التقاعد… حين ينطفئ بريق المنصب ويظهر معدن الإنسان

بقلم: عبدالحفيظ حاجي

ليس التقاعد نهاية للحياة، بل بداية مرحلة أكثر صدقاً ووضوحاً، تتساقط فيها الأقنعة وتُختبر فيها العلاقات بعيداً عن وهج المناصب. فحين يغادر الموظف مكتبه الأخير، يكتشف أن كثيراً من الوجوه التي كانت تحيط به لم تكن ترى الإنسان بقدر ما كانت ترى المنصب وما يتيحه من مصالح.

خلال سنوات العمل، لا يكاد الهاتف يصمت من كثرة الاتصالات والرسائل، فالحضور الاجتماعي يكون غالباً مرتبطاً بالموقع الوظيفي. لكن ما إن يحل التقاعد حتى يخفت ذلك الضجيج فجأة، وتغيب معظم تلك الأصوات، حتى السؤال البسيط عن الحال يصبح نادراً، وكأن بعض العلاقات كانت تُدار بمنطق المصلحة لا المودة.

التقاعد لحظة كاشفة تعيد ترتيب العلاقات على حقيقتها: من يبقى بدافع الوفاء، ومن يغادر بانتهاء الحاجة. وفي هذا الاختبار الهادئ يدرك المتقاعد أن القيمة الحقيقية لا يصنعها المنصب، بل يصنعها الأثر الطيب والاحترام الصادق الذي يتركه الإنسان في قلوب الآخرين.

وقد تمتد الإشكالية أحياناً إلى المتقاعد نفسه، حين يظل أسير ذاكرة المنصب، يستحضر امتيازاته السابقة وكأن الزمن توقف عند آخر لحظة وظيفية. فيتحول التقاعد عنده إلى عبء نفسي بدل أن يكون فرصة للتحرر وإعادة اكتشاف الذات بعيداً عن ضغط العمل.

لكن التقاعد في جوهره مساحة جديدة للحياة: وقت للأسرة، وللصحة، وللقراءة، وللهدوء الداخلي، وللاقتراب أكثر من الذات ومن المعنى. إنه ليس نهاية للعطاء، بل انتقال من واجب الوظيفة إلى رحابة الحياة الإنسانية الأوسع.

وفي النهاية، لا ينقص التقاعد من قيمة أحد، لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بمنصبه، بل بما يتركه من أثر طيب في الناس. أما المناصب فتبقى عابرة، يصفق لها الناس اليوم وينسونها غداً، بينما يبقى الإنسان بما حمله من صدق وتواضع ومحبة.

تعليقات (0)
اضافة تعليق