قتل الجعد بن درهم بين الدين والسياسة
بواسطة
_ بتاريح نوفمبر 15, 2018
بقلم: رشيد لبريجة
الجعد بن درهم، أصله من خراسان، أسلم أبوه وصار من موالي بني مروان. وقد ولد في خراسان وهاجر بعد ذلك إلى دمشق حيث أقام هناك. كان الجعد يعيش في حي للنصارى، حيث تأثر هناك بجو الآراء الفلسفية المسيحية التي كانت تثار حول طبيعة الإله. وكان يكثر من التردد إلى وهب بن منبه (أحد كبار التابعين)، وكان يسأل وهباً عن صفات الله عز وجل، وكان وهب ينهاه عن ذلك. وقد أُعجب محمد بن مروان به وبعقليته فاختاره ليكون معلماً لابنه مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
فالجعد مؤدب لمروان الحمار ولاشك أن له منزلة كبيرة لمروان الحمار كونه معلمه وهذا المنصب لا يكون إلا لمن كان يستحقه بأهليته وعلمه. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء مادحا خالد بن عبد الله القسري حول مقتل الجعد بن درهم( : وهذه من حسناته أي ذبح الجعد بن درهم وزاد في ترجمة الجعد قائلا:” الجعد بن درهم مؤدب مروان الحمار هو أول من ابتدع بأن الله ما اتخذ إبراهيم خليلا ، ولا كلم موسى ، وأن ذلك لا يجوز على الله “.
قال المدائني” : كان زنديقا . وقد قال له وهب: إني لأظنك من الهالكين ، لو لم يخبرنا الله أن له يدا ، وأن له عينا ما قلنا ذلك” فتصريح المدائني واضح في مذهب الجعد في نفي الصفات ومنها طبعا الكلام، كما هو حال المعتزلة. ويرى الدكتور يوسف زيدان فى كتاب( اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى) أن الجعد بن درهم كان يقول بضرورة تأويل مثل هذة الآيات القرآنية,بما يتنزه معه الله عن صفات المخلوقات,وهو التأويل الذى قام به المعتزلة من بعد ولكن فى آيات قرآنية اخرى. ويتلخص مذهب الجعد بن درهم الكلامى فى أنه كان يقرر أن الله منزه عن صفات الحدوث، وكان ينكر بعض الصفات الإلهية القديمة ومنها صفة الكلام, مما يعنى أنه يرفض بالتالى القول القرآنى بأن الله إتخذ إبراهيم خليلاً وأنه تعالى كلم موسى تكليماً,لأن ذلك فيما يرى الجعد بن درهم لا يمكن أن يجوز حقيقة على الله، وليس المقصود من قوله إنكار الآية أو التكذيب بها كما قد يزعم البعض، وإنما تأويلها تنزيها لله عن مشابهة المخلوقين، وهذا عين ما تذكره المعتزلة في باب الصفات، لا أقول ذلك دفاعا عن الجعد في مقالته، لكن واقع الحال كما وصفته. وقد سعد كثير من العلماء على مر التاريخ بما حدث للجعد بن درهم، ومن ذلك ابن القيم فى “الكافية الشافية” أثنى على “القاتل” خالد القسرى قائلا: ولذا ضحى بجعد خالد القسرى/ يوم ذبائح القربان/ إذ قال ليس إبراهيم خليله/ كلا ولا موسى الكريم الدانى/ شكر الضحية كل صاحب سنة/ لله درك من أخى قربان. وصار على نفس المنوال مجموعة من العلماء كالدرامي والخلال والذهبي وابن كثير…..بل واعتبر بعضهم أنها من أفضل الأضحيات التي قدمت في ذلك اليوم. لكن ما الذي وقع بعد أن عرفنا مذهب الرجل في الاعتقاد، وهل هاته المسائل التي كان يؤمن بها ويقوله تجعله مستحقا للقتل والذبح، نعم وقف خالد بن عبد الله القسري( وسأعرج على ترجمته أيضا لنعلم من هذا الرجل السني الأثري الغيور على العقيدة)على المنبر فى يوم الأضحى، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه، قال: أيها الناس انصرفوا إلى منازلكم وضحوا -بارك الله لكم فى ضحاياكم-، فإنى مضحٍ اليوم بالجعد بن درهم.. ثم حمل “سيفه” وذبحه أمام المصلين وهم ينظرون. السؤال ما هي الجريمة التي ارتكبها الجعد بن درهم حتى وصل به الأمر إلى هاته النهاية الدرامية الداعشية، وما القلب الذي يملكه “خالد بن عبد الله القسرى” لينفذ هذا الأمر فى حرمة الجامع واليوم والناس والروح، وأي تطرف كان يسيطر فى هذه الآونة حتى تصير الدماء حلالا طيبا؟ أغلب من برر قتل الجعد بن درهم لم يكن مقنعا، فكان بالإمكان حبس الرجل و معاقبته للحد من اقواله، أما الذبح والقتل كالخرفان فما أنزل الله به من سلطان، وقد أشرنا أن الرجل كان مؤدبا لمروان الحمار، وكان يقصد بمقالته التنزيه فأخطا وإلا لزم قتل المعتزلة والجهمية عبر التاريخ. هذا فيما يتعلق بالجعد بن درهم ، نأتي إلى الشق الثاني والمهم من هاته القصة لنتعرف على كاتب الدراما الداعشية خالد بن عبد الله القسري. قال فيه ابن معين: كان رجل سوء يقع في علي بن أبي طالب – رضي الله عنه وقد ذكر الذهبي و صرح بذلك في سيرأعلام النبلاء عن نيل القسري من الإمام علي حيث يقول الذهبي ما نصه : ” قال عبد الله بن أحمد : سمعت ابن معين يقول : خالد بن عبد الله القسري رجل سوء يقع في علي ، وقال فضل بن الزبير : سمعت القسري يقول في علي ما لا يحل ذكره هذه الحكاية فائضة ومشهورة في كتب القوم ولا حاجة لنا لسرد أدلة كثيرة بل نكتفي بذكر ما ذكره الذهبي في سيره حيث يقول: ” قتيبة بن سعيد وغيره ، قالا : حدثنا القاسم بن محمد، عن عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، عن أبيه، عن جده، قال: شهدت خالدا القسري في يوم أضحى، يقول: ضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه. قلت: هذه من حسناته.” إذن الذهبي لم يكن أقل من الجعد بن درهم فقد تلبس ببدعة عظيمة، وهي عدواته لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي علامة حقيقية من علامات النفاق، (فلا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق). وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية نفس الواقعة مدافعا عنه ومبررا قتل الجعد بن درهم لنفس الأسباب التي ادعها خالد بن عبد الله القسري، وزاد أن ذكر أن عقيدته قد أخذها عن اليهود، وهذا الأمر فيه نظر والله أعلم، لأن أفكاره التي طرحها في العقيدة مناقضة كل المناقضة لما عليه اليهود، فهو ينكر بعض الصفات القديمة القائمة بذات الله ويؤولها لينزه الله تعالى عن سمات الحدوث، ويقول بخلق القرآن وإن الله لم يكلم موسى بكلام قديم بل بكلام حادث، بينما اليهود المعروف عنهم الإغراق في التجسيم والتشبيه، ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن قتل الجعد كان لسبب سياسي لا لآرائه في العقيدة، ويعلل ذلك بأن خلفاء بني أمية وولاتهم كانوا أبعد الناس عن قتل المسلمين في مسائل تمت إلى العقيدة. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع أفكار “الجعد بن درهم” لكن تظل طريقة القتل وظروفها سبة فى أعناق من فعلوها، لأنهم بفعلتهم كانوا أكثر جرأة على حرمة الدين من “الجعد” الذى أصاب وأخطأ، ومن يعاقب الناصبي خالد القسري لسبه الإمام علي، لم تكن الأفكار لتحارب بالقتل والذبح، وهو نفس الأسلوب الذي استقى منه الغلاة دينهم، مع تزكية بعض العلماء لمثل هذا الصنيع يزيدهم قوة، رغم بعض الفوارق، لأن أغلب من يبرر يتحدث عن الفرق بين عقوبة السلطة وعقوبة الأفراد، لكن لم ينتبهوا أن هؤلاء قد جعلوا لأنفسهم خلافة وسلطة ولو كانت سرابا وأحلاما برروا بها ذبح الناس مرددين في ذلك حوادث من هذا القبيل، لم يكن التاريخ يوما منفصلا عنا حتى لا نحكي ما وقع من إرهاب وإجرام فكري مارسه المبتدعة الحقيقيون باسم الدين والدفاع عن العقيدة، وليعلم أهل العلم وطلابه أن الأمير خالد القسري الفاسق الناصبي الخبيث لم يكن فيه من الدين والإيمان ما يجعله من الذين يغارون على حرمات الله تعالى حتى يعاقب من يستحل حرمات الله ويقول في دين الله تعالى ما لم ينزل الله به من سلطان، بل هو وأمثاله من المشجعين لانتهاك حرمات الله تعالى وأما الجعد بن درهم فما نسبوه إليه يحتاج إلى بحث معمق لمعرفة الأسباب الحقيقية لمقتله وليس كما زعم الناصبي. ولذلك لم يترك الله تعالى الجعد بن درهم يموت مظلوما مقتولا بغير حق، قبل أن يجازي الله تعالى فاعله بنفس الجزاء، فكان الجزاء من جنس العمل. فقام القسري بذبح الجعد يوم العيد (عيد المسلمين) وجاء العقاب عليه مقدما في الدنيا قبل الآخرة وهذا ما ذكره ابن كثير بقوله : ” فمات تحت العقوبة البليغة، كسر قدميه ثم ساقيه ثم فخذيه، ثم صدره، فمات ولا يتكلم كلمة واحدة، ولا تأوه حتى خرجت روحه.” نسأل الله العفو والعافية وأن يغفر لجميع موتى المسلمين، والغرض من هذا المختصر تجلية الأمر، لأن أغلب من يدرس أبواب العقيدة لابد أن تمر به حادثة الذبح غافلا غير باحث عن أسبابها، هذا ما أجادت به قريحتي اعتمادا على بعض البحوث والمقالات في الباب ذكرت بعض كلماتها بتصرف، وفق الله الجميع للخير والسلام.
(*) باحث في مجال العقائد