أحمد البوكيلي.. حين تلتقي المعرفة الأكاديمية برسالة التأطير الديني

بالواضح – الرباط 

لا تقف وظيفة الأستاذ الجامعي عند حدود نقل المعرفة داخل المدرجات، كما لا تنحصر مسؤولية العالم في امتلاك الرصيد المعرفي أو استحضار المرجعيات الدينية؛ فبين البحث العلمي وأسئلة المجتمع تتشكل مساحة أوسع تتطلب القدرة على وصل المعرفة بواقع الناس، وتحويل المفاهيم إلى أدوات للفهم والتأطير. وفي هذه المساحة يمكن قراءة جانب من مسار الأستاذ أحمد البوكيلي، أستاذ التعليم العالي بشعبة الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الخامس بالرباط، وعضو المجلس العلمي المحلي للرباط.

من الجامعة إلى قضايا المجتمع

يمثل الجمع بين العمل الأكاديمي والانخراط في التأطير الديني أحد المداخل الأساسية لفهم هذا المسار؛ فالجامعة تتيح فضاء البحث والتحليل وتكوين الكفاءات، فيما يفتح العمل داخل المؤسسات العلمية والدينية مجالا آخر للتفاعل مع القضايا التي تمس الحياة اليومية للمجتمع.

ولا يتعلق الأمر بمجرد الجمع بين موقعين، بل بما يمكن أن يتيحه هذا التقاطع من تكامل بين التكوين العلمي والممارسة التأطيرية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدراسات الإسلامية وما تطرحه من أسئلة ترتبط بالقيم والهوية والتماسك الاجتماعي والأمن الروحي.

وفي هذا الاتجاه، نشر البوكيلي دراسة بعنوان «أي دور للجامعة والبحث الأكاديمي في مجال الأمن الروحي»، تناول فيها العلاقة بين المؤسسة الجامعية والبحث العلمي وقضايا الأمن الروحي، وهو موضوع يضع المعرفة الأكاديمية أمام سؤال يتجاوز إنتاج الأفكار إلى استكشاف إمكانات إسهامها في معالجة قضايا المجتمع.

المرجعية الدينية في مواجهة أسئلة الواقع

يبرز مجال الأمن الروحي أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث تتقاطع المرجعية الدينية مع قضايا التأطير والتوعية وترسيخ الثوابت الدينية والوطنية. وتزداد أهمية هذا المجال حين يرتبط بالحاجة إلى تقديم خطاب يستند إلى المعرفة، ويستوعب التحولات الاجتماعية، ويخاطب الناس بما يساعدهم على فهم قضاياهم وتحدياتهم.

وفي هذا الإطار، يندرج اشتغال البوكيلي في مجال التأطير الديني، من خلال مشاركته في أنشطة المجلس العلمي المحلي للرباط، ومنها تأطير دورات تكوينية لفائدة الخطباء ضمن خطة تسديد التبليغ. وهي ممارسة تتيح التقاء المعرفة الأكاديمية بمتطلبات التأطير الديني، بما يستدعيه ذلك من استحضار المرجعيات العلمية ومراعاة حاجات الفئات المستهدفة.

وتكشف هذه التجربة عن جانب عملي من العلاقة بين الجامعة والمجال الديني، إذ لا تظل المعرفة حبيسة البحث والتدريس، بل تجد امتدادا لها في فضاءات التكوين والتأطير، حيث يصبح التواصل الواضح والقدرة على تبسيط المفاهيم عنصرين أساسيين في إيصال الأفكار.

الأسرة والشباب والقيم.. امتداد للاهتمام العلمي

تتجاوز القضايا التي تلتقي عندها المعرفة الدينية والبحث الأكاديمي حدود الدرس النظري، لتشمل موضوعات الأسرة والشباب والقيم، وهي مجالات تتطلب فهما متوازنا للنصوص والمرجعيات من جهة، وللتحولات الاجتماعية وتحديات الواقع من جهة أخرى.

وتبرز أهمية هذا التقاطع في الحاجة إلى مقاربة لا تفصل بين التأصيل العلمي وفهم التحولات التي تعرفها الأسرة والمجتمع، ولا تتعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد متلقين للخطاب، بل باعتبارهم فئة تحتاج إلى التأطير والحوار واستيعاب أسئلتها وتطلعاتها.

ومن هذا المنظور، تكتسب المقاربة العلمية لقضايا المجتمع قيمتها من قدرتها على الانتقال من التشخيص إلى الفهم، ومن استحضار المبادئ إلى البحث في سبل تنزيلها، دون اختزال القضايا المركبة في أجوبة جاهزة أو أحكام عامة.

بين التخصص العلمي والمسؤولية المجتمعية

إن قراءة مسار أحمد البوكيلي من زاوية التقاء العمل الجامعي بالتأطير الديني تتيح إبراز نموذج من الحضور الأكاديمي الذي تتعدد فضاءاته، دون أن يعني ذلك بالضرورة تطابق وظائفها أو أدواتها. فالبحث العلمي يقوم على التحليل والتدقيق وبناء المعرفة، بينما يتطلب التأطير الديني مهارات في التواصل والتوجيه واستحضار خصوصيات السياق.

وتكمن أهمية الجمع بين المجالين في إمكان الاستفادة من أدوات البحث في تعميق الفهم، ومن الخبرة التأطيرية في استشعار الأسئلة التي يطرحها الواقع، بما يفتح مجالا للتفاعل بين المعرفة النظرية والممارسة العملية.

وفي المحصلة، لا تُقاس قيمة المسار الأكاديمي بعدد المواقع التي يشغلها صاحبه وحدها، وإنما كذلك بما يقدمه من إسهام علمي، وبقدرته على جعل تخصصه متصلا بقضايا المجتمع. ومن هذه الزاوية، يبدو مسار البوكيلي مدخلا لطرح سؤال أوسع عن دور الأستاذ الجامعي في المجتمع، وعن الكيفية التي يمكن بها للمعرفة الدينية والأكاديمية أن تتكاملا في خدمة الإنسان وترسيخ القيم.

تعليقات (0)
اضافة تعليق