بالواضح – الرباط
لم يدخل أحمد يانوري إلى فضاء العلاقات المغربية الأمريكية من بوابة الدبلوماسية الرسمية، ولم يبدأ مساره في الولايات المتحدة باعتباره رجل نفوذ أو شخصية سياسية. جاء إلى أمريكا طالباً، قبل أن يتحول إلى باحث في البيولوجيا الجزيئية، ثم إلى رجل أعمال في تكساس، ويصبح لاحقاً أحد الوجوه النشطة في المجتمع المغربي الأمريكي.
وبين العلم والأعمال والعمل الجمعوي والثقافي، بنى يانوري خلال عقود شبكة من العلاقات والمبادرات جعلته حاضراً في مساحة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية، والتبادل الثقافي، وشؤون الجالية، والتواصل مع المجتمع الأمريكي.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على استقراره في الولايات المتحدة، ما يزال اسمه حاضراً في الفضاء المغربي الأمريكي؛ ففي فبراير 2026 استضافه برنامج The Forum with Jim Falk على إذاعة KSFR الأمريكية، وقدّمته المحطة باعتباره رجل أعمال وقيادياً مجتمعياً مغربي الأصل وأمريكياً، في حلقة تناولت رمضان وتجربة المسلمين الأمريكيين.
من بركان إلى تكساس
ولد أحمد يانوري في بركان، وتابع دراسته الجامعية بالمغرب قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة سنة 1983، حيث واصل مساره الأكاديمي وحصل على الدكتوراه في البيولوجيا الجزيئية.
لكن المسار العلمي لم يكن النهاية. فقد انتقل تدريجياً إلى عالم الأعمال، واستقر في أرلينغتون بولاية تكساس، بالقرب من دالاس، حيث ظل نشطاً على مدى عقود.
ويؤكد الموقع الرسمي لـAmerican Moroccan Alliance أن يانوري يقيم في أرلينغتون، وأنه مؤسس المنظمة ورئيسها ومديرها التنفيذي، كما يصفه بأنه رجل أعمال لديه مشاريع في الولايات المتحدة والمغرب.
وهنا بدأت تتشكل شخصية يانوري المركبة: رجل أعمال أمريكي من أصل مغربي، لكنه في الوقت نفسه فاعل في المجتمع المغربي الأمريكي، يحمل معه انتماءه إلى المغرب ويستثمر حضوره داخل المجتمع الأمريكي في بناء جسور بين البلدين.
من رجل أعمال إلى فاعل في الجالية
كان يانوري من مؤسسي American Moroccan Association of North Texas (AMANT)، كما أصبح أحد مؤسسي Moroccan American Coalition (MAC).
وفي أكتوبر 2009، احتضنت واشنطن الدورة الرابعة للمؤتمر السنوي للتحالف المغربي الأمريكي، وكان يانوري أحد الرئيسين المشاركين للمؤتمر إلى جانب إبراهيم نجيخ.
وتكشف الوثائق المنشورة من طرف مجلس الجالية المغربية بالخارج عن طبيعة النقاش الذي كان يحيط آنذاك بهذا الإطار: توحيد الجمعيات المغربية في الولايات المتحدة، تعزيز حضور الجالية، وبحث إمكانات بناء شراكات مغربية أمريكية في المجالات الاقتصادية والثقافية والتعليمية والإنسانية.
وفي كلمته خلال مؤتمر 2009، كان يانوري واضحاً في رؤيته؛ فقد اعتبر أن المغاربة في الولايات المتحدة قطعوا شوطاً مهماً في التنظيم، وأن توحيد الجهود يمكن أن يمنح الجالية قدرة أكبر على خدمة مصالحها والمساهمة في خدمة المغرب.
وهذه النقطة بالذات تكشف جانباً أساسياً من شخصيته: لم يكن ينظر إلى الجالية باعتبارها مجرد تجمع للمغاربة في الخارج، وإنما باعتبارها قوة يمكن أن تكون لها مكانة داخل المجتمع الأمريكي.
واشنطن.. الحضور خارج القنوات الرسمية
ارتبط اسم يانوري أيضاً بعدد من المناسبات التي قربته من دوائر أمريكية رفيعة.
فبحسب السيرة المنشورة على الموقع الرسمي لـAmerican Moroccan Alliance، كان من بين القادة المسلمين الذين دعوا إلى إفطار في البيت الأبيض سنة 2008 خلال ولاية الرئيس جورج بوش، كما كان ضيفاً لوزارة الخارجية الأمريكية خلال مراسم تنصيب الرئيس باراك أوباما، وشارك في استقبال بالبيت الأبيض سنة 2009.
لكن من المهم التمييز هنا بين الحضور والعلاقات وبين شغل منصب رسمي.
فالمصادر المتاحة لا تثبت أن يانوري كان مسؤولاً في الإدارة الأمريكية أو مستشاراً للبيت الأبيض، كما لا تثبت أنه كان ممثلاً رسمياً للحكومة المغربية.
الأدق هو القول إن هذه المشاركات تعكس حضوراً مجتمعياً وعلاقات واسعة داخل الفضاء الأمريكي، استفاد منها لاحقاً في نشاطه المغربي الأمريكي.
«الدبلوماسية الموازية» من بوابة التعليم
ربما يكون هذا الجانب الأكثر دلالة في تجربة أحمد يانوري.
فبدلاً من حصر نشاطه في الدفاع المباشر عن صورة المغرب، اشتغل على التبادل الثقافي والتعليمي باعتباره وسيلة لبناء معرفة أمريكية بالمغرب.
ومن المشاريع التي ارتبطت به تنظيم زيارات لمدرسين وأساتذة من شمال تكساس إلى المغرب، بهدف التعرف على المجتمع والثقافة والتاريخ المغربي.
وتؤكد مصادر أمريكية أن فكرة هذه الرحلات أصبحت من المشاريع الأولى لـAmerican Moroccan Alliance، وأن الهدف منها كان بناء جسر ثقافي بين الولايات المتحدة والمغرب. كما ساهم World Affairs Council of Dallas في دعم إحدى هذه المبادرات.
أما منظمة American Moroccan Alliance نفسها، فتقول في موقعها الرسمي إن مهمتها تتمثل في بناء روابط ثقافية واقتصادية بين المغرب والولايات المتحدة عبر الحوار والمناصرة والخدمة المشتركة والتعليم.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربة يانوري أقرب إلى مفهوم الدبلوماسية الموازية أو دبلوماسية الشعوب، وليس الدبلوماسية الرسمية.
American Moroccan Alliance.. مؤسسة لجسر الثقافات
من خلال American Moroccan Alliance، انتقل هذا التصور من المبادرات الفردية إلى عمل مؤسساتي.
وتقول المنظمة، التي تأسست سنة 2012 وفق موقعها الرسمي، إن يانوري هو مؤسسها ورئيسها ومديرها التنفيذي، وإنها تعمل على تعزيز التفاهم الثقافي بين الولايات المتحدة والمغرب، وتنظيم برامج تعليمية وتبادل بين المجتمعين.
كما تشير المنظمة إلى أن يانوري لديه مشاريع في المغرب والولايات المتحدة، من بينها مشروع في مجال معالجة الخروب بالمغرب، إلى جانب نشاطه في قطاع الضيافة والفنادق في تكساس.
وهكذا جمع الرجل بين الاقتصاد والمجتمع والثقافة، وهي ثلاث أدوات يمكن أن تكون لها أهمية كبيرة في بناء العلاقات بين الشعوب.
رجل أعمال يحمل «قبعتين»
في السيرة الرسمية المنشورة عنه، يصف يانوري نفسه عملياً بأنه يتحرك بـ«قبعتين»: أمريكية ومغربية.
وهذه الثنائية تبدو حاضرة في مساره كله.
فهو من جهة رجل أعمال استقر في الولايات المتحدة، وبنى نشاطاً اقتصادياً في تكساس، ومن جهة أخرى حافظ على حضوره المغربي، سواء عبر المؤسسات الجمعوية أو المشاريع الاقتصادية في المغرب أو برامج التبادل الثقافي.
وهذا ما يفسر لماذا لم يكن نشاطه المغربي الأمريكي محصوراً في الجالية وحدها.
فالموقع الرسمي لمنظمته يقول إن جهوده أنتجت أيضاً فرصاً تجارية في الولايات المتحدة والمغرب، إلى جانب العمل الثقافي والتعليمي.
هل هو «لوبي مغربي» في أمريكا؟
يطرح حضور أحمد يانوري داخل المشهد المغربي الأمريكي سؤالاً مشروعاً حول طبيعة الدور الذي راكمه على مدى عقود: هل يتعلق الأمر بمجرد نشاط جمعوي وثقافي، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى ممارسة شكل من أشكال التأثير غير الرسمي في العلاقات المغربية الأمريكية؟
المعطيات المتاحة ترسم صورة أكثر تركيباً من اختزاله في صفة «لوبيست». فهو لم يقدم نفسه ممثلاً رسمياً للمغرب، كما أن مساره الموثق لا يضعه ضمن فئة جماعات الضغط المهنية التي تتولى تمثيل مصالح حكومات أو جهات أجنبية أمام المؤسسات الأمريكية. لكن نشاطه، في المقابل، تجاوز العمل الجمعوي التقليدي؛ إذ شارك في تأسيس أطر للجالية المغربية، وترأس بشكل مشترك مؤتمر التحالف المغربي الأمريكي في واشنطن سنة 2009، ثم أسس وقاد American Moroccan Alliance، وهي منظمة تعلن صراحة اشتغالها على بناء الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلدين، إلى جانب الحوار والمناصرة والتعليم.
الأهم أن يانوري راكم هذا الدور من داخل المجتمع الأمريكي نفسه. فحضوره لم يقتصر على مخاطبة المغاربة أو الدفاع عن قضايا الجالية، بل امتد إلى بناء علاقات مع مؤسسات وشخصيات أمريكية، وتنظيم مبادرات للتبادل الثقافي والتعليمي، وفتح قنوات للتعاون الاقتصادي. وهنا تحديداً تبرز خصوصية تجربته: هو لا يتحرك بصفة دبلوماسي، وإنما يستثمر موقعه كرجل أعمال وفاعل مجتمعي مغربي أمريكي لصناعة مساحة للتواصل والتأثير بين الطرفين.
ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة «الدبلوماسية الموازية» أكثر تعبيراً عن تجربته من وصفه بـ«اللوبيست». فالأمر يتعلق بمسار طويل تتقاطع فيه الجالية والأعمال والثقافة والتعليم والعلاقات المجتمعية، بما يجعل يانوري واحداً من الفاعلين غير الرسميين الذين ساهموا في نسج شبكة من الروابط بين المغرب والولايات المتحدة.
من الدفاع عن صورة المغرب إلى بناء المصالح
لا يتوقف دور يانوري عند الجانب الثقافي.
فخبرته كرجل أعمال جعلته ينظر إلى العلاقات المغربية الأمريكية أيضاً من زاوية الاستثمار والمصالح الاقتصادية المشتركة.
وتكشف سيرته المنشورة عن ارتباطه بمشاريع في قطاع الضيافة في تكساس، إضافة إلى مشاريع استثمارية في المغرب، وهو ما يمنحه موقعاً مختلفاً عن الناشط الجمعوي التقليدي.
إنه يتحرك في مساحة تجمع بين رجل الأعمال، والفاعل المدني، وعضو الجالية، والوسيط الثقافي.
وهذه التركيبة هي التي تمنح تجربته أهمية خاصة عند قراءة أدوار المغاربة المقيمين في الولايات المتحدة في خدمة العلاقات بين البلدين.
حضوره لم ينتهِ في 2009 أو 2012
من الخطأ اختزال قصة أحمد يانوري في نشاطه خلال العقد الأول من القرن الحالي.
فالمصادر الحديثة تثبت استمرار نشاطه في المجتمع المغربي الأمريكي.
وفي 23 فبراير 2026، ظهر في برنامج The Forum with Jim Falk الذي بثته إذاعة KSFR الأمريكية، إلى جانب فوزية العياشي، وتناول الحديث تجربته كمسلم أمريكي مغربي خلال شهر رمضان، وقدمت المحطة يانوري صراحة باعتباره Moroccan-American and Business/Community Leader.
كما ظهر اسمه في 2025 ضمن فعاليات مرتبطة بمهرجان الجالية المغربية بالخارج في بركان، حيث قدم بصفته رجل أعمال مغربي أمريكي ومؤسساً لجمعيتي AMA وAMANT.
وهذا يعني أن الرجل الذي برز اسمه في أوساط الجالية المغربية الأمريكية قبل أكثر من عقدين ما يزال حاضراً في المشهد المجتمعي حتى اليوم.
من بركان إلى واشنطن.. ثم إلى تكساس
المفارقة في تجربة أحمد يانوري أن واشنطن ليست بالضرورة مقر إقامته.
فالمصادر الحالية للمنظمة التي يرأسها تحدد مقره في أرلينغتون بولاية تكساس، قرب دالاس.
لكن واشنطن ظلت محطة أساسية في مساره المغربي الأمريكي، من خلال مؤتمرات الجالية، واللقاءات، والفعاليات التي جمعته بمؤسسات وشخصيات أمريكية.
وبذلك يمكن القول إن مركزه الاقتصادي والاجتماعي في تكساس، بينما امتدت شبكة علاقاته ونشاطه إلى واشنطن.
رجل أعمال.. أم «سفير شعبي»؟
ربما يكون الوصف الأقرب إلى تجربة أحمد يانوري هو أنه رجل أعمال مغربي أمريكي تحول نجاحه الاقتصادي إلى منصة للعمل المجتمعي والثقافي.
فهو لم يحمل صفة دبلوماسية رسمية، لكنه عمل على خلق علاقات بين المجتمعين المغربي والأمريكي؛ ولم يكن سياسياً أمريكياً، لكنه شارك في أطر سعت إلى إعطاء الجالية المغربية صوتاً أكثر حضوراً؛ ولم يكن ممثلاً رسمياً للمغرب، لكنه جعل من التعريف بالمغرب والتقريب بينه وبين الأمريكيين جزءاً من نشاطه العام.
ومن هنا تبرز أهمية تجربته.
فالعلاقات المغربية الأمريكية لا تُبنى فقط داخل السفارات ووزارات الخارجية، وإنما أيضاً عبر رجال الأعمال، والجامعات، والجاليات، والمجتمع المدني، والتبادل الثقافي والتعليمي.
وفي هذا المستوى تحديداً، استطاع أحمد يانوري أن يحجز لنفسه موقعاً خاصاً.
من بركان إلى تكساس، ومن المختبر إلى عالم الأعمال، ومن العمل الجمعوي إلى واشنطن، بنى أحمد يانوري مساراً جعل من هويته المغربية الأمريكية جسراً بين مجتمعين؛ وهو جسر لا يدّعي صاحبه أنه بديل عن الدبلوماسية الرسمية، لكنه يراهن على قوة العلاقات الإنسان.