بقلم: د. محمد معاذ الديوري
يتساءل الكثيرون: هل عاد المغرب إلى الاتحاد الأفريقي حقا؟ أم أن المغرب لم يكن عضوا في الاتحاد أصلا وإنما طلب العضوية في هذا الاتحاد هذا العام؟ وأيا كانت الإجابة فلماذا انخرط المغرب في اتحادٍ ينخرط فيه عضو آخر يسمى بحسب الاتحاد الأفريقي “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”؟ وهل يعني انخراط المملكة المغربية في الاتحاد الأفريقي وانضمامها إلى هذه المنظمة القارية الاعتراف ضمنيا بكيانٍ ليس لسلطته أي سيادة على أي رقعة من تراب أفريقيا إلا في قلوب الأشقاء الجزائريين ورفاق “نيلسون مانديلا”؟
جوابا على هذه الأسئلة يجب أن نستحضر أولا أن المغرب لم ينسحب يوما من الاتحاد الأفريقي حتى يعود إليه، لأنه بكل بساطة لم يكن يوما ما عضوا فيه، بل إن المغرب كان من الدول المؤسسة لمنظمة أفريقية أخرى اسمها “منظمة الوحدة الأفريقية”، وقد أعلن الحسن الثاني الانسحاب من هذه المنظمة احتجاجا على إعلانها انضمام ما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” إليها قبل 31 سنة من الآن.
كما يجب أن نستحضر من جهة ثانية أن المملكة المغربية دولة ذات سيادة، وهي تعتبر “الصحراء” جزءا من رقعتها الجغرافية تاريخيا، فهي لن تقبل أبدا بالمزايدة على السيادة الوطنية ولا باللعب على أوتار وحدتها الترابية، وهذا يعني بالضرورة أن الانسحاب من “منظمة الوحدة الأفريقية” لم يكن خطأ على الإطلاق عكس ما يعتقده الكثيرون، فالمغرب لم ينهج سياسة اعتماد الكرسي الفارغ في المنظمة إياه، بل قرر الانسحاب بكل جرأة وشجاعة نظرا لسياسة لي الذراع التي اعتمدت من لدن ساسة بعض البلدان الأفريقية وعلى رأسها قيادة “الجماهيرية الليبية”وعسكرتارية النظام الجزائري.
إذن، لم يكن المغرب يوما عضوا في الاتحاد الأفريقي حتى يعود إليه، لكنه أخطأ منذ 20 عاما تقريبا حين لم يقرر طلب الانضمام إلى هذا الاتحاد بعد تأسيسه من لدن الجهات المعادية للوحدة الترابية للمملكة، وخصوصا ليبيا والجزائر ومصر حينها.
ليس هناك ما يبرر عدم انخراط المغرب في الاتحاد الأفريقي حتى لو تعلق الأمر بانخراط جبهة “البوليساريو” المسمى زورا بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” في هذه المنظمة، ذلك أن الكيان/ الجبهة المذكورة لا تمثل حقيقة “الدولة” بمفهومها الحديث، وذلك لعدم سيادتها على أي رقعة من بقاع القارة الأفريقية، وعدم وجود سلطة فعلية لهذا الكيان المسمى دولة على أرض الواقع إلا في مخيلة أعضاء الجبهة وانفصاليي الداخل والخارج ورموز العسكرتارية الجزائرية والموريتانية وغيرها، ناهيك عن وجود “الشعب” في مخيمات بصور مستفزة لا تليق بالتجمعات البشرية فوق أراضٍ تعتبر ذات سيادة جزائرية وإن كان الكثير من انفصاليي الداخل يعتبرونها أراضيَ تابعة للجمهورية المزعومة (تندوف مثلا).
أرض بلا سلطة ولا شعب لا يمكن أن تسمى دولة، وشعب بلا أرض ولا سلطة لا يمكن إطلاق مسمى الدولة عليه، وسلطة بلا أرض ولا شعب لا يمكن اعتباره دولة، إذ لا توجد سيادة ولا تجمع سكاني ولا مجتمع ولا قانون حاكم ولا سلطة تنفيذية أو تشريعية فعلية، وإنما عشق الوهم والخيال المرتبط بالذهنية الاستبدادية الانقسامية القابعة في العقليات العربية وشبه العربية في المنطقة، وهذا يجب ألا يجعل من المغرب صاحب الكرسي الفارغ في منظمة قارية مثل الاتحاد الأفريقي.
إن ذكاء الملك محمد السادس ودهاءه جعلاه يصل إلى أن ما ورد أعلاه هو عين الحقيقة، وأنه لا مناص من الانخراط الجاد والمسؤول في مثل هذه التنظيمات ومعرفة خباياها والبحث عن سبل عملية واقعية لإيجاد حلول جذرية للنزاع حول “الصحراء” المفتعل من لدن كيانات تستفيد من الريع الاقتصادي والسياسي بالمنطقة.
لقد أجرى المغرب، في عدة محاولات منه لإيجاد حل جذري لهذه الأزمة، ألوانا من المفاوضات غير المباشرة مع الكيان الذي يرأسه حاليا المسمى “إبراهيم غالي”، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال الاعتراف الضمني أو غير المباشر بوجود جمهورية صحراوية جنوب المملكة غير “الجمهورية الإسلامية الموريتانية”.
وصفوة القول: أن عدم اعتراف هيئة الأمم المتحدة بدولة صحراوية ذات سيادة كاملة أو حكم ذاتي كفيلٌ بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عهود الاستعمار، بل إن مراجعة الدول الأفريقية لاعترافها بجمهورية “البوليساريو” كفيلٌ بأن يجعل من انخراط المغرب في الاتحاد وسيلةً لإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للبلدان الأفريقية ولاسيما الفقيرة منها والسائرة نحو طريق النمو، وهذا ما يتجلى في الزيارات الملكية التي عرفتها وستعرفها كثير من البلدان الأفريقية في الآونة الأخير قبل وبعد الانضمام.
مضمون خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس ،الذي ألقاه جلالته أمام القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الافريقي، أبرزت أن المغرب “لم يتخل أبدا عن جذوره الافريقية ليعود في الوقت المناسب الى أسرته الأفريقية المؤسساتية الكبيرة