بقلم: ياسر أبو مهدي
أثار إقرار رسوم لمتابعة الدراسة في أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه بالنسبة إلى أجراء القطاع الخاص وموظفي ومستخدمي القطاع العام «نقاشا مزيفا» حول مجانية التعليم العالي العمومي.
وذهب «استنتاج سريع التحضير» إلى ادعاء أن تفعيل الرسوم المذكورة يعتبر «تراجعا» عن المجانية. ومثل هذا الاستنتاج لا يخرج، في الغالب، عن ثلاثة مصادر: إما المزايدات الانتخابية، وإما الإيمان بثقافة الريع و«حلب الدولة» بلا حساب، وإما الجهل بالإطار القانوني والعملي المنظم للتكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر.
ودرءا لكل محاولة للالتفاف أو التزييف، مهما يكن مصدرها، تنبغي الإشارة، منذ البداية، إلى حقيقة بسيطة: الطالب الذي يتابع تكوينه الأساسي في الجامعة العمومية وفق التوقيت العادي يستمر في الدراسة مجانا.
لم تلغ الرسوم هذه المجانية، ولم تزاحمها، ولم تحل محلها.
أما التوقيت الميسر، فيخص فئة أخرى توجد في وضع مختلف: أشخاص مندمجون أصلا في الحياة المهنية، موظفين كانوا أو مستخدمين أو أجراء، ويرغبون، بعد دخولهم سوق الشغل، في استئناف مسارهم الجامعي بالتوازي مع عملهم.
هنا ننتقل من منطق التكوين الأساسي العادي، إلى منطق التكوين مدى الحياة، الذي يسمح للشخص بالعودة إلى الجامعة لتطوير معارفه أو مؤهلاته، سواء لغاية مهنية أو علمية أو شخصية.
ولفهم الاختيار الذي اعتمدته الدولة من خلال القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، يكفي طرح سؤال بسيط جدا:
كيف يمكن لشخص أن يكون موظفا وطالبا خلال الوقت نفسه؟
أخلاقيا وقانونيا، يتوجب على الموظف أن يحضر إلى مقر عمله خلال التوقيت النظامي المحدد لذلك. وكذلك الشأن بالنسبة إلى أطر القطاع الخاص.
وأخلاقيا وقانونيا كذلك، يتوجب على الطالب أن يحضر إلى قاعات الدراسة، وأن يشارك في الأشغال التوجيهية والتأطيرية والأنشطة العلمية التي يستلزمها تكوينه.
فكيف يمكن التوفيق بين واجب الحضور إلى مقر العمل وواجب الحضور إلى الجامعة عندما يقع الاثنان في الوقت نفسه؟
لا يحتاج الجواب إلى ذكاء استثنائي : وجود الموظف في أحد المكانين يعني، بكل البداهة الممكنة، غيابه عن الآخر.
ويستحيل إنشاء نظام جامعي جدي على فرضية «سوريالية» مفادها أن الموظف أو المستخدم أو الأجير يستطيع أداء واجباته المهنية ومتابعة الدراسة حضوريا خلال الفترة الزمنية نفسها.
فإذا كان مطالبا بأن يكون في مكتبه على الساعة العاشرة صباحا، وكانت محاضرته تبدأ على الساعة العاشرة صباحا، فإن المشكلة لا تحتاج إلى لجنة لدراستها. هناك مكانان وشخص واحد.
إما أن يكون في العمل، وإما أن يكون في الجامعة.
ومن هنا، فإن تسجيل المهنيين في تكوين جامعي بالتوقيت العادي، أي خلال التوقيت النظامي للعمل، ينتج تعارضا يصعب تجاهله بين زمن مهني مؤدى عنه وزمن جامعي يفترض بدوره الحضور والتحصيل.
وهل يتعين على الدولة تمويل التكوين مدى الحياة كما تمول التكوين الأساسي؟
هذا سؤال آخر ينبغي طرحه بتجرد.
فالتكوين الأساسي المجاني يؤدي وظيفة اجتماعية واضحة: تمكين الطلبة من الحصول على تكوين جامعي والولوج إلى الحياة المهنية دون جعل القدرة المالية شرطا للاستفادة من الجامعة العمومية.
لكن الوضع يختلف عندما يتعلق الأمر بشخص مندمج أصلا في سوق الشغل، يتوفر على دخل، ويريد العودة إلى الجامعة بالتوازي مع نشاطه المهني لتطوير مؤهلاته أو الحصول على شهادة إضافية.
هنا لا يتعلق الأمر بحرمانه من الدراسة، بل على العكس تماما: المطلوب هو إيجاد صيغة تسمح له بالدراسة دون أن تتحول دراسته إلى غياب منتظم عن العمل، ودون أن يتحول عمله إلى عذر دائم للغياب عن الجامعة.
وهذه، تحديدا، هي المساحة التي جاء التوقيت الميسر ليشغلها.
التكوين المستمر: كل شيء يبدو جيدا إلى أن تحاول استعمال الشهادة
قبل إقرار هذه الصيغة، حاولت الجامعات الاستجابة إلى الطلب المتزايد للموظفين والمستخدمين والأجراء على استكمال التكوين من خلال عروض التكوين المستمر.
وكانت الفكرة تبدو عملية: تكوين في أوقات ملائمة للمهنيين، مقابل رسوم، ينتهي بالحصول على شهادة خاصة بالجامعة.
المشكلة لم تكن في التسجيل.
ولم تكن في الأداء.
ولم تكن حتى في الدراسة.
المشكلة كانت تبدأ، في حالات كثيرة، بعد الحصول على الشهادة.
فقد يؤدي الشخص مبالغ مالية مهمة، ويدرس سنتين أو ثلاث سنوات أو أكثر، ويحضر الدروس، وينجز البحوث، ويجتاز الاختبارات، ثم يحصل في النهاية على شهادة تحمل اسم الجامعة العمومية وشعارها وتوقيعات مسؤوليها.
كل العلامات الخارجية توحي لصاحبها بأنه يحمل شهادة جامعية كاملة الأوصاف.
ثم يأتي اليوم الذي يريد فيه استعمالها.
يريد التسجيل في السلك الدراسي الموالي؟
يكتشف أن شهادة التكوين المستمر لا تتمتع، لمجرد صدورها عن الجامعة، بصفة الشهادة الوطنية ولا تخوله بالضرورة متابعة الدراسة بالشروط نفسها المقررة لحاملي الدبلومات الوطنية.
يريد الترشح لمباراة يشترط نظامها شهادة وطنية؟
يظهر الفارق.
يريد ترتيب أثر على وضعيته المهنية في حالة يشترط فيها القانون أو النظام الأساسي الحصول على شهادة وطنية؟
يظهر الفارق مرة أخرى.
وهكذا كان الفارق الحقيقي بين الشهادتين لا يظهر دائما عند التسجيل، ولا أثناء الدراسة، ولا حتى في حفل التخرج.
كان ينتظر صاحبه عند أول محاولة جدية لاستعمال الشهادة.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها.
فالمواطن يقول للجامعة:
درست عندكم.
صحيح.
وأديت لكم الرسوم.
صحيح.
واجتزت امتحاناتكم.
صحيح.
وهذه الشهادة تحمل اسم جامعتكم وتوقيعات مسؤوليها.
صحيح أيضا.
إذن أريد أن أتابع بها دراستي في السلك الموالي.
عند هذه النقطة تنتهي سلسلة الإجابات المريحة.
لأن صدور شهادة عن جامعة عمومية لا يجعلها، بمجرد ذلك، دبلوما وطنيا.
فشهادات التكوين المستمر لها وجود قانوني، ولكنها لا تتمتع بصفة الشهادات الوطنية ولا تنتج، في حد ذاتها، الآثار القانونية والأكاديمية والمهنية المترتبة عن هذه الأخيرة.
وهذا التمييز الذي يبدو واضحا بالنسبة إلى المتخصص في القانون الجامعي لم يكن بالوضوح نفسه دائما بالنسبة إلى المواطن الذي دفع رسوم التسجيل ودرس لسنوات وتسلم شهادة من جامعة عمومية.
وكانت النتيجة متوقعة.
نشأت خصومات ومنازعات إدارية وقضائية بين بعض حاملي هذه الشهادات والجامعات والإدارات العمومية.
وهكذا أصبح لبعض شهادات التكوين المستمر مسار ثان لم يكن مكتوبا في البرنامج البيداغوجي:
التسجيل، الأداء، الدراسة، الامتحان، التخرج… ثم المنازعة.
الموظف كان يؤدي أصلا
لهذا يبدو غريبا تقديم التوقيت الميسر كما لو أن الجامعة اكتشفت الأداء لأول مرة.
الموظفون والمستخدمون والأجراء كانوا يؤدون أصلا مقابل عدد من عروض التكوين المستمر.
وكانوا، في حالات كثيرة، يؤدون مبالغ مهمة.
لذلك فالسؤال الجدي ليس:
لماذا أصبح الموظف يؤدي؟
بل:
ماذا كان يحصل عليه عندما كان يؤدي؟ وماذا سيحصل عليه الآن؟
هنا يوجد جوهر الإصلاح.
فإذا كان المهني يريد استكمال دراسته، وإذا كان مستعدا للمساهمة في تكلفة تكوين ينظم في أوقات تتلاءم مع عمله، وإذا كانت الجامعة قادرة على توفير هذا التكوين، فما المبرر للاستمرار في حصره في مسار ينتهي بشهادة تكوين مستمر محدودة الآثار؟
القانون رقم 59.24 حاول إنهاء هذا الوضع من خلال الاعتماد الصريح للتكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر، بما يتيح للموظفين والمستخدمين والأجراء استكمال تكوينهم والحصول على شهادات وطنية، متى استوفوا الشروط الأكاديمية والقانونية المطلوبة، دون الإخلال بالتزاماتهم المهنية من جانب، ودون التضحية بمتطلبات التكوين الجامعي ومصداقية الشهادة من جانب آخر.
لم يخترع المشرع الأداء.
بل غير ما يوجد في الجهة المقابلة منه.
فبدل أن يؤدي المهني مقابل تكوين مستمر ثم يبدأ، بعد التخرج، في البحث عن القيمة القانونية للشهادة التي حصل عليها، أصبح أمامه مسار معلوم منذ البداية: تكوين أساسي، وفق توقيت ميسر، ينتهي إلى شهادة وطنية متى استوفيت شروطها.
الأداء كان موجودا… والمفارقة أنه كان أحيانا أكبر
الحديث المتكرر عن الأداء يقفز أيضا على حقيقة عملية مهمة.
فالموظفون والمستخدمون والأجراء كانوا يؤدون، في عدد من عروض التكوين المستمر، رسوما مهمة مقابل تكوينات تنتهي بشهادات لا تتمتع بصفة الشهادات الوطنية ولا تنتج آثارها القانونية.
وفي حالات عديدة، كانت المبالغ المطلوبة في هذه التكوينات تفوق المبالغ المقررة للتكوين الأساسي وفق التوقيت الميسر.
وهنا تصبح المقارنة مثيرة فعلا:
في النموذج السابق، يؤدي المهني مبلغا أكبر، ويدرس، ويحصل على شهادة خاصة بالجامعة، ثم قد يكتشف حدود استعمالها.
وفي النظام الجديد، يؤدي رسوما أقل، بحسب التكوين المعني، ويتابع تكوينا أساسيا وفق توقيت متوافق مع عمله، ويحصل عند استيفاء شروط النجاح على شهادة وطنية منتجة للآثار المقررة لها.
أي النموذجين أكثر حماية للطالب؟
وأيهما أكثر وضوحا؟
السؤال يستحق أن يطرح، خصوصا على من اختزل النقاش كله في كلمة «الأداء».
الرسوم ليست ثمنا للدبلوم
تنظيم التكوين خارج التوقيت العادي ليست عملية بلا تكلفة.
فالجامعة التي تفتح أبوابها مساء أو خلال نهاية الأسبوع تحتاج إلى تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، وتشغيل القاعات والمختبرات والمرافق، وتنظيم التأطير والامتحانات والخدمات الإدارية والمعلوماتية واللوجستيكية.
لذلك، فالأداء مرتبط بطريقة مخصوصة لتنظيم التكوين لفائدة فئة تجمع بين العمل والدراسة.
وهذا هو الفارق الذي ينبغي ألا يضيع وسط الضجيج.
الطالب الذي يتابع تكوينه الأساسي وفق التوقيت العادي يستمر في الدراسة مجانا.
أما المهني الذي يريد الاستمرار في عمله ومتابعة الدراسة بالتوازي معه، فيستفيد من تنظيم زمني خاص يسمح له بالجمع بين الاثنين.
الاختلاف، إذن، ليس بين «تعليم مجاني» و«تعليم للبيع».
بل بين وضعين مختلفين، لكل منهما منطقه وشروط تنظيمه.
الوظيفة ليست شهادة وفاة أكاديمية
ولا يوجد، في الأصل، سبب يجعل علاقة الإنسان بالجامعة تنتهي في اليوم الذي يحصل فيه على وظيفة.
المعارف تتغير، والمهن تتغير معها.
قد يحتاج موظف درس الاقتصاد قبل خمسة عشر عاما إلى تطوير معارفه في المالية أو الرقمنة. وقد يحتاج قانوني إلى دراسة مجالات لم تكن موجودة أصلا عندما حصل على شهادته. وقد يرغب حامل للإجازة في الحصول على الماستر، أو حامل للماستر، بعد سنوات من الخبرة المهنية، في إنجاز بحث للدكتوراه.
بل إن العودة إلى الجامعة بعد سنوات من العمل قد تكون أكثر فائدة من الدراسة الأولى؛ لأن المهني يعود إليها محملا بتجربة وأسئلة ومشكلات حقيقية استقاها من الممارسة.
هذه هي فلسفة التكوين مدى الحياة.
لكن الاعتراف بحق الشخص في العودة إلى الجامعة لا يعني أن نطلب من الزمن أن يتوقف خلال ساعات عمله.
ولا يعني أن تتحمل الإدارة أو المقاولة غيابه بصورة منتظمة.
ولا يعني كذلك أن تمنحه الجامعة شهادة دون أن يستوفي متطلباتها.
الحل أبسط: العمل في وقته، والدراسة في وقت آخر.
مرونة في التوقيت، لا في قيمة الشهادة
نجاح التوقيت الميسر يبقى، بطبيعة الحال، رهينا بطريقة تنزيله.
فالفرق بين التكوين بالتوقيت العادي والتكوين بالتوقيت الميسر ينبغي أن يكون في الزمن الذي تنظم فيه الدراسة، لا في المستوى المطلوب للحصول على الشهادة.
الحضور والتأطير والتقييم والامتحانات والحجم الزمني ومتطلبات البحث، كل ذلك ينبغي أن يظل خاضعا للصرامة التي تقتضيها الشهادة الوطنية.
فالتوقيت الميسر يعني أن الجامعة غيرت الساعة التي تبدأ فيها المحاضرة، لا أنها غيرت قيمة الدبلوم.
ومن يؤدي في الدكتوراه؟
حتى مسألة الأداء نفسها لا ينبغي اختزالها دائما في علاقة مباشرة بين الطالب وجيبه.
فقد يكون البحث الذي ينجزه موظف أو إطار في سلك الدكتوراه مرتبطا بإشكالية تواجه الإدارة أو المؤسسة أو المقاولة التي يعمل بها، وقد تكون نتائجه قابلة للاستثمار في تطوير طرق اشتغالها أو الرفع من مردوديتها أو حل مشكلة تقنية أو قانونية أو تدبيرية تواجهها.
وفي الحالات التي يسمح بها الإطار القانوني والمالي المعمول به، يمكن تصور مساهمة الإدارات والمؤسسات والمقاولات في تمويل مشاريع البحث التي تخدم حاجاتها، بدل النظر إلى الدكتوراه دائما باعتبارها مشروعا فرديا منفصلا عن المؤسسة التي يعمل فيها الباحث.
وهنا يتحول التكوين مدى الحياة من منفعة فردية فقط إلى استثمار يمكن أن تستفيد منه جهة العمل نفسها.
ماذا تغير إذن؟
قبل القانون رقم 59.24، كان المهني الراغب في استكمال دراسته يجد نفسه، في حالات كثيرة، أمام خيارين كلاهما يحمل مشكلة.
إما تكوين جامعي بالتوقيت العادي، خلال التوقيت النظامي للعمل، بما يخلقه ذلك من تعارض بين واجب الحضور إلى العمل وواجب الحضور إلى الجامعة.
وإما تكوين مستمر مؤدى عنه، ملائم من حيث التوقيت، لكنه ينتهي بشهادة لا تتمتع بصفة الشهادة الوطنية ولا تنتج آثارها القانونية.
في الخيار الأول، المشكلة في التوقيت.
وفي الثاني، المشكلة في الشهادة.
التوقيت الميسر حاول جمع ما كان متفرقا: توقيت متوافق مع العمل، وتكوين جامعي منظم، وشهادة وطنية، مقابل رسوم مرتبطة بالتنظيم الخاص لهذا التكوين.
لذلك فإن القول إن الموظف أصبح يؤدي بعد أن كان يدرس مجانا لا يروي القصة كاملة.
الموظف كان يؤدي أصلا.
وأحيانا كان يؤدي أكثر.
وكان يدرس سنة وسنتين وثلاثا.
وكان يحصل على شهادة أيضا.
لكن المشكلة كانت تظهر عندما يريد أن يفعل بتلك الشهادة شيئا يتجاوز تعليقها على جدار مكتبه.
القانون الجديد حاول، في نهاية المطاف، أن ينقل السؤال من آخر المسار إلى أوله.
فبدل أن يقضي المهني سنوات في الدراسة ثم يكتشف بعد التخرج أنه يحتاج إلى درس إضافي لم يكن مدرجا في البرنامج، عنوانه «القيمة القانونية لشهادتي»، يصبح بإمكانه أن يعرف منذ التسجيل طبيعة التكوين الذي ولجه، وطبيعة الشهادة التي سيحصل عليها، والآثار التي يرتبها القانون عليها.
وهذا، بعيدا عن المزايدات، هو أحد أهم مبررات التكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر.