منذ صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سدة البيت الابيض يناير 2017، اختار منطق المصلحة ولا شيء غير المصلحة تجاه علاقات واشنطن في سياسته الديبلوامسية أمام دول العالم، وقد أعلن عن نواياه صراحة منذ بداية حكمه بأن من يدفع، أو ينفع، بالمنطق البراغماتي، هو من يصلح التعامل معه، تحت قاعدة البقاء للأقوى والأصلح.
سعد ناصر مدير نشر موقع “بالواضح”
وبالرغم من تصريحاته الواضحة في هذا الشأن، إلا أن ترامب لم يكتف بذلك، واستطاع أن يثير انتباه العالم، باستخدامه لغة الجسد، في أوضح تجلياتها، من خلال مصافحته الشهيرة التي أبدع من خلالها سلوكه الديبلوماسي، في وضع كل دولة وزعيمها أمام وزنه الذي يستحقه، من خلال طبيعة مصافحته إياه وتعامله معه الذي يختصر كل شيء.
واليوم ومن خلال التقاء قادة العالم في احتفالات الذكرى المائوية لهدنة الحرب العالمية الأولى بباريس، جاءت أخيرا فرصة لقاء ترامب بمجموعة زعماء العالم، من بينهم ملك المملكة المغربية، حيث ظهر جليا كيف تعامل ترامب مع شخص الملك محمد السادس بكل احترام ولباقة وأدب، في حرص واضح من قبل ترامب من خلال نَظَراته التي غابت عنها الشدة والصرامة وتقطيب الحاجبين، التي كان قد اكتوى بنارها زعماء دول عريقة ومرموقة منها ابريطانيا وفرنسا واليابان، حيث جمع في مقابلته مع الملك محمد السادس بين الجدية وطلاقة الوجه وانشراح النظرة والحاجبين.
مصافحة ترامب للملك محمد السادس كشفت للعالم إذن وزن المملكة المغربية ضمن بورصة قيم دول العالم؛ كيف لا وأن ما يجمع واشنطن والرباط من مصالح استراتيجية هامة وبالغة الحساسية، تتجاوز منطق المرحلة والحقبة لدى الزعماء المتعاقبين على حكم الولايات المتحدة، فهي علاقة عميقة ودائمة، لا يمكن لأمريكا بأي حال الاستغناء عنها أو المخاطرة بها، فمجالات التعاون العديدة وعلى رأسها الاقتصادي منها والعسكري والأمني لخير دليل على مدى أهمية الروابط التي تجمع بين البلدين.
ولعل ما كرس قوة المغرب لدى المنتظم الدولي أيضا هو الابتعاد عن سياسة ديبلوماسية الواجهة، ونهج ديبلوماسية المصالح واعتماد أجندة وطنية صرفة ومستقلة في علاقات المملكة المغربية بالدول الصديقة والشقيقة، والتي يتم الاحتكام لها طبقا للمصالح العليا للمغرب، ولعل في مواقف المغرب مثلا تجاه روسيا والولايات المتحدة وأيضا أمام دول الخليج وتركيا وباقي الدول العربية لخير مؤشر يوضح مدى قوة المغرب واستقلال اختياراته الديبلوماسية، وعندما نبحث عن سر وأسباب استقلال القرار المغربي فإن ذلك لم يأت من فراغ، حيث إن السياسة التنموية الواسعة وتقوية الجبهة الداخلية للمملكة هي ما جعلت الخطاب المغربي يتمتع بالمصداقية والاحترام الدولي.