بقلم: د. خليل الناصري (عضو المركز المغربي للوساطة (.)
إن ما يعرفه الاقتصادي العالمي وضمنه الاقتصاد الوطني من تحولات متسارعة وتغيرات جدرية بما في ذلك مجال الشغل والتشغيل والعلاقات المهنية داخل المقاولات التي انخرطت في الثورة الرقمية و ما نتج عن ذلك من ظهور أنماط جديدة مثل المقاولات الإفتراضية والعمل عن بعد وكذلك ضهور مهن جديدة تعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا وتطور نمط جديد من الأجراء المستقلين ، كل ذلك نتج عنه تداعيات وانعكاسات على مختلف الفاعلين في سوق الشغل من قطاعات إنتاجية و فرقاء اقتصاديين واجتماعيين،و من كافة المتدخلين ومن بينهم جهاز تفتيش الشغل تطلبجهدا مضاعفا لمواجهة التحديات المفروضة والانتظارات المتزايدة من قبل أطراف الإنتاج سعيا نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة لبلادنا.
منذ تأسيسه خلال عهد الحماية سنة 1926 بموجب الظهير الصادر في 13 يوليوز 1926 مارس جهاز تفتيش الشغل بالمغرب أدورا هامة سواء في المجال الرقابي المتمثل أساسا في ضمان التطبيق الجيد لمختلف النصوص القانونية المؤطرة لعلاقات الشغل عن طريق زيارات المراقبة و التفتيش لمختلف الوحدات الإنتاجية الخاضعة لتشريع الشغل ، وكذا في مجال تدبير العلاقات المهنية عن طريق التدخلات الاستباقية لتفادي نشوب نزاعات الشغل من جهة، و إجراء محاولات التصالح بشأن نزاعات الشغل بنوعيها الفردي و الجماعي من جهة أخرى مع تأطير المفاوضة الجماعية ومأسستها بهدف تطوير القوانين التعاقدية عن طريق تشجيع إبرام اتفاقيات الشغل الجماعية وتحويل مفاهيم الصراع بين طرفي الإنتاج نحو وضع أساسه الثقة والتفاهم والحوار الإيجابي بين الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين بهدف تحقيق سلم اجتماعي يكون في خدمة التنمية السوسيواقتصادية، لقد وجد مفتش الشغل نفسه في فترة ما بعد الحماية خلال ممارسة دوره الرقابي أمام مقتضيات تشريعية وتنظيمية للتشريع المنظم للشغل والذي كان مشتتا في ظهائر ومراسيم وقرارات مختلفة ، بالإضافة إلى قيامه بمهام عرفية لا تستند على مرتكز تشريعي في مجال المصالحة بين أطراف الإنتاج في تسوية نزاعات الشغل الجماعية والفردية.
و بالتالي كان لا بد من تجميع الظهائر والمراسيم القديمة و تعديل البنود المتقادمة في مدونة الشغل الصادرة بموجب القانون رقم 99-65 بتاريخ 11 شتنبر 2003 والتي دخلت حيز التطبيق في يونيو 2004 بخصوص المهام القانونية الجديدة لهذا الجهاز المنصوص عليها في المادة 532 من مدونة الشغل و التي رسمت دور المصالحة في تسوية نزاعات الشغل الفردية والجماعية وإعطاء النصح و الإرشاد لأطراف العلاقة الشغلية بالإضافة الى ما أقرته عدد من القوانين المنظمة لمجال تدخل مفتش الشغل و منها الفصل 16 من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.72184 بتاريخ 15 جمادى الثانية 1392 ( 27 يوليو 1972) يتعلق بالضمان الاجتماعي ، و المادة 22 من القانون رقم 12.19 بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات و العمال المنزليين ، والمادة 12 من القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، وكذلك المادة 3 من المرسوم 2.08.69 بشأن النظام الأساسي الخاص بهيئة تفتيش الشغل كل ذلك قصد التطبيق الأمثل لأحكام تشريع الشغل و مراقبة تطبيقه من قبل المخاطبين بأحكامه وهي المهام التي تعتبر مهاما ظاهرة، بالإضافة إلى مهام أخرى باطنة والمتمثلة خاصة في النهوض بالعلاقات المهنية و تشجيع القانون التعاقدي، ما أعطى لمفتش الشغل تخصص موضوعاتي عام يمتد لمراقبة جميع مقتضيات التشريع الاجتماعي والمقتضيات المتعلقة بالصحة والسلامة المهنية وموضوعاتي خاص عبر إحداث فئة مهندس مكلف بتفتيش الصحة والسلامة المهنية و طبيب مكلف بتفتيش طب الشغل .
واعتبار لدور مفتش الشغل الذي يوجد في صلب العملية الاجتماعية من خلال ممارسة اختصاصاته الرقابية أو التصالحية أو التحكيمية أو فيما يخص النصح والإرشاد و مساهمته في تطوير القوانين التعاقدية و نتيجة توسع مجال تدخله، ونظرا لتعدد وتنامي المخاطر المهنية المترتبة عن بروز أنماط وأشكال جديدة من علاقات الشغل بفعل التطور العلمي و التكنولوجي أو تلك التي يطغى عليها طابع الهشاشة وانعدام الاستقرار المهني، فقد كان لزاما إعادة النظر في اساليب عمل جهاز تفتيش الشغل التي كانت تتسمبالتقليدية.
حيث ركزت تقارير منظمة العمل الدولية حول جهاز تفتيش الشغل أن التصدي لهذه التحولات يتطلب مهارات تفتيش واستراتيجيات وقائية جديدة، واعتماد أساليب عمل مبتكرة في هذا الشأن، وذلك بالإعتماد على أفضل الممارسات الكفيلة بإيجاد حلول فعالة للمشاكل والصعوبات التي ستفرزها هذه التحولات وهو ما أكدت لجنة الخبراء القانونيين التابعة لمنظمة العمل الدولية في إشارتها إلى أن أفضل التشريعات يمكن أن ينتهي إلى تطبيق سيء أو أن تبقى نصوصه حبرا على ورق ما لم يقترن بفعالية جهاز تفتيش ويقصد هنا التنزيل والتقنيات المرتبط به من بحث وتحري.
وبالتالي كان لا بد من اعتماد مقاربة الجمع بين تطوير المقتضيات القانونية الكفيلة بمواكبة هذه التطورات في أنماط العمل و تطوير مهارات مفتش الشغل لمواكب المستجدات التكنولوجية التي أصبح يعرفها مجال الشغل والتي تمكنه من متابعة البيانات المتعلقة بأداء العمل وفي مراقبةالصحة والسلامة المهنية من خلال استعمال أجهزة المراقبة المتطورة ( كأجهزة قياس الضوضاء والغبار والضوء …) ووضع تصور توقعي و استباقي لمواجهة الحوادث المهنية، بالإضافة الى أهمية تطوير آليات المعالجة الرقمية الفورية للمعطيات وهو ما تم تفعيله عبر نظام معلوماتي مندمج لتدبير أنشطة مفتشية الشغل ما سيمكن من توحيد منهجية تفتيش الشغل و يساهم في ضمان انسيابية المعلومات والمؤشرات المتداولة.
استحضارا لما تقدم و سعيا نحو تطوير آليات التنزيل فإن مفتش الشغل أصبح يعتمد البرمجة المسبقة لزيارات المراقبة و يحدد الأولويات وفق الخصوصيات المحلية حسب موضوعات محددة وحسب نوع النشاط الاقتصادي وموسميته وفئة الأجراء المستهدفين (صناعة ،فلاحة ، بناء و أشغال عمومية…). بالإضافة الى اعتماد مفتش الشغل على آلية التنسيق مع عدد من الأجهزة الإدارية لتسهيل القيام بمهامه من سلطات محلية أو قضائية ، حيثثم تنزيل مذكرة التفاهم للتعاون والتنسيق بين وزارة الشغل والإدماج المهني ورئاسة النيابة العامة والتي تهدف إلى ضمان التطبيق السليم للقوانين المتعلقة بشروط العمل، خاصةً فيما يتعلق بحماية حقوق العمال والعاملات المنزلية وبهدف تحقيق الإلتقائية وتتبع مآل محاضر المخالفات المحررة من قبل مفتشي الشغل.
رغم ما تقدم فإن الإجماع قائم على أن تقوية وتعزيز صلاحيات جهاز تفتيش الشغل و تطوير آليات عمله يدفع نحو الحديث على ضرورة تطوير المرجعية القانونية وخاصة مراجعة الكتاب الخامس من مدونة الشغل المتعلق بأجهزة المراقبة لمنح مزيد من الإختصاصات لمفتشي الشغل و ضبطها و الحماية القانونية لإجراءاتهم خاصة في مجال الصحة و السلامة المهنية و تبسيطها.
خاتمة
ويبقى مفتش الشغل ذلك المتدخل الذي يسعى للحفاظ على السلم الاجتماعي والاستقرار في الشغل و حماية حقوق العمال والمقاولة ويحمل بذلك همين : هم اجتماعي يتعلق بإنصاف الطبقة العاملة والمساهمة في استقرارها الاجتماعي وآخر اقتصادي مرتبط بالإنتاج وتطويره وخاصة في المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وبالتالي فإن الرهان المطروح على جهاز تفتيش الشغل يتمثل بالأساس في كيفية التوفيق بين ضمان تنافسية المقاولة بصفة خاصة والنسيج الاقتصادي الوطني بصفة عامة، وضمان احترام الحقوق الأساسية للأجراء، مع الأخذ بعين الاعتبار رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورهانات التحولات التكنولوجية.
(.) مدير إقليمي لوزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات
مفتش الشغل