أديب بنبراهيم.. خبرةٌ مهنية ومسارٌ سياسي يبلغان محطةً مفصلية

لا تبدو مسيرة أديب بنبراهيم من النوع الذي صنعته السياسة وحدها. قبل أن يصبح اسماً حاضراً في البرلمان والحكومة وداخل حزب الأصالة والمعاصرة، كان قد بنى لنفسه مساراً مهنياً في عالم الخبرة المحاسباتية والتدقيق، حيث تحكم الأرقام الوثيقة، وتُقاس المسؤولية بما تثبته الحسابات لا بما توحي به الانطباعات.

اليوم، يجد بنبراهيم نفسه أمام محطة مختلفة تماماً: انتخابات تشريعية ستجري في 23 شتنبر 2026، يخوضها من جديد بدائرة الرباط شالة، ولكن هذه المرة بصفته كاتب الدولة المكلف بالإسكان، وبعد تجربة برلمانية وحكومية جعلت اسمه أكثر التصاقاً بالقرار العمومي. وقد أودع، في 31 غشت الماضي، ملف ترشيحه وكيلاً للائحة حزب الأصالة والمعاصرة بالدائرة نفسها.

قبل السياسة.. مدرسة الأرقام

ولد أديب بنبراهيم بالرباط سنة 1970، وحصل على بكالوريا العلوم التجريبية من ثانوية دار السلام سنة 1990، قبل أن يواصل تكوينه في مجال التدبير والمحاسبة، وصولاً إلى حصوله على الدبلوم الوطني للخبرة المحاسباتية سنة 2001.

وكان دخوله عالم المهنة من بوابة التدقيق والمحاسبة، إذ مر من تجربة مهنية لدى KPMG، قبل أن يؤسس مكتبه الخاص بالرباط، ثم يطور نشاطه في مجال التدقيق والاستشارة، وصولاً إلى تجربة Crowe Horwath Maroc Audit-Conseil.

لم يكن ذلك مجرد مسار تقني؛ فقد راكم بنبراهيم، على امتداد سنوات، خبرة في التعامل مع المؤسسات والملفات المالية الكبرى، وانخرط في هيئات المهنة، حيث تولى مسؤوليات داخل المجلس الجهوي لهيئة الخبراء المحاسبين بالرباط والشمال.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم جزء من شخصيته المهنية: رجل جاء إلى المجال العمومي من مهنة تقوم أساساً على التدقيق، وتتطلب الانضباط، وقراءة التفاصيل، وربط القرار بالمعطى والرقم.

من المهنة إلى السياسة

لم يكن الانتقال إلى السياسة قفزة مفاجئة. فقد اختار بنبراهيم حزب الأصالة والمعاصرة، وتدرج داخل هياكله، قبل أن يصبح عضواً في مكتبه السياسي، ثم أميناً للمال بالمكتب السياسي في دجنبر 2021.

وبالتوازي مع العمل الحزبي، خاض تجربة الانتخاب المحلي بمدينة الرباط، قبل أن ينتقل إلى المؤسسة التشريعية في انتخابات 8 شتنبر 2021، حين فاز بمقعد عن دائرة الرباط شالة.

في ذلك الاستحقاق، حصل بنبراهيم على 7641 صوتاً، محتلاً المرتبة الثانية في دائرة منحت مقاعدها الثلاثة للتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي.

وهكذا، لم يدخل البرلمان باعتباره وافداً من خارج المجال السياسي، ولا باعتباره ابن المدرسة الحزبية التقليدية فقط؛ بل حمل معه تجربة مهنية طويلة في القطاع الخاص، وخبرة في التدبير المالي، وتجربة انتخابية محلية.

من البرلمان إلى الحكومة

في أكتوبر 2024، انتقل بنبراهيم من المؤسسة التشريعية إلى الجهاز التنفيذي، بعد تعيينه كاتباً للدولة لدى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مكلفاً بالإسكان.

وكان اختيار قطاع الإسكان ذا دلالة خاصة في مساره؛ فالرجل القادم من عالم الأرقام والتدقيق وجد نفسه أمام واحد من أكثر الملفات التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين، وأكثرها تعقيداً من حيث التمويل والعقار والتعمير والسياسات الاجتماعية.

ومنذ ذلك الحين، ارتبط حضوره الحكومي أساساً ببرنامج الدعم المباشر للسكن، وبرنامج القضاء على دور الصفيح، إلى جانب ملفات أخرى تتصل بسياسة السكن.

حين تتحول الأرقام إلى سياسة

في يونيو 2026، قدم بنبراهيم معطيات تعكس حجم برنامج الدعم المباشر للسكن. فقد بلغ عدد الطلبات، إلى غاية فاتح يونيو، 218 ألفاً و877 طلباً، استفاد منها أكثر من 105 آلاف شخص، فيما تجاوزت القيمة الإجمالية للمساكن المقتناة 43.19 مليار درهم، وقاربت مساهمة الدولة في الدعم 8.6 مليارات درهم.

الأرقام هنا ليست مجرد حصيلة إدارية؛ فهي تمثل جوهر السياسة التي يدافع عنها بنبراهيم في القطاع الذي يشرف عليه، حيث تحاول الدولة الانتقال من منطق دعم السكن بصورة غير مباشرة إلى دعم مباشر لفئات محددة من المواطنين.

وفي ملف “مدن بدون صفيح”، قدمت الوزارة بدورها حصيلة تضمنت إعلان 61 مدينة خالية من دور الصفيح، وتحسن ظروف عيش مئات الآلاف من الأسر، مع ارتفاع وتيرة معالجة الملفات خلال السنوات الأخيرة.

وبالنسبة إلى بنبراهيم، شكلت هذه الملفات مساحة لإبراز ما يراه انتقالاً من السياسة العمومية إلى نتائج قابلة للقياس، وهو منطق ينسجم إلى حد بعيد مع تكوينه المهني الأول.

داخل “البام”.. من الكفاءة إلى الرهان السياسي

داخل حزب الأصالة والمعاصرة، لم يعد بنبراهيم مجرد اسم تقني جرى استدعاؤه إلى السياسة. فقد أصبح جزءاً من القيادة الحزبية، وشارك في تدبير عدد من الملفات التنظيمية والانتخابية.

ومع اقتراب انتخابات 2026، اختار الحزب الدفع بعدد من أعضائه في الحكومة إلى الواجهة الانتخابية، وكان بنبراهيم من أبرز الأسماء التي راهن عليها في جهة الرباط سلا القنيطرة، حيث جرى ترشيحه بدائرة الرباط شالة.

واللافت أن الحزب لم يرسله إلى دائرة جديدة، بل أعاده إلى الدائرة التي عرفته نائباً برلمانياً في الولاية السابقة. وهي عودة تحمل في حد ذاتها معنى سياسياً: اختبار الحضور نفسه في المجال الانتخابي، ولكن بعد تجربة حكومية تجعل الحصيلة جزءاً من مادة المنافسة.

الرباط شالة.. اختبار مختلف

الرباط شالة ليست دائرة عادية في الحسابات الانتخابية للعاصمة. فهي دائرة بثلاثة مقاعد، وتدخل انتخابات 2026 بتركيبة تنافسية قوية، مع عودة عدد من الأسماء التي سبق أن خاضت الاستحقاقات السابقة، ودخول وجوه جديدة تسعى إلى تغيير موازين 2021.

وبالنسبة إلى بنبراهيم، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد استعادة مقعد برلماني.

ففي 2021 كان مرشحاً حزبياً ذا تجربة مهنية وانتخابية؛ أما في 2026 فيدخل السباق حاملاً تجربة حكومية ومسؤولية عن قطاع اجتماعي حساس، ما يجعل الناخب أمام شخصية يمكن مساءلتها ليس فقط عن برنامجها السياسي، وإنما أيضاً عن حصيلة مرحلة قضتها في موقع القرار.

وهنا تحديداً يتغير معنى المنافسة.

بين الحصيلة والأسئلة

مثلما تحمل التجربة الحكومية أرقاماً يمكن الدفاع عنها، فهي تفتح أيضاً ملفات قابلة للنقاش والمساءلة. وقد برزت في الآونة الأخيرة انتقادات إعلامية وسياسية مرتبطة بملفات الهدم وإعادة الإسكان والتواصل مع بعض المتضررين في الرباط، بما يجعل عودة بنبراهيم إلى الدائرة الانتخابية مناسبة لاختبار قدرته على تقديم حصيلته والدفاع عنها أمام الناخبين.

ولا يعني ذلك أن هذه الانتقادات تختصر تجربته الحكومية، لكنها تكشف طبيعة المرحلة التي يدخلها الآن: مرحلة لا يكفي فيها عرض الأرقام، بل يصبح مطلوباً تفسيرها، وشرح ما تحقق، والاعتراف بما لم يكتمل، والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المواطنون.

من تدقيق الحسابات إلى تدقيق السياسة

في مسار أديب بنبراهيم، تبدو الخيط الناظم واضحاً: الانتقال من عالم تُقاس فيه النتائج بالأرقام إلى عالم تُقاس فيه أيضاً بالثقة.

فقد بدأ من مهنة لا ترحم الأخطاء، ثم انتقل إلى السياسة، فالبرلمان، ثم الحكومة، قبل أن يعود إلى الميدان الانتخابي حاملاً معه تجربة مختلفة عما كان عليه قبل خمس سنوات.

ولهذا، فإن معركة الرباط شالة بالنسبة إليه ليست مجرد محاولة للعودة إلى البرلمان؛ إنها امتحان للحصيلة وللخطاب وللقدرة على تحويل الخبرة المهنية والسياسية إلى ثقة انتخابية.

وفي نهاية المطاف، قد يكون أديب بنبراهيم اعتاد طوال مسيرته أن يقرأ الأرقام ويدقق الحسابات؛ غير أن الرقم الذي سيحسم هذه المرحلة لن يوجد في تقرير مالي أو حصيلة حكومية، بل في صندوق الاقتراع.

تعليقات (0)
اضافة تعليق