بقلم: ياسر مزواري (.)
المغرب يتغير، وتتسع معه انتظارات المغاربة. فالمشاريع الكبرى المتعلقة بالبنيات التحتية والصناعة والطاقة والرقمنة تفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد، لكنها ترفع أيضاً سقف ما ينتظره المواطن من هذا التحول. فمن حقه أن يرى أثره في مدرسة أبنائه، وفي فرص العمل المتاحة لهم، وفي جودة العلاج، وفي الخدمات التي يحتاج إليها كل يوم.
هنا يبرز أحد أدوار الأحزاب الرئيسية: أن تجعل مطالب المجتمع حاضرة في القرار العمومي، وأن تقترح وتناقش وتراقب، وأن تتحمل مسؤولية الاختيارات حين تتولى التدبير. والسؤال اليوم هل هي قادرة على أداء هذه الأدوار بما يناسب حجم التحولات التي تعيشها البلاد ؟ فالمغرب الصاعد يحتاج إلى أحزاب تشارك في تحديد أولوياته وصنع مستقبله، وتمنح المواطنين أسباباً ملموسة للثقة في السياسة.
الرؤية الملكية: مسؤولية تتجاوز الخطاب
في خطاب ثورة الملك والشعب سنة 2014، ارتبط طموح المغرب في الالتحاق بمصاف الدول الصاعدة بإصلاح الإدارة والقضاء، وتحسين مناخ الأعمال، ومحاربة الفساد، مع التأكيد على مكانة الأحزاب والنقابات الجادة في بناء الدولة والمجتمع. وقبل ذلك، شدد خطاب 20 غشت لسنة 2011 على مسؤولية الأحزاب في استعادة ثقة الشباب في العمل السياسي.
فكل هذه التوجيهات تضع الأحزاب أمام مسؤولية عملية، تبدأ من قدرتها على ترجمة التوجهات الكبرى إلى برامج واضحة. فالاستناد إلى المرجعية نفسها لا يعفيها من الاجتهاد، ولا يلغي اختلافها في ترتيب الأولويات ووسائل التنفيذ. ومن صميم دورها أن تمنح هذا الاختلاف مضموناً يفهمه المواطن ويستطيع أن يختار على أساسه.
فحين يعلن حزب ما أن التعليم أولوية، مثلاً، يُنتظر منه أن يوضح ما يقترحه لمعالجة التعثر الدراسي، وتأهيل المؤسسات، وتحسين ظروف التدريس، وكيف سيموّل ذلك وفي أي آجال. بهذه التفاصيل يكتسب الموقف السياسي جديته، وتصبح المحاسبة ممكنة.
النموذج التنموي الجديد: من الرؤية إلى أثرها في المجتمع
قدّم النموذج التنموي الجديد، سنة 2021، رؤية في أفق 2035 تجمع بين التحول الاقتصادي وتنمية القدرات البشرية والإدماج الاجتماعي والتنمية الترابية. ويحمل هذا التصور فكرة أساسية: أن تتسع فرص الاستفادة من التنمية، وأن يتمكن الأفراد والجهات من المشاركة فيها، خصوصاً حيث تراكم الخصاص وضعفت الإمكانات.
غير أن المسافة بين الرؤية والتنفيذ تحتاج إلى عمل سياسي ومؤسساتي متواصل. وهنا يُنتظر من الأحزاب أن تتابع السياسات المرتبطة بهذه الأهداف، وأن تفحص نتائجها، وتكشف أسباب تعثرها، وتقترح ما يلزم لتصحيح مسارها.
ويقتضي ذلك امتلاك أدوات للتقييم، والاستعانة بالكفاءات، والإنصات إلى من يعيشون أثر القرارات. فقد ترتفع ميزانية قطاع ما دون أن تتحسن الخدمة بالقدر المنتظر، وقد يُطلق برنامج استثماري دون أن تصل فرصه إلى المقاولات الصغيرة أو الشباب الباحثين عن عمل. ومهمة الأحزاب أن تجعل هذه الفجوات موضوعاً للنقاش والمساءلة، وأن تقدم بشأنها أجوبة تتجاوز التشخيص العام.
الدولة القوية والمجتمع القوي
يقوم الطموح التنموي على دولة قادرة على التخطيط وتنفيذ القانون وضمان الحقوق واستمرارية الخدمات، وعلى مجتمع يمتلك وسائل التنظيم والتعبير والمشاركة. وتتعزز قوة الطرفين حين تتوفر الثقة، وتُعرف المسؤوليات، وتجد المطالب قنوات مؤسساتية تستوعبها.
و للأحزاب مكانة أساسية في هذه العلاقة. فهي مطالبة بتحويل انشغالات الناس إلى مقترحات قابلة للنقاش، وبشرح ما تنطوي عليه السياسات من كلفة وأولويات وحدود. ويحتاج هذا الدور إلى حضور منتظم في الأحياء والقرى، وإلى علاقات حية مع الجمعيات والنقابات والفاعلين الاقتصاديين، حتى تظل المعرفة بالمجتمع متصلة بما يجري فيه فعلاً.
لكن صدقية هذا الحضور تبدأ من داخل الحزب نفسه. ففتح النقاش، ووضوح قواعد تحمل المسؤولية، وإتاحة الفرصة للكفاءات والأجيال الجديدة، شروط لتجديد العمل السياسي. ومن الصعب أن يقنع حزب الشباب بالمشاركة إذا ظلت أدوارهم داخله محدودة، أو بقي وصولهم إلى القرار رهيناً باعتبارات لا صلة لها بالكفاءة والعمل.
نموذج اقتصادي واحد أم مسارات متعددة؟
يستحق هذا السؤال أن يُطرح ضمن النقاش الحزبي، لأنه يمس طبيعة الاختيارات التي سيقوم عليها المغرب الصاعد. ويمكن التمييز هنا بين أهداف وطنية مشتركة، مثل تعزيز السيادة الاقتصادية ورفع الإنتاجية وتقليص الفوارق، وبين الوسائل التي تختلف بحسب القطاعات والجهات والتصورات السياسية.
فالمصنع الموجه للتصدير، والتعاونية القروية، والمقاولة الصناعية الصغيرة، والشركة الناشئة في المجال الرقمي، تعمل في ظروف مختلفة وتحتاج إلى أشكال متباينة من المواكبة. وجمعها ضمن أفق تنموي واحد يقتضي سياسات تراعي هذا التنوع وتتيح التكامل بينها.
و هنا يبرز دور الاستثمار العمومي في البنيات والخدمات الاستراتيجية، و دور المبادرة الخاصة في الإنتاج والابتكار والتشغيل، و تظهر امكانات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تنظيم الأنشطة المحلية وتوسيع الاستفادة منها. وتبقى فعالية هذا التكامل مرتبطة بقواعد عادلة للمنافسة، وولوج منصف إلى التمويل والعقار والصفقات العمومية، وربط الدعم بالتزامات ونتائج واضحة.
و في هذه القضايا ينبغي أن يظهر الاختلاف بين الأحزاب: في تصوراتها للعدالة الجبائية، وتوزيع الاستثمار، وحماية الشغل، ودعم المقاولة، وتمويل الخدمات العمومية. ومن حق المواطن أن يعرف ما الذي يميز برنامجاً عن آخر، وما الذي سيترتب على كل اختيار في حياته ومصالحه.
قطاعات تحتاج إلى مواكبة فعلية
يبدأ الطموح الصناعي والرقمي من التعليم والتكوين والبحث العلمي. فالقدرة على جذب الاستثمار وتطوير الإنتاج مرتبطة بكفاءات تستطيع العمل والابتكار والتكيف مع تغير المهن. وهذا يفرض اهتماماً متصلاً بجودة التعليم، والتوجيه، والتكوين المهني، وبالعلاقة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي، مع الحفاظ على دور المدرسة في بناء المعرفة والمواطنة.
وفي الصحة، يظهر أثر الإصلاح في تفاصيل تعرفها الأسر جيداً: وجود الطبيب، وتوفر الدواء، وقرب الخدمة، ومدة انتظار الموعد، والكلفة المتبقية على المريض. وتمنح هذه التفاصيل معنى عملياً للنقاش حول التغطية الصحية وتأهيل المستشفيات وتوزيع الموارد البشرية بين الجهات.
أما الماء والطاقة والفلاحة، فتفرض اختيارات مترابطة يمتد أثرها لسنوات. فتوجيه الإنتاج الفلاحي ينبغي أن يراعي الموارد المائية، كما ينبغي أن تصاحبه حلول تحمي دخل الفلاح الصغير وتساعده على التكيف. ويمكن لمشاريع الطاقة أن توسع فرص التصنيع والتكوين والخبرة المحلية، متى أُدرجت هذه الأهداف ضمن شروط إنجازها ومواكبتها.
وفي المجال الرقمي، تُقاس قيمة التحديث بقدرته على تبسيط الإجراءات وتحسين الخدمات والإنتاجية. ويتطلب ذلك تأهيل العاملين، وحماية المعطيات، ومساعدة من يواجهون صعوبة في استعمال الأدوات الجديدة، حتى لا تتحول الرقمنة إلى عائق إضافي أمام الحصول على الخدمة.
وتكتمل هذه الصورة بالنقل والسكن والثقافة والاقتصاد المحلي. فقد تتوفر فرصة عمل، ثم تجعل كلفة التنقل الوصول إليها صعباً، وقد يتوسع حي سكني دون مرافق تواكب حاجات سكانه. لذلك ترتبط جودة الترشيحات الحزبية مباشرة بالتنمية: فالمنتخب المحلي أو الجهوي يشارك في قرارات تمس استعمال المجال وجودة العيش وتوزيع الفرص.
العمق الإفريقي: معرفة وشراكات مستمرة
يمتد أفق المغرب الصاعد إلى عمقه الإفريقي. وقد أكد خطاب ثورة الملك والشعب سنة 2017 أهمية التعاون التنموي القائم على مشاريع ملموسة، فيما فتحت مبادرة سنة 2023 لتيسير ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي أفقاً لتعزيز الترابط والتعاون الإقليمي.
وتحتاج هذه التوجهات إلى مواكبة تتسع فيها المعرفة بمجتمعات القارة واقتصاداتها وتحولاتها. فالشراكات المستمرة تقوم على فهم المصالح المتبادلة واحترام خصوصيات البلدان، وعلى علاقات تتجاوز المناسبات الرسمية.
و يمكن للأحزاب أن تسهم في هذا الجهد عبر التواصل مع نظيراتها الإفريقية، وتطوير العمل البرلماني، وتشجيع تبادل الخبرات بين الشباب والجامعات والفاعلين المحليين. كما تستطيع أن تُدخل القضايا الإفريقية إلى برامج التكوين والنقاش داخلها، حتى يصبح هذا العمق حاضراً في ثقافتها السياسية وممارستها.
وتزداد متانة الحضور المغربي حين ترافق المشاريع الاقتصادية روابط إنسانية وثقافية ومعرفية، يشعر فيها الشركاء بأن التعاون يفتح فرصاً مشتركة للتقدم.
أحزاب تشارك في صنع المرحلة المقبلة
تمنح التحولات الجارية للأحزاب فرصة لتجديد جدواها في نظر المجتمع. ويتوقف اغتنامها على ما تنتجه من أفكار، وما تتيحه من كفاءات، وما تبنيه من صلات بالمواطنين، وعلى قدرتها على تحويل التنافس الانتخابي إلى نقاش جدي حول اختيارات البلاد.
و لا يُنتظر منها أن تتفق على كل شيء.فالمغرب يحتاج إلى اختلافات توضح البدائل، وتكشف كلفة القرارات، وتتيح تصحيحها. وتكتسب الأحزاب مكانتها حين يعرف الناس ماذا تقترح، وكيف تعمل، وعلى أي أساس يمكن محاسبتها.
(.) باحث في الشؤون الاجتماعية و السياسية
فاعل مدني