و المغلوبة، والتي يتسلطون عليها من كل جهة حتى لا تتحرر من قيودها وتتخلص من براثن الاستغلال والاستعباد الذي يمارس عليها كل يوم.

لماذا تهطل “زرواطات” المخزن على رؤوس الأساتذة المتدربين حتى تكسر وهم  لا يحتجون إلا بطرق سلمية؟ لماذا يركلون و يرفسون و يهانون؟

كل هيئات المجتمع المدني و الهيئات النقابية و الحزبية أجمعت و أكدت أن ” المرسومين المشؤومين” غير قانونين و لا يمكن تطبيقهما على هذا الفوج.  فالدستور المغربي ينص بشكل واضح وصريح في الفقرتين الثانية و الثالثة من الفصل السادس أن دستورية القواعد القانونية، و ترتيبها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة -بمعنى- ليس للقانون أثر رجعي.  وبالرجوع إلى إعلانات مباريات ولوج المراكز الجهوية للتربية والتكوين نجدها صدرت بتاريخ 31 يوليوز 2015، وتستند في مراجعها على المرسوم رقم 2.11.672، المتعلق بإحداث المراكز الجهوية للتربية والتكوين، وكذا قرارات وزير التربية الوطنية رقم 2199.12 و2200.12 و2201.12، التي تحدد كيفية إجراء مباريات ولوج المراكز المذكورة، بمعنى أن المباراة استندت على مرسوم وقرارات سابقة على تاريخ صدور المرسومين 2.12.589 و2.15.588، واللذين صدرا تباعا بتاريخ 31 غشت 2015 و8 أكتوبر 2015. ومما يثير الاستغراب أن المرسوم رقم 588 ينص في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى على أنه سيصدر قرار لوزير التربية الوطنية، حول كيفية تنظيم المباراة، مع العلم أن المباراة كان قد تم إجراؤها، وينص في المادة الثانية على أن المرسوم لا يسري على فوج 2015 / 2016، . ومما يثير الاستغراب أن المرسوم رقم 588 ينص في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى على أنه سيصدر قرار لوزير التربية الوطنية، حول كيفية تنظيم المباراة، مع العلم أن المباراة كان قد تم إجراؤها، وينص في المادة الثانية على أن المرسوم لا يسري على فوج 2014-2015، رغم أن خريجي هذا الفوج كانوا قد عينوا، ولم يكن هناك مبرر للتنصيص على هذا المقتضى. وقد اعترف رئيس الحكومة  بعظمة لسانه في تصريح له في إحدى اللقاءات بعدم قانونية هذين المرسومين. و مع ذلك  تصلب وتجبر وحذر كل من يسعى  لحلحلة ملف الأساتذة المتدربين. فبعد أن راسل “حزب الاصالة و المعاصرة” و”حزب الإتحاد الإشتراكي” وزير الإقتصاد والمالية السيد محمد بوسعيد و صرح هذا الأخير بأن  المسألة لا تحتاج إلا استصدار مرسوم او قرار يحدد شروط وكيفيات اجراء توظيف هذه الفئة برسم الموسم الدراسي 2016 / 2017  وكذا كيفية شغل المناصب المالية المخصصة لهذه العملية برسم السنتين الماليتين 2016 /  2017 ، اثار جواب وزير المالية والاقتصاد حفيظة السيد رئيس الحكومة ورفض مقترحه جملة وتفصلا، متهما في الوقت نفسه الأحزاب بالمزايدات السياسية والركوب على ملف الأساتذة المتدربين.

واليوم، يعتقد فقهاء القانون ومنسقو المبادرة الوطنية لحل ملف الأساتذة المتدربين وكذلك مجموعة من الباحثين والمهتمين بالشأن التربوي والتعليمي أن الحكومة يمكنها أن توظف الفوج الحالي للأساتذة المتدربين بأكمله، دون اللجوء إلى أي أعباء إضافية، ولا حتى من خلال قانون المالية ولا من خلال خرق القانون. وفي هذا السياق، قال الباحث في العلوم السياسية عبد الرحيم العلام أن هناك بعض المعطيات  الغير معروفة بخصوص الأساتذة المتدربين حتى لبعض المسؤولين، وأشارإلى أن المشكل القائم  اليوم يتمحور حول 1000 منصب تقريبا، وأن “الحكومة، في شخص والي جهة الرباط ، كانت قد اقترحت توظيف 8500 إلى 8800 أستاذ متدرب”. وخلص الباحث في العلوم السياسية إلى حقيقة مفادها أنه “من الوارد توفر مئات المناصب، وربما الآلاف، التي لم يتم تعويضها داخل وزارة التربية الوطنية بسبب الاستقالات والوفيات وما شابه…” وبحسب الباحث، يمكن هذا أن يحل المشكل من أساسه دون اللجوء إلى تعديل قانون المالية.

أمام كل هذه الاقتراحات والمبادرات، لا نعرف لماذا الحكومة تتمادى في رفضها وتنصح كل من اهتم بالملف أو أبدى تعاطفا مع الأساتذة المتدربين أن يبتعد حتى لا يصل إليه غضب السيد رئيس الحكومة الذي لا نعرف ماذا ينتظرمنذ أكثر من 6 أشهر.أم تراه يسد كلتا أذنيه “في انتظار غودو؟

تعليقات (0)
اضافة تعليق