من الرباط إلى هلسنكي حين تصبح التجربة المغربية حاضرة في مراقبة الانتخابات الأوروبية

لم يعد المغرب يكتفي ببناء تجربته الانتخابية والمؤسساتية داخل حدوده، بل باتت هذه التجربة حاضرة في فضاءات دولية تتيح له تبادل الخبرات والإسهام في النقاشات المتعلقة بالديمقراطية المحلية والحكامة الترابية وتنظيم الانتخابات.

ولعل إحدى أكثر الدلالات وضوحاً في هذا المسار أن المغرب شارك، لأول مرة منذ حصوله على صفة «الشريك من أجل الديمقراطية المحلية» لدى مؤتمر السلطات المحلية والجهوية التابع لمجلس أوروبا، في مهمة لملاحظة الانتخابات البلدية والجهوية في فنلندا التي جرت في 13 أبريل 2025، ضمن وفد المؤتمر، ومثله رئيس الجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم عبدالعزيز الدرويش. وقد وثق مجلس أوروبا رسمياً هذه المشاركة المغربية ضمن بعثة مراقبة الانتخابات الفنلندية.

وقد تبدو الواقعة، للوهلة الأولى، مجرد مشاركة مغربية في مهمة انتخابية أوروبية، لكنها تحمل دلالة أوسع حين توضع في سياقها الصحيح: المغرب الذي ظل يراكم تجربته في تدبير الاستحقاقات الانتخابية وتطوير مؤسساته الترابية أصبح طرفاً حاضراً في فضاء مؤسساتي أوروبي للحوار وتبادل الخبرات في مجال الديمقراطية المحلية.

وتزداد دلالة هذا الحضور بالنظر إلى أن المملكة كانت أول دولة تحصل، سنة 2019، على صفة «الشريك من أجل الديمقراطية المحلية» لدى مؤتمر السلطات المحلية والجهوية التابع لمجلس أوروبا، وهو وضع يمنح ممثليها إمكانية المشاركة في أشغال المؤتمر ولجانه والمساهمة في النقاشات المتعلقة بالحكامة والديمقراطية المحلية، وإن من دون حق التصويت.

وهنا تبرز قيمة التجربة المغربية في بعدها المؤسساتي؛ فتنظيم الانتخابات في المملكة لم يكن يوماً مجرد عملية تقنية تبدأ بفتح مكاتب التصويت وتنتهي بإعلان النتائج، بل هو جزء من منظومة قانونية وإدارية وترابية متكاملة، تطورت عبر عقود من الإصلاحات والتراكم.

وفي قلب هذه المنظومة توجد وزارة الداخلية، باعتبارها المؤسسة المكلفة بتدبير جانب أساسي من المسار الانتخابي والإشراف الإداري والترابي على مختلف مراحله، بما راكمته الإدارة المغربية من خبرة في تنظيم الاستحقاقات الوطنية والترابية وتدبيرها على امتداد المملكة.

وتكشف المشاركة المغربية في مهمة ملاحظة الانتخابات الفنلندية عن وجه آخر لهذه الخبرة: الانفتاح على التجارب المقارنة وعدم التعامل مع التجربة الوطنية باعتبارها مساراً مغلقاً، بل باعتبارها تجربة قابلة لتبادل المعرفة والخبرة مع مؤسسات ودول أخرى.

واللافت أن الأمر لم يأت من فراغ. فالمغرب انخرط منذ سنوات في شراكة مؤسساتية مع مجلس أوروبا في مجال الديمقراطية المحلية، وأصبح هذا الإطار منصة للحوار وتبادل التجارب والممارسات بين المنتخبين والسلطات المحلية المغربية ونظرائهم الأوروبيين. ويؤكد مجلس أوروبا أن برنامج تعاونه مع المغرب يقوم، من بين أهدافه، على تبادل الخبرات والتجارب والممارسات الجيدة في مجال الإصلاحات المرتبطة باللامركزية.

ومن هذه الزاوية، يصبح حضور المغرب في مراقبة الانتخابات الفنلندية أكثر من مجرد تفصيل بروتوكولي. إنه صورة معبرة عن التحول الذي عرفته الدبلوماسية المؤسساتية المغربية في مجال الحكامة الترابية: حضور، وتفاعل، وتبادل للخبرات، ومشاركة في فضاءات كانت تُقرأ في السابق من الخارج أكثر مما كان المغرب حاضراً فيها من الداخل.

والأهم أن هذه الدينامية لا تنفصل عن التطور الذي عرفته المنظومة الترابية المغربية نفسها، خصوصاً مع دستور 2011 الذي رسخ مبادئ الجهوية المتقدمة والديمقراطية المحلية، وجعل الجماعات الترابية جزءاً أساسياً من البناء المؤسساتي للمملكة.

ولذلك فإن الحديث عن الانتخابات المغربية اليوم لا ينبغي أن يتوقف عند أرقام المشاركة أو نتائج الاقتراع أو المنافسة بين الأحزاب، وإنما يتعين أن يمتد إلى السؤال الأوسع: ماذا راكم المغرب خلال عقود في مجال تنظيم الاستحقاقات وبناء المؤسسات المنتخبة وتدبير المجال الترابي؟

الجواب لا يوجد فقط في الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش وباقي المدن المغربية، بل يمكن العثور على جزء منه أيضاً في ستراسبورغ وهلسنكي، حيث أصبح المغرب حاضراً داخل منظومة أوروبية للحوار حول الديمقراطية المحلية، وحيث شارك ممثل مغربي في مهمة لملاحظة انتخابات محلية وجهوية أوروبية.

إنها صورة تستحق أن تُقرأ بهدوء: مغربٌ لا يكتفي بأن تكون له تجربة انتخابية خاصة به، وإنما يعمل على تطويرها، وينفتح على التجارب المقارنة، ويشارك في نقل خبرته ومناقشة الممارسات الانتخابية والمؤسساتية مع شركاء دوليين.

وفي هذه الصورة تحديداً، تبدو وزارة الداخلية المغربية جزءاً أساسياً من قصة تراكم مؤسساتي طويل؛ قصة إدارة انتخابية وترابية راكمت الخبرة عبر الاستحقاقات المتعاقبة، وطورت أدواتها، وواكبت التحولات الدستورية والقانونية والمؤسساتية التي عرفتها المملكة.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يصبح استحضار هذا المسار أكثر من مجرد استعادة للماضي. إنه تذكير بأن الانتخابات المغربية ليست يوماً واحداً في السنة، وإنما ثمرة منظومة كاملة من القوانين والمؤسسات والموارد البشرية والخبرة المتراكمة، وأن صورة المغرب الانتخابية لا تُصنع فقط داخل مكاتب التصويت، بل أيضاً من خلال قدرته على الحضور في النقاش الدولي حول الديمقراطية المحلية وتبادل الخبرات مع الدول والمؤسسات.

ومن الرباط إلى هلسنكي، تتضح واحدة من صور المغرب المؤسساتي الجديد: تجربة وطنية تتطور في الداخل، وتنفتح على العالم في الخارج، وتدخل إلى فضاءات دولية لم تعد فيها المملكة مجرد متلقية للخبرة، وإنما شريكاً في الحوار حولها.

تعليقات (0)
اضافة تعليق