“يُخلق من الشبه ياسمين”… ميادة مهنا سليمان وبيان شعري جديد في نضج الومضة العربية

إعداد: حفيظ حاجي

في لحظة شعرية تتقاطع فيها الرؤية الجمالية مع الوفاء للهوية، تطلق الشاعرة السورية ميادة مهنا سليمان ديوانها الجديد “يُخْلَقُ مِنَ الشَّبَهِ ياسَمينُ” الصادر سنة 2026 عن دار إيقاعات للنشر والطبع بمصر، في عمل يرسّخ حضورها داخل مشهد الومضة الشعرية العربية بوصفها صوتًا يكتب بوعيٍ فنيٍّ عالٍ واقتصاد لغوي دقيق. يقع الديوان في 113 صفحة ويضم قرابة مئتي ومضة شعرية مكثفة، قدّم له الأديب المغربي لحسن ملواني والناقد المصري عبد الله السمطي، في إشارتين نقديتين تؤكدان أهمية التجربة ومكانتها.

منذ العتبة الأولى، يكشف العنوان عن مشروع جمالي قائم على المفارقة الخلّاقة؛ فـ“الشبه” الذي قد يُفهم باعتباره تكرارًا أو استعادةً، يتحول في رؤية الشاعرة إلى فعل خلق جديد، وإلى ولادة ياسمين متجدّد. وليس اختيار الياسمين اعتباطيًا، فهو رمز سوري بامتياز، يحمل عبق دمشق وذاكرة المكان، ويستدعي في الآن ذاته صفاء الروح ورهافة الإحساس. الإهداء إلى دمشق لا يأتي هنا مجرد تحية عاطفية، بل إعلان انتماء واضح، وإقرار بأن الكتابة امتداد للجذور مهما تبدلت الجغرافيات.

لا يقدم الديوان ومضات عابرة أو تأملات سريعة، بل يشتغل على تكثيف اللحظة الشعورية إلى أقصى حدودها، بحيث تتحول العبارة القصيرة إلى فضاء دلالي مفتوح. ميادة سليمان تنحاز إلى لغة عربية وازنة، رصينة، تخلو من الزخرف المجاني، وتقوم على صفاء الصورة وشفافية المجاز. إن الاقتصاد في الكلمات لا يقلّص المعنى، بل يمنحه إشعاعًا مضاعفًا؛ فكل ومضة تبدو كأنها خلاصة تجربة كاملة، مختزلة في سطر أو سطرين، لكنها قادرة على إثارة أسئلة الوجود والحب والغياب والزمن.

وتتبدى في النصوص حساسية عالية تجاه التفاصيل الصغيرة، حيث يتحول العابر إلى علامة، واليومي إلى رمز، والخاص إلى أفق إنساني أوسع. تحضر الذات في الديوان لا بوصفها مركزًا متضخمًا، بل ككائن يتأمل العالم في هدوء، ويصوغ انكساراته وأحلامه بلغة متزنة، بعيدة عن الانفعال الخطابي. ثمة نضج واضح في إدارة الصورة، وفي توزيع البياض، وفي ترك مسافة ذكية بين النص والقارئ، تسمح بتعدد التأويلات دون أن تفقد القصيدة تماسكها الداخلي.

كما يلاحظ أن الديوان يرسّخ مفهوم الومضة الشعرية بوصفها جنسًا قائمًا بذاته، لا مجرد اختزال لقصيدة أطول. فهنا، كل نص مكتمل البنية، مكتنز الرؤية، يحمل منطقه الخاص وإيقاعه الداخلي، ويعتمد على المفاجأة الهادئة التي تضيء المعنى في لحظة خاطفة. هذه القدرة على الإمساك بالبرق دون أن تحترق اللغة، هي ما يمنح التجربة خصوصيتها داخل المشهد الشعري العربي.

“يُخْلَقُ مِنَ الشَّبَهِ ياسَمينُ” ليس إضافة كمية إلى رصيد الشاعرة، بل محطة نوعية تؤكد أن ميادة مهنا سليمان تكتب مشروعًا شعريًا متدرجًا، واعيًا بأدواته، ومؤمنًا بأن الشعر فعل صفاء ومقاومة في آن واحد. إنه ديوان يستحق القراءة المتأنية، والالتفات النقدي الجاد، لما يقدمه من نموذج متوازن بين العمق والبساطة، وبين الرمز والوضوح، وبين الانتماء المحلي والأفق الإنساني الرحب.

بهذا العمل، تواصل الشاعرة السورية ترسيخ حضورها المشرق في فضاء الشعر العربي، مؤكدة أن الياسمين، حين يُخلق من الشبه، لا يكون تكرارًا للجمال، بل ولادةً جديدة له.

تعليقات (0)
اضافة تعليق