كما كان متوقعا منذ مدة ، أعفى رئيس الوزارة الاسباني “بيدرو سانشيز” وزيرته في الخارجية “أرانشا كونزاليس لايا ” من مهامها في إطار تعديل حكومي. الإعفاء لم يكن مفاجأة باعتباره يأتي في سياق سوء تدبيرها لعدد من الأزمات على الصعيد الداخلي والخارجي بحيث عرفت “لايا” بسوء تدبيرها للأزمة مع المغرب والذي كانت هي من بين أسبابه وكذا الخلاف مع انفصاليي كاتالونيا.
ويعتبر عدد من المتتبعين أن قرار إعفاء وزيرة الخارجية الاسبانية هو محاولة الهدف الرئيسي منها تجاوز العديد من الأزمات الدبلوماسية التي تسببت فيها وفي مقدمتها الأزمة مع المملكة المغربية من خلال تورط لايا المباشر بتواطئ مع نظام الحكم بالجزائر في ملف دخول زعيم انفصاليي مرتزقة البوليساريو إلى التراب الإسباني بهوية ووثائق مزورة. وشمل التعديل الحكومي الذي أقدم عليه رئيس الوزراء الاسباني وزارات أخرى والذي يسعى من ورائه هذا الأخير إلى بث نفس جديد في حكومته واستعادة مناخ الثقة مع المغرب.
ويرى الأكاديمي ورئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية “محمد بودن” في قراءته للتعديل الوزاري الذي أقدم عليه رئيس الوزراء الاسباني والذي كان إعفاء وزيرة الخارجية أبرز ملامحه، (يرى) أن الاستغناء على هذه الأخيرة كان متوقعا حدوثه منذ مدة بسبب إشعالها للعديد من الأزمات الدبلوماسية لبلدها مع مجموعة من الدول الهامة جدا بالنسبة لاسبانيا وفي مقدمتها المملكة المغربية إضافة إلى دول في أوربا وفي أمريكا اللاتينية كالبيرو ونيكاراجوا والمكسيك، كما أنها فشلت في المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، معتبرا الأزمة الكبرى التي أضعفت وزيرة الخارجية “أرانشا” هي الأزمة الدبلوماسية مع المغرب واشتباكها فيما بعد مع مؤسسات أخرى من خلال سماحها بدخول المدعو “إبراهيم غالي” بهوية ووثائق مزورة وبالطريقة المعلومة، معتقدا أن إعفاء هذه الوزيرة هو إقرار بفشلها في تعزيز وجود اسبانيا على الساحة الدولية وتقويضها للثقة والشراكة مع المغرب كأهم شريك لاسبانيا، وإيمانا من رئيس الوزراء الاسباني “يدرو سانشيز” من أن صورة اسبانيا ومكانتها الإقليمية ستتضرر أكثر باستمرار “أرانشا لايا” في منصبها كوزيرة للخارجية.
المتحدث ذاته اعتبر عودة “مانويل ألباريس خوصي” لوزارة الخارجية باسبانيا تأتي في إطار الرهان على شخصية جديدة من أجل استعادة العلاقات إلى طبيعتها مع أطراف دولية هامة بالنسبة لاسبانيا وفي مقدمتها المغرب وكذا من أجل أن يبرز ” بيدرو سانشيز” مرة أخرى في دائرة الضوء.
وحول مطالبة العديد من الجهات داخل اسبانيا ومنها الحزب الشعبي الاسباني في وقت سابق بإقالة وزيرة الخارجية الاسبانية بسبب إشعالها للأزمة مع المغرب وطريقة تدبيرها لقضية زعيم مرتزقة البوليساريو المدعو “إبراهيم غالي”، يؤكد المحلل السياسي “محمد بودن” أن هناك إدراكا داخل اسبانيا بأن المملكة المغربية شريك استراتيجي لاسبانيا وأن حاجة هذه الأخيرة لا على المستوى الاقتصادي ولا على المستوى الأمني للمملكة المغربية وكذا التقييم العام داخل اسبانيا دفع في اتجاه اتخاد قرار إعفاء وزيرة الخارجية “أرانشا كونزاليس لايا” من منصبها وهو القرار الذي يأتي في إطار رغبة الحكومة الاسبانية في تعزيز صورتها الدولية والبحث عن فرص اقتصادية في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها اسبانيا والتي أثرت بشكل سلبي على فرص اسبانيا الاستثمارية وعلى العروض الاقتصادية للسوق الاسبانية مما أدى في النهاية إلى فشل “أرانشا كونزاليس” في الدبلوماسية الاقتصادية وفي تدبير العلاقات مع عدة شركاء ومن بينهم المغرب.
وفي تقدير “بودن” فإن وزيرة الخارجية الاسبانية التي تم إعفاؤها مثلت عامل توتر في العلاقات المغربية الاسبانية ومن شأن الاستغناء عنها أن يدفع في اتجاه التقليل من حدة هذا التوتر، إلا أنه يجب قراءة العلاقات المغربية الاسبانية وآفاق مرحلة جديدة في هذه العلاقات وفق مقاربة شمولية.
وفي مصير العلاقات المغربية الاسبانية في ضوء التعديل الوزاري الاسباني الأخير يرى المحلل السياسي محمد بودن أن الرغبة في غد أفضل من طرف اسبانيا مع المغرب لا تعتمد فقط على إعفاء وزيرة أو تغيير مسؤول بمسؤول آخر، بل يستوجب بناء منطق جديد يعتمد أساسا على المنفعة المتبادلة وعلى الاحترام المتبادل ويجعل من أسس الشراكة ذات مضمون ويدعم ما هو إيجابي والتخلي عن ما هو سلبي في العلاقات بين البلدين ومعالجة الأسباب لمؤدية للأزمة والتي في حالة عدم معالجتها ستبقى العلاقات هشة إن اقتصاديا أو أمنيا أو سياسيا على اعتبار أن هناك أخطاء ارتكبت أدت إلى الوضع الحالي ومنها المسألة المتعلقة بالحدود البحرية، مسألة دخول المدعو “إبراهيم غالي” للتراب الاسباني بهوية ووثائق مزورة، مسألة موقف اسبانيا من قضية الصحراء المغربية والذي يبقى موقفا غامضا ومتدبدبا فضلا عن بعض الردود المتصلبة في بعض الأزمات النائمة والتي تجب معالجتها في إطار الحوار والتفاهم على اعتبار أن العلاقات المغربية الاسبانية هي علاقات هامة في المحيط الإقليمي.