الانتماء بين إطلاق الحريات وتقييدها؟

بقلم: د. محمد وراضي

    صح أن الانتماء هو الانضمام، أو الانتساب إلى جماعة، أو الانخراط فيها. دار حديثنا عن الانتماء إلى دين، أو إلى فرقة، أو إلى حزب، أو إلى جماعة. والانتماء لا يعني مجرد الانتساب أو الانضمام، وإنما يعني كذلك ما يرافقه من قناعة أو من قناعات. والقناعة أو القناعات، لا بد أن تقوم على أسس عقلانية، لا على مجرد أسس عاطفية. فلزم هنا استحضار الانتماء إلى دين محدد، خاصة وأن ربطنا بهذا الدين لا نتولاه نحن غالبا قبل إدراكنا لسن البلوغ، بل يتولى الأبوان ربطنا به دون ما اختيار منا. فنحن بوذيون، أو مجوسيون، أو نصارى، أو يهود، أو مسلمون، لمجرد أننا مولودون لأب ولأم مسلمين. فنكون هكذا مسلمين، أو نصارى، من المهد إلى اللحد على سبيل المثال.

    إنما هل نحن مقتنعون بعد دخولنا في سن البلوغ، بأننا فعلا منتمون إلى نفس الدين الذي وجدنا عليه آباءنا؟ من الحديث النبوي قول رسول الله: “كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”! أي أننا بعبارة أخرى كعجين الألوان، الذي يحوله الأطفال إلى صور لهم كامل الحرية في اختيارها. ثم إننا بعبارة ثالثة كقطعة قماش، بإمكان الخياط أن يحولها إلى سروال، أو إلى معطف، أو إلى قميص، مما يجعل من الصعوبة بمكان أن نعيدها إلى حالتها الأولى، أي إلى مجرد قطعة قماش (= الفطرة)؟

    وبما أن مرحلة الفطرة يتم تجاوزها، بما نكتسبه من ثقافة، ومن مفاهيم، أومن مختلف المعلومات المتعددة المصادر، بحيث إن انتماءنا لدين بعينه يصبح في غاية الوضوح، فهل نملك حرية تناول قضايا هي من صميم الدين الذي نحن من أتباعه؟ أم نحن مقيدون بقيود لا تبيح لنا مناقشة أي موضوع له بديننا صلة، إما من قريب وإما من بعيد؟ خاصة وأن في الدين حواجز ممثلة في الممنوعات، من محرمات ومكروهات؟

    وبما أن الدين يفرض ضوابط وقناعات على المستوى النظري والتطبيقي، فإن الأحزاب والفرق والجماعات تفرض بدورها ضوابط وقناعات على المنتسبين إليها، فإن وفر الدين الحرية الكافية لأتباعه كي ينفصلوا عنه، أو يتناولوا مختلف مضامينه بالنقد والتحليل، فإن ما وفره من حرية، لا بد أن توفره الأحزاب والفرق والجماعات القائمة على الدين نفسه، أيا كان اسم هذه الفرق والأحزاب والجماعات، من حيث ما تنصب عليه انشغالاتها. فهناك أطراف تهتم بالعبادات، وأطراف تهتم بالمعتقدات، وأطراف تهتم بالمعاملات، وأطراف تخلط بين هذا الثالوث من منطلق كونها جماعة سلفية، أو طائفة صوفية. بحيث إن ما يحصل بخصوصها يحصل بخصوص أحزاب سياسية غير ذات مرجعية دينية على وجه العموم، وغير ذات مرجعية إسلامية على وجه الخصوص؟

    وكمدافع عن الإسلام كبنية، أو كمنظومة شاملة لكل القضايا المرتبطة بالإنسان في حياته الخاصة والعامة؟ دون إلغاء مختلف علائقه بكافة موجودات العالم، أقدم من الأدلة ما يكفي للبرهنة على أن الانتماء إلى الإسلام، لا يلغي حرية المنتمين إلى حد أنه يلزمهم بما لم يقتنعوا به، فإن كان يقوم على أساسين: كتاب الله وسنة نبيه، فإنه يعترف بأن مختلف القضايا المتصلة بحياة الإنسان، لم يتم التنصيص عليها كاملة كتابا وسنة. وهذا قول رسول الله الذي نشعر معه بأنه أطلق الحرية للعقول كي تبحث وتبدع، وتكتشف، وتتساءل. فالرسول قد اختبر معاذ بن جبل، بخصوص قضايا لم ترد في الكتاب ولم ترد في السنة، فأجاب معاذ بأنه سوف يعتمد لإيجاد حل لها على التفكير والتأمل. مما يعني أننا نستنكر كل ادعاء بأن الإسلام مجرد اعتماد على نقول صماء! بعيدا عن تفعيل العقول لمواجهة معضلات الحياة. فقد عقد الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” مباحث لامتداح العلم والعقل، وعضد امتداحه بنصوص من القرآن وبأخرى من سنة رسول الله، وبأخرى من تجارب الحياة ذاتها. فصح عندنا أن الإسلام لم يقيد حرية المنتمين إليه، فقد تناول الغزالي في كتابه المذكور مفهوم “السببية” أو “العلية”، كما تناول مفهوم “الشك المنهجي”، مميزا له عن الشك المذهبي السوفسطائي المعيق للتقدم العلمي والصناعي؟ فجاء ديكارت ليعانق مفهوم أبي حامد لهذا الشك ذاته. كما عانق دافيد هيوم مفهوم “السببية” عنده. فصح أن الفكر الإسلامي معطاء، فضلا عن كون فلسفة أرسطو لم تفهم لدى الغرب إلا من خلال فلسفة ابن رشد وشروحه لتلك الفلسفة. فلزم أن ننفي عن الإسلام الفكر الظلامي متى قصدنا الإسلام الحق. أما الإسلام المشوه، فالمتصوفة الظلاميون والقبوريون الضالون، والمشعوذون الكذابون، هم الذين يقدمون هذا الإسلام المرادف للكهنوت لدى الغربيين؟ هذا الذي فصله هؤلاء عن الدولة، على اعتبار أنه دين سيدنا عيسى عليه السلام؟ والحال أنه ليس كذلك، أي أنهم لم يفصلوا الدين الذي جاء به سيدنا عيسى عليه السلام عن الدولة، إنما الذين فصلوا الدين عن الدولة، هم نحن المسلمون. وهذا الموضوع بالذات سوف نتناوله في مناسبة أخرى قادمة، بعد أن نبين كيف أن جميع الفرق والأحزاب والجماعات، عكس الإسلام الحق، تقيد الحريات ولا تطلقها؟؟؟

تعليقات (0)
اضافة تعليق