بقلم: الطاهر الطويل
بنى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قصورا من الأحلام الوردية والأوهام الفضفاضة في الحوار التلفزيوني الأخير، إذ لم يكتف فقط بإطلاق الوعود حول تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بل تعدى ذلك إلى مقارنة الجزائر بمحيطها الإقليمي. والغريب في الأمر أنه اعتبر أن البلدان التي تستقبل استثمارات أجنبية هي ذات سيادة ضعيفة، كما أنها لا تتوفر على نقابات قوية، وقال لمُحاوريه “انظروا مثلا ما هو موجود لدى بعض البلدان المجاورة لنا”، دون أن يحدد أي بلد يقصد بالضبط!
ولم تسلم التلفزيونات الغربية من هجوم الرئيس تبون، إذ اعتبر أنها تركز على الجوانب السلبية فحسب في البلاد، من قبيل الاعتقالات والمحاكمات. وكأنه ينتظر منها أن تمارس التمجيد والتطبيل له ولمنجزاته الورقية، في الوقت الذي يكتوي فيه المواطن الجزائري بغلاء المعيشة وبسياسة اقتصادية جائرة، كما تُصادر منه حرية الرأي والتعبير بمبررات واهية. ومع ذلك، يواصل “الحراك” الاجتماعي هناك مظاهراته الأسبوعية.
الخطير في الحوار التلفزيوني أن عبد المجيد تبون أعلن أنه يعتزم إحداث “مفتشية عامة” تابعة لرئاسة الدولة مباشرة. مهلا، لا يخطر ببال أحد أن هذا الجهاز سيتولى تقويم سلوك الرئيس، وتقديم اقتراحات له. وإنما الهدف من تلك “المفتشية” هو مراقبة كل الأجهزة في مختلف المناطق والتجسس عليها، واستغلال موقعها لممارسة دور زجري، ما يعني تضخيم سلطة الرئاسة ومركزية القرار فيها، وتكريس نظام شمولي تغيب فيه الديمقراطية، ولا يراعي مبدأ الفصل بين السلطات واستقلاليتها.
طبعًا، كان لا بد للرئيس تبون أن يشير إلى المغرب، من باب التلميح بحركة يديه، إذ حمّله مسؤولية تراجع المنتخب الجزائري لكرة القدم. وفي مكان آخر من الحوار، أطلق تهديداته تجاه البلد المغاربي الجار، علمًا بأن الرئيس نفسه هو من أجاب على رسالة اليد الممدودة من المغرب بقطع العلاقات وبالمناورات العسكرية في الحدود بين البلدين؛ فبدا أشبه بشخصية “دون كيشوت” الذي يصارع طواحين الهواء بسيفه الخشبي، مثلما كتب الأديب الإسباني سيرفانتيس في روايته الشهيرة.
وبنفحة دينية، ختم الرئيس الجزائري حواره التلفزيوني، لكنه سقط في تحريف الآية الكريمة “إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.” (إذ نطقها هكذا: لا يغيّر الله…) تماما، مثلما حرّف سيف الإسلام القذافي آية أخرى من القرآن الكريم، حينما اختار أن يبصم بها ظهوره الإعلامي الأخير، رغبة في استعادة مجد والده الراحل في قيادة ليبيا “العظمى”!