بقلم : د. فؤاد هراجة (.)
من المعلوم في مجال الطب أن علامات مثل طفح جلدي أو ارتفاع حرارة أو انخفاض ضغط الدم أو الشعور بإرهاق شديد ما هي إلا إرهاصات ومؤشرات على وجود سبب حقيقي من ورائها؛ والطبيب الحادق هو الذي لا يقف عند تمظهرات المرض ويرهق المريض حياته كلها في محاربة المرض دون جدوى، بل يبحث عن أسباب المرض ليقطع دابر المرض من أصله ويجفف منابعه ومن تم تنمحي آثاره. وهذا المثال ينطبق تمام التطابق على الأمراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد تطفو باستمرار أعراض مرضية في مجال تدبير الشأن العام من قبيل المحسوبية والزبونية، وتقديم الولاء على الكفاءة، واستغلال النفوذ والمكانة الاعتبارية، وتحويل المناصب إلى ريع وغنائم سياسية…، وقد تنشغل بهذه الأعراض ونكرس جهدا كبيرا لفضحها من أجل القضاء عليها، لكننا نفاجأ دائما ببروز أعراض أفضع منها، والخلل يكمن في عدم امتلاك الجرأة على إجراء تحليل دقيق لكل هذه الأعراض كي نتبين السبب الرئيس الذي ينتجها ويقف وراءها. في مثل هذه القضايا تكون المقاربة المقارنة أنجع وسيلة للبيان والتبيين والإقناع. كلنا يتحدث اليوم عن مهزلة نتائج مباراة المحاماة أو المحاباة التي غَنِمت نتائجها (2000 منصب) 37 أسرة مغربية جلها تنتمي لطبقة الأعيان سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعلى رأسها أفراد من أسرة وزير العدل الحالي. إن حدثا كهذا وغيره كثير في كل المجالات، ما كان ليحدث أو يتجرأ على فعله شخص أو جهة ما لو كنا نعيش في دولة المؤسسات؛
* دولة لها قضاء مستقل له اليد الطولى في جر كل من يشتبه فيه إلى التحقيق بَلْهَ من ثبت في حقه التلاعب والفساد في الشأن العام،
* دولة لها برلمان لا يتوقف دوره على التشريع بل بتعداه إلى ممارسة الرقابة على أداء الحكومة وكل المؤسسات الوطنية ذات المصلحة العامة،
* دولة لها إعلام وطني حر يتفاعل مع نبض الشعب الذي يمول من ضرائبه هذه المرسسة، فتكون صوته ومنبره الذي يعبر عن تطلعاته من جهة، وعن سخطه وغضبه من جهة أخرى،
* دولة لها دستور يكرس المساواة الفعلية بين المواطنين عوض تدبيجها في فصوله، ويجسدها من خلال اعتبار كل المواطنين سواسية أمام القانون رؤساء ومرؤوسين،
* دولة يخضع فيها الجميع إلى قاعدة ”المسؤولية قرينة المحاسبة.
ولأن وزير العدل عبد اللطيف وهبي أخبر المغاربة أن ابنه يحمل إجازة في القانون من كندا، فإنني سأستدعي نازلة وقعت في كندا من أجل المقارنة بين دولة تحكمها مؤسسات ودولة يحكمها هوى الاستبداد؛ وعندما نقول تحكمها مؤسسات معناه: مؤسسات تم انتخاب مسؤوليها بطريقة ديمقراطية وشفافة بعيدا عن التعيين والريع والولاء، بحيث يكون مصير مسؤوليتها بيد من انتخبوهم. في شهر يونيو من سنة 2018 تم تغريم رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو بمبلغ قدره 100 دولار بسبب عدم تصريحه في غضون مدة أقصاها شهر واحد، بتلقيه نظارة شمسية أهديت إليه. وقالت قناة “سي بي سي” التلفزيونية، إن الغرامة فرضت من قبل مكتب ماريو ديون مفوض الأخلاق وتضارب المصالح، الذي يمثل هيئة رقابية في البرلمان الكندي. وأشار المكتب، إلى أن رئيس الوزراء جاستين ترودو لم يصرح بتلقيه هدية تزيد قيمتها على 200 دولار، خلال 30 يوما من قبولها. وأوضح السكرتير الصحفي لترودو، أن الأمر لا يتعلق بالفساد بل وقع “نتيجة لخطأ إداري، حيث لم يتم ملء النماذج الضرورية لذلك في غضون 30 يوما”.
أنظروا رعاكم الله! رئيس وزراء لم يصرح بهدية قيمتها 2000 درهم يتابع ويُغَرَّم ويعترف بخطئه وينفي أن يكون الأمر فسادا، يا إلهي! هذا هو القانون الكندي الذي درسه ابن الوزير عبد اللطيف وهبي، يعتبر الهدية غير المصرح بها فسادا، فماذا لو حصلت في كندا مثل مباراة المحاماة التي كانت نتائجها ”وهبية“ وليست ”كسبية“ أي لا علاقة لها بمكتسبات وكفاءات المترشحين 70 ألف؟
إن وجود منظومة حكم مستبدة تستولي على كل مفاصل أجهزة الدولة وتسخيرها لترسيخ بقائها وتوسيع دائرة الولاء لها، هي كالشجرة المسمومة التي لا تنتج إلا ثمارا مسمومة، وأننا لو أمضينا حياتنا كلها نحارب ثمارها لما قضينا على سمها، مثل هذه الأشجار ينبغي عدم مدها بالماء وحفر الأرض من حولها حتى تتلاشى جذورها وتسقط مهما كانت ضخامتها وقوته.
عندما يرى الوزير والموظف السامي والموظف العادي رئيس وزراء يتابع ويحاكم ويحاسب ويقبل ويعترف، حتما سيكون هذا الدرس مدعاة لاحترام الدولة واحترام الدستور واحترام القانون واحترام حقوق المواطنين.
لقد صدق شاعر العراق ابن التعاويذي حين قال:
إِذا كانَ رَبُّ البَيتِ بِالدُفِّ مولِــعــاً ** فَشيمَةُ أَهلِ البَيتِ كُلِهِمِ الرَقصُ
فإذا كان الفساد كالماء المصبوب المنهمر من أعلى دَرَج فإنه حتما سيغمر الدروج كلها، وإن انقطع من الأعلى ستجف الدروج جميعها. لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة وَرِثَ فساد دولة بني أمية دام 59 سنة، اغتنى فيها الأمراء والولاة والعمال والقضاة وقواد الجيش والعاملون في الدواوين وندماء الحكام والأمراء (جلساؤهم)، فكان أول ما قام به أن أرجع كل ما ورثه إلى بيت مال المسلمين ومنها القصور وما حوته وحرر الخدم والجواري، حتى حِلِيَّ زوجته طلب منها أن تعيدها إلى خزينة الدولة، فلما رأى منه الولاة والعمال ذلك ساروا على منواله حفاظا على مناصبهم وخوفا من محاسبتهم، سيما وأنهم كانوا يرون ويسمعون عن ورع أمير المؤمنين تجاه المال العام، ويكفينا هنا أن نذكر ما وقع لعمر بن عبد الْعَزِيز لما أوتي يَوْمًا بمسك من الْفَيْء لتوزيعه على مستخبيه فَوُضِع بَين يَدَيْهِ فَوجدَ رِيحه فَوضع يَده على أَنفه وَقَالَ أخروه حَتَّى لم يجد لَهُ ريحًا، فلما سئل لَمَ فعلت ذلك؟ فأجاب: وهل ينتفع من المسك إلا بريحه، وأنا لا حق لي فيه، ولو شممته لكان ذلك تصرف في حق غيري. لله ذرك يا عمر بن عبد العزيز! فَلَئِن كنت تخشى أن تصيب أنفَك رائحةٌ تتطاير في الهواء لا ذنب لك فيها، فإن الشعوب اليوم تسمع بالثروات ولا تشم رائحتها وإن رائحتها لمن مسافة سويسرا وبانما…! فانظروا إلى أين انحدرت هذه الأمة وإلى أي مستوى بلغ الفساد فيها حتى أصبح وزيرٌ يشرف على ”العدل“ يبرر لفساد أزكم الأنوف في مهنة يعول عليها في الدفاع عن المواطنين.
وخلاصة القول، إن الانشغال بأعراض الأمراض عن أسبابها، وعدم امتلاك الجرأة على تشخيصها وتجرع مرارة دوائها وتحمل ألم جراحتها سيبقينا ندور في نفس الدائرة وننتج أعراضا أفضع منها. إننا مسؤولون عن كل ما يقع بسكوتنا، فالسكوت علامة الرضى، والصمت تواطؤ على المنكر، و هل سيبقى صراخنا مجرد شكوى كما قال الشاعر العراقي أحمد مطر:
لِمَنْ نشكو مآسينـا ؟
ومَنْ يُصْغِي لشكوانا ويُجْدينـا ؟
أنَشْكُو موتَنا ذُلاًّ لواليـنا ؟
وهل موتٌ سيُحْيِـينا ؟
قَطيعٌ نحنُ .. والجزَّارُ راعيـنا
ومنفيّونَ .. نمشي في أراضينا
ونَحْمِلُ نَعْشَـنا قَسْرَاً ..بأيديـنا
ونُعْرِبُ عن تَعازيـنا لـنا فيـنا!
فكفانا ذهابا وإيابا كالقطيع بين الذئب والجزار، ولننفض أسمال ذهنية القطيع ولنَرقَ بأنفسنا إلى الكرامة الآدمية التي خلقنا الله عليها وأمرنا بحفظها وصون قدسيتها.
(.) (باحث في الفلسفة والأخلاق)