بقلم: محمد رحا
خريطة السجن فكريا
في سنة 2005 أعتقلت ودخلت أحد السجون العربية على خلفية دعم المقاومة العراقية, فوجدت السجن يعج بمئات المعتقلين المنتمين لما يسمى “السلفية الجهادية”, وقد كان هؤلاء الجهاديون ينقسمون إلى 3 أصناف:
- صنف: أفغان العرب والمتأثرين بهم وبالقاعدة
- صنف: من الجهاديين المحليين
- صنف: من مجموعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(والصنفان الأخيران كان لهما أفكار وتصرفات فيهما جوانب من الغلو وقابلية كبيرة لسلك طريق الخوارج. لذلك التحق أغلبهم اليوم بداعش)
الأصناف الثلاثة كانوا يختلفون فيما بينهم حول طريقة التغيير وبعض المسائل المنهجية إلا أن منهجهم بالعموم كان متقاربا, وكل هؤلاء كانوا قد إعتنقوا الفكر الجهادي قبل حرب العراق 2003 (أي قبل التغيير الذي طرأ على التيار ما بعد موجة التوحيد والجهاد ومنتدياتها).
هؤلاء الأصناف الثلاثة كانوا يشكلون 95 % من نسبة المعتقلين الإسلاميين في هذا السجن, أما الفئة المتبقية ال5 % فكانوا خليطا من الهجرة والتكفير وأصحاب التوقف والتبين, كان يطلق عليهم “المسلمون الجدد”, وهم يكفرون الجهاديين والشعوب وكل الجماعات الإسلامية ولا يؤمنون بفرضية الجهاد. وسأسميهم في هذا الكتاب بالتكفيريين.
خريطة السجن إداريا
كان الجهاديون بعمومهم يوم دخلت السجن متفقين فيما بينهم, إذ كانت لديهم لجنة تمثلهم جميعا وتنظم بعض شؤونهم مثل:
- تنظيم بيت المال (للسجناء المحتاجين), والدورات العلمية والترفيه..
- واختيار وقت التصعيد ووقت التأني مع إدارة السجن من إضرابات وإعتصامات..
- وتتكلم هذه اللجنة بإسمهم أثناء محاورة ومفاوضة مدير السجن والجهات الحقوقية وتحدد مطالبهم وغير ذلك.
وفي الغالب كانت الكلمة المسموعة والقيادة للأفغان العرب
أما صلوات الخمس فكان لكل حي من أحياء السجن إمامه ومؤذنه الخاص بكل أريحية ونظام, فالكل يصلي جماعة وراء إمام حيه باتفاق جميع المعتقلين دون منازع إلا أفراد جماعة التكفير والذين كانوا على حالتين:
- صنف كان يعيش في زنزانة أغلب قاطنيها من الجهاديين, فهؤلاء كانوا يضطرون للصلاة مع الجهاديين تقية بنية الإنفراد, وآخرون كانوا يعيدون الصلاة خفية كما لو أنها نوافل أو يغيبون عن صلاة الجماعة بطرق ملتوية.
- والصنف الآخر كانوا يعيشون في زنزانة منفردة أو زنزانة أغلبها غلاة مثلهم, فهؤلاء كانوا يصلون وحدهم بعدما يغلقون الباب والنوافذ على أنفسهم خوفا من أن يصل صوتهم إلى جيرانهم الجهاديين, وفي هذه الفترة لم يجرء أحد منهم على إعلان حقيقة إعتقاده فينا كجهاديين ولم يقدروا على ذكر مانعهم الحقيقي الذي منعهم من أكل ذبائحنا والصلاة خلفنا, وذلك لضعفهم وقلة عددهم آنذاك, ولعلمهم أنها كانت تعتبر بالنسبة إليهم فترة الإستضعاف.
(ولم يكن لهؤلاء التكفيريين أي دور أوعلاقة في إدارة أمور السجن, ولم يعرفوا قط في النضالات السياسية والحقوقية اللهم سوى النضالات الشفوية التكفيرية)
علاقة الجهاديين بالتكفيريين
كان الجهاديون والتكفيرييون يعيشون منفصلين فيما بينهم بكل وضوح في هذا السجن. فلم يكن الجهاديون يختلطون بهم أو يجالسونهم إلا نادرا من باب إقامة الحجة عليهم فقط, أما أولائك التكفيريين الذين حاولوا إخفاء منهجهم فكانوا في الأغلب معروفين للجهاديين بسبب تحركاتهم المعروفة وأفعالهم المشبوهة ووجوههم المسودة.
ولم يكن الأمر خافيا بل إن المخابرات وإدارة السجن وحتى السجانين كانوا يميزون بين الجهاديين والتكفيريين, حتى أن إدارة السجن والمخابرات هددت بعض الجهاديين أكثر من مرة بوضعهم في زنازن التكفيريين. ولازلت أذكر مرة قال رئيس السجانين في حينا لأحد الجهاديين مهددا: ” إما أن تنتظم معنا أو أضعك في زنزانة رقم 5 التي فيها 4 تكفيريين , كل واحد تكفيري يصلي وحده, واحد يصلي جهة المشرق والآخر جهة المغرب والآخر شهة الشمال والآخر جهة الجنوب , هذا يكفر هذا !! ” هذا ما قاله وصدق فقد كان هذا هو حالهم.
لقد كانت علاقة الجهاديين ببعضهم أثناء هذه الفترة 2003- 2006 جيدة نوعا ما, بنوع من التآلف ووحدة ومحبة وأخوة, وفي الغالب كانت القيادة تعطى لأفغان العرب بسبب “تجربتهم” والتقدير والإحترام الذي كانوا يحظون به من غالبية الجهاديين.
لقد كان هناك جدار منهجي عملي واضح يفصل بين الجهاديين والتكفيريين بحيث كان من السهولة بمكان التمييز بين الطرفين, إلى أن تسرب التغيير الذي بدأ يحصل خارج السجن سنة 2003 بموجة التوحيد والجهاد , وتسرب هذا إلى السجن سنة 2006.
بداية الإنقلاب في السجن
ابتداء من سنة 2003 إلى بعد اعتقالي نهجت السلطات في هذا البلد سياسة ما يسمى “الضربة الإستباقية” مع الجهاديين, فاعتقلت المئات منهم بعدة دعاوى ومبررات لتودعهم في النهاية السجن سنوات وعقود طويلة.
وأعتقد بحكم قرائن ومؤشرات كثيرة أن هدف هذه الإعتقالات لم تكن فقط لإرضاء بعض الدول الغربية والإحتياطات الأمنية أو لضرب المد الإسلامي السياسي, وإنما كانت كذلك تهدف إلى برمجة الجهاديين والتأثير عليهم فكريا, بناء على ما استفادوه من تجارب مصر والسعودية والجزائر وغيرهم مع هذا التيار.
ومن الميزات المهمة في هذا السجن الذي كنت مأسورا فيه, أنه سجن احتياطي يدخله كل المعتقلين الإسلاميين الجدد, فيبقون فيه إلى أن تتم محاكمتهم ليتم بعدها توزيعهم على سجون أخرى. ومكوثي في هذا السجن فترة وجيزة ساعدني على تأمل هذه الفوارق بين أنوع المعتقلين الجدد وملاحظة أفكارهم.
فعند مرور كل بضعة أشهر أو بضعة أسابيع كنا نسمع عن إعتقال خلية جديدة من الجهاديين في أخبار الراديو, فلا تمر إلا أيام حتى يتم إدخال هؤلاء المعتقلين علينا داخل زنازننا, وهكذا دواليك, فدائما ما نستقبل المجموعات الجديدة ونحتك بهم ونسألهم عن أخبار الشارع والعالم, وكثيرا ما كان المعتقلون يتسابقون فيما بينهم لإسكان المعتقلين الجدد في زنازنهم ليسمعوا الجديد, وهكذا حتى تصبح المجموعة المعتقلة الجديدة جزءا من مجموع الجهاديين في السجن.
ومن خلال إستقرائي لتلك المجموعات الجهادية التي كانت تعقتل تلك الفترة:
- وجدت أنهم كانوا حدثاء في هذا التيار الجهادي, ولم تصبهم لوثة “الغلو” حينها بعد.
- لم يكن لهم منهج راسخ وإنما كانت لهم القابلية للإصلاح والقابلية للإنحراف.
- غالبيتهم أراد الإلتحاق “بالجهاد” العراقي.
- أما من ناحية الفكر, فغالبيتهم كان يميل إلى شعارات القاعدة (شعارات فقط أما الفكر فلم يكن لهم اطلاع على أدبياتها).
ثم تقريبا أواخر سنة 2006 أي بعدما بدأت الموجة العراقية المقدسية تفعل فعلها في الجهاديين, طلع صنف جديد من الجهاديين, لم يكن هذا الصنف من قبل موجودا بيننا, لا في السجن ولا بين غالبية الجهاديين أنحاء العالم إلا نادرا.
أثناء هذه الفترة أي تقريبا سنة 2006 إعتقلت السلطات خلية جهادية مختلفة عن الجهاديين السابقين, وأدخلوهم علينا السجن لينقلب السجن كليا رأسا على عقب, بسبب ما أحدثوه في السجن من مشاكل عديدة لا تعد ولا تحصى, ثم تلى إعتقال هذه المجموعة إعتقال مجموعات أخرى من الخلايا المشابهة لها في الفكر, وهذا كان يدل أن هؤلاء الذين بدؤوا يتوافدون علينا من المعتقلين الجهاديين الجدد ما هم إلا نموذجا مصغرا من الجيل الجهادي الجديد الذي بدأ ينموا خارج السجن أنحاء العالم.