بقلم: لحسن الجيت
طارت عقولهم إن كانوا أصلا يملكون عقولا، واشتد سعارهم ليسكنهم الهذيان. هم أولئك الذين نصبوا أنفسهم حماة لمعبد سموه بمناهضة التطبيع. حملتهم كانت صرخة في واد عميق تردد صداها ولم يتجاوز مسامعهم على قلتهم في خرجات معزولة ومحتشمة. لقد نبهناهم غير ما مرة بأنهم ظاهرة صوتية لم يرهفوا سمعهم ولو هنيهة ولم يصدقوا قولنا إلى أن وقفوا اليوم على الحقيقة التي أفحتهم فوجدوا الشعب المغربي غير ذلك الذي كانوا يتوهمون ملتفا حول قيادته وحول الخيارات الاستراتيجية التي اتخذتها الدولة عن وعي وعن حسابات دقيقة تصب في المصلحة العليا للبلاد.
اليوم تأكد لدى مناهضي التطبيع أنهم ينتمون إلى حقبة أكل الدهر عليها وشرب، حقبة الأيديولوجيات الفارغة والشعارات الجوفاء التي تضر ولا تنفع. وبات واضحا أن عويلهم لا يمت بصلة إلى خطاب الحكمة والعقل وهو خطاب الوطنية الصادقة، كما ليس له مكان عند مغاربة القرن الواحد والعشرين، بل أكثر من ذلك كانت النية المدسوسة لدى أولئك تتجه نحو خلق قطيعة ما بين المغاربة والقيم التي تربوا في أحضانها وورثوها عن أجدادهم، قيم العيش المشترك بين أبناء الطوائف الدينية المتعايشة على أرض المغرب أرض التسامح.
حملتهم المسعورة باءت بالفشل فيما العربة تواصل سيرها في قطع أشواط لتوطيد العلاقات بين المملكة المغربية ودولة إسرائيل. لقد صعقهم مسلسل الزيارات والمباحثات التي هي جارية على قدم وساق بين المسؤولين المغاربة ونظرائهم الإسرائيليين. إنه الطوفان التي يجرف أولئك المناهضين والمتمثل في حجم ونوعية الاتفاقيات التي يبرمها البلدان بوتيرة متسارعة في مختلف المجالات الاقتصادية والفلاحية والسياحية والعسكرية والأمنية ناهيك عن القطاعات الأخرى ذات الطابع الفني والتقني. ما أبرمه المغرب مع إسرائيل من اتفاقيات ومعاهدات ومذكرات في وقت وجيز لم يسبق له مثيل في علاقاته الخارجية.
ويعود الفضل في هذا الزخم القوي الذي طبع هذه العلاقات إلى الإرادة السامية والجادة بعد أن قرأت الواقع قراءة جيدة وبكل مسؤولية ونظرة ثاقبة رصدت كل ما هو وطني وإقليمي ودولي وتسخير كل ذلك لخدمة المصالح العليا للبلاد ووضعها فوق كل اعتبار بموجب تحالفات غيرت المعادلات وأثرت إيجابا على مواقف بعض القوى الوازنة في علاقاتها مع المغرب، وبعثرت أوراق المناوئين والخصوم. ولولا بناء هذه التحالفات لكان المتربصون بنا قاب قوسين أو أدنى من إشعال فتيل الحرب. قد يقول قائل على غرار ما أعلنته نبيلة منيب أننا نحن المغاربة قادرون على أن ندافع على بلادنا ولسنا بحاجة لأحد، ونرد عليها وعلى غيرها بالتأكيد على أننا لا نجادل في ذلك لكن اعتماد سياسة الردع خير من خطر الانزلاق في حرب. فالحرب سهل أن تشنها وصعب أن توقفها.
كل هذا الذي تحقق على مستوى العلاقات المغربية الإسرائيلية كان صادما وشكل صعقة كهربائية لزمرة المناهضين بعد أن تقطعت بهم السبل وتعطلت حافلتهم في منتصف الطريق ووجدوا أنفسهم في وضعية لم نرد أن نراهم فيها وهي مثيرة للشفقة. ولأنهم من فئة “الجبهة المصنطحة” نراهم اليوم يحاولون أن يخرجوا ما لديهم من “خرتوش” بارد مغشوش في محاولة يائسة بالهروب إلى الأمام، هروب يعكس الفشل المخزي وذلك باللجوء إلى سياسة التحريض التي عبر عنها اليساري والإسلامي كل على طريقته.
نبيلة منيب حاولت من جهتها أن تحرض الإعلام ووجهت إليه اللوم عن سكوته وعدم انخراطه في حملة مناهضة التطبيع. المقرئ أبوزيد وعبد الإله بنكيران دعوتهما إلى التحريض استهدفت الشعب المغربي وألقيا عليه باللائمة لأنه لم يتفاعل إيجابا مع حملاتهم المشبوهة ضد خيارات الدولة. والأخطر في ذلك أن المقرئ أبو زيد الإدريسي اعتمد خطابا تضليليا ليبني الحق على الباطل وينطلق من فرضيات يدعي فيها أن الدولة المغرية تقول لنا أن عدد اليهود المغاربة في إسرائيل يبلغ مليونين وهذا رقم نفخ فيه السيد أبو زيد ليوهم المغاربة أن دولتهم تكذب عليهم و”الكذاب” الحقيقي هو هذا الإسلامي ذو اللحية الوقورة.
أكثر من ذلك يحرض هذا الرجل المغاربة على العنف وممارسة الإرهاب في حق اليهود الذين يزورون المغرب معتمدا في ذلك على بعض الوقائع يقول أنه شاهدها في الأردن وسمع عنها في مصر، مثل ما قال إنه شاهد بأم عينيه صاحب مطعم أردني في مدينة جرش “يسلخ” وزيرا إسرائيليا. وفي رأينا أن هذه القصة في مجملها منفوخ فيها إن لم تكن من وحي خيال المدعو أبو زيد. ولو فرضنا أن فيها نصيبا من الحقيقة فلا أستبعد أن يكون صاحب المطعم فلسطينيا غير سوي وليس أردنيا. ونفس الحكم ينطبق على الطفل المصري بائع الماء الذي قال لنا الراوي عنه أنه عرف السائحتين بأنهما إسرائيليتين من خلال نجمة داوود في سلسلة عنقهما. بلا شك هذا خطاب تضليلي يبني عليه السيد أبو زيد للترويج إلى ممارسة الإرهاب في المغرب.
لكل أولئك نقول لليساري وللقومجي الذي اشتقنا إليه وللإسلامي أن المغاربة هم أكبر من أن ينال منهم الكذب والبهتان، فهم وطنيون في المقام الأول وفي المقام الأخير. ولا تقارنوا هذا الشعب بشعوب أخرى التي نحتفظ لها بكل المحبة والتقدير. واعلموا أنكم من الجيل القديم جيل الحرب الباردة فيما المغاربة هم من جيل التكنولوجيا الحديثة. وأن ثورة الملك والشعب هي ثورة دائمة ومستمرة في الماضي والحاضر والمستقبل. والناس على دين ملوكها.